الفرق بين الفرض والسُّنة
كلاهما من أمر الله تعالى الذي جعله لإصلاح الإنسان وتقويم حياته، فليس في أوامر الله ما هو عبث أو مجرد تكليف بلا غاية، وإنما كل أمر يحمل وراءه حكمة تعيد للإنسان توازنه الظاهر والباطن.
لكن الفرق بين الفرض والسُّنة يظهر في طبيعة العلاقة بين الإنسان وحركته الحياتية.
الفرض
الفرض هو ما يقتضي من الإنسان أن يُفارق طريقته الحياتية المعتادة، وأن يخرج عن سيطرة عاداته وشهواته وانشغالاته اليومية، فيلتزم بحالة من التقييد والانضباط تُضيِّق على النفس ما اعتادت عليه، حتى لا تبقى النفس أسيرة لما ألفته.
فالإنسان بطبيعته يميل إلى الراحة والانطلاق وفق هواه، فيأتي الفرض ليعيد ضبط هذه الحركة، ويُخضع النفس لميزان أعلى من رغباتها المعتادة.
فالصلاة مثلًا تقطع انشغال الإنسان بحياته المتدفقة، فيترك ما بيده ويتجه إلى الله.
والصوم يضيّق على الجسد ما اعتاده من طعام وشراب وشهوة، ليُخرج الإنسان من هيمنة الجسد إلى سعة السيطرة على النفس.
وكذلك سائر الفرائض، فهي انتقال مؤقت من الحالة المعتادة الغالبة إلى حالة من الانضباط المقصود.
ولهذا فإن الفرض غالبًا يحمل من الحكمة ما يتجاوز إدراك الإنسان الكامل، فقد يدرك بعض آثاره، لكنه لا يُحيط بكل ما وراءه من أسرار الإصلاح والتغيير الداخلي.
فالفرض لا يقتصر على ظاهر الأداء، بل يصنع حالة من إعادة تشكيل النفس وضبطها وفكّ ارتباطها المؤقت بما سيطر عليها من عادات الحياة.
السُّنة
أما السُّنة فهي ليست مفارقة للحياة المعتادة، بل هي تصحيح لطريقة ممارسة هذه الحياة.
فالسُّنة تجعل الإنسان يعيش أموره اليومية، لكن وفق ميزان نقي ومتوازن ومستقيم، بحيث تُؤدَّى الأفعال المعتادة بالصورة التي تحقق الخير والصلاح وتمنع الانحراف والفساد.
فالإنسان يأكل ويشرب بطبيعته، لكن السُّنة تضبط هذا الأكل والشرب حتى لا يتحول إلى إسراف أو أذى.
والإنسان يملك شهوة ورغبة، لكن السُّنة تجعل ممارستها من خلال الزواج المشروع، فتحفظ النفس والمجتمع.
والإنسان يتعامل ويتكلم ويتحرك، فتأتي السُّنة لتضع المقاييس التي تجعل هذه الحركة أكثر نقاءً واتزانًا.
ولهذا تكون آثار السُّنة غالبًا ظاهرة وملموسة، فالناس يرون نتائج الالتزام بها في الصحة والاستقرار والأخلاق والعلاقات، كما يرون آثار مخالفتها من فساد واضطراب وتفكك.
فالسُّنة ليست خروجًا من الحياة، بل هي الارتقاء بطريقة عيشها.
الخلاصة:
فالفرض يعيد تشكيل النفس بكسر هيمنة العادة عليها،
أما السُّنة فتعيد تشكيل العادة نفسها حتى تصبح مستقيمة ونقية.
الفرض يعلّم الإنسان كيف يسيطر على نفسه،
والسُّنة تعلّمه كيف يعيش حياته بصورة صحيحة.
وكلاهما رحمة للإنسان، لكن أحدهما يُصلح الإنسان بخروجه المؤقت عن مألوفه،
والآخر يُصلحه وهو يمارس مألوفه بطريقة مستقيمة متوازنة.