مصر والسعودية على مفترق الحروب: هل تدفع إسرائيل نحو فكّ التحالف الإقليمي؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث


مصر والسعودية على مفترق الحروب: هل تدفع إسرائيل نحو فكّ التحالف الإقليمي؟

مقدمة: تحالف يتشكل في غياب القاهرة

لا يبدو غياب مصر عن أي تحالف عسكري مباشر مع السعودية تفصيلًا عابرًا في المشهد الإقليمي، بل يحمل، وفق هذا التحليل، دلالة سياسية وعسكرية تتصل بطبيعة المرحلة المقبلة. 

فالحرب المحتملة بين السعودية والحوثيين قد تتزامن مع احتمال عودة المواجهة مع إيران، في وقت تتجه فيه الحرب في غزة نحو مزيد من التصعيد ضد حماس.

هذا التزامن يضع القاهرة والرياض أمام أولويات مختلفة، ويجعل التنسيق العسكري بينهما أكثر تعقيدًا. 

فبينما تجد السعودية نفسها أمام تهديد يأتي من الحوثيين المرتبطين بإيران، قد تجد مصر نفسها مضطرة إلى التعامل مع تداعيات الحرب في غزة، ومشاكل الجنوب، وما يمكن أن يترتب عليهما من مخاطر مباشرة على أمنها وحدودها، ولا سيما في سيناء.

ومن هنا يبرز السؤال الأهم: هل نحن أمام تباين مؤقت في الحسابات المصرية والسعودية، أم أمام مسار يمكن أن يؤدي إلى إضعاف أي تحالف عسكري إقليمي موحد؟

إيران وغزة: تقاطع مسارين للحرب

تزداد أهمية هذا السؤال مع احتمال عودة الحرب على إيران، خصوصًا في ظل تعيين شخصيات أمنية جديدة في إيران محسوبة على التيار المتشدد. 

وفي المقابل، تعمل إسرائيل على احتلال غزة وشن حرب على حماس بهدف نزع سلاحها، وهو مسار قد يدفع سكان غزة، وفق المخاوف المطروحة، نحو سيناء.

وهنا تتغير طبيعة الحسابات المصرية. فمصر، في حال تصاعد المواجهة مع إسرائيل، قد تجد نفسها أمام ضرورة التنسيق مع إيران في مواجهة عدو مشترك هو إسرائيل، وفي المقابل، ستكون السعودية منشغلة بمواجهة الحوثيين، الذين يرتبطون بإيران.

وهكذا يمكن أن تنشأ مفارقة إقليمية واضحة: مصر قد تجد نفسها في مسار تنسيق مع إيران بسبب الحرب في غزة، فيما تخوض السعودية مواجهة مع طرف مرتبط بإيران. ومن الطبيعي أن يجعل هذا التناقض في الأولويات التنسيق المصري ـ السعودي أكثر صعوبة.

من التحالف الرباعي إلى التباين في الحسابات

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ألم تكن القاهرة والرياض تدركان مسبقًا احتمال الوصول إلى هذا التباين عندما تشكل التنسيق الرباعي بين مصر والسعودية وتركيا وباكستان؟

عندما بدأت الحرب على إيران وتصاعدت التهديدات في البحر الأحمر، كانت غزة تعيش فترة من الهدوء النسبي نتيجة اتفاق وقف إطلاق النار. وفي تلك الظروف، ظهر التنسيق الرباعي باعتباره إطارًا لمواجهة المخاطر في البحر الأحمر وباب المندب.

غير أن المشهد تغيّر مع تصاعد التوتر مع الحوثيين، في الوقت الذي عادت فيه غزة إلى واجهة التصعيد، وبدأت المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، بما يرتبط بمواجهة حماس بهدف نزع سلاحها.

وترافق ذلك مع الحديث عن نقل سلاح حماس إلى سيناء وتفجيره، إضافة إلى ارتفاع مخاطر تهجير سكان غزة نحو سيناء. 

وبذلك لم يعد البحر الأحمر وغزة مسارين منفصلين، بل أصبح التزامنهما عاملًا مؤثرًا في الحسابات المصرية والسعودية على حد سواء.

إسرائيل وإعادة ترتيب الأولويات المصرية

وفق هذا الطرح، فإن تزامن التصعيد في اليمن مع التصعيد في غزة ليس مجرد مصادفة، بل قد يكون جزءًا من استراتيجية إسرائيلية تهدف إلى إبعاد مصر عن أي تحالف عسكري مباشر مع السعودية.

فكلما تصاعدت المخاطر في غزة، أصبحت مصر أكثر تركيزًا على أمنها القومي المباشر، وعلى حدودها مع إسرائيل، إضافة إلى التحديات المرتبطة بحدودها مع السودان وليبيا، حيث يتصاعد التوتر أيضًا.

وبهذه الطريقة، تصبح القاهرة أمام مجموعة من الجبهات والمخاطر التي تستنزف قدرتها على الدخول في مواجهة عسكرية أخرى إلى جانب السعودية.

ومن منظور هذا التحليل، فإن النتيجة المطلوبة هي إبقاء مصر والسعودية أمام حسابات أمنية مختلفة، ومنعهما من تشكيل جبهة عسكرية موحدة في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.

الهدف الأوسع: منع تشكل قوة إقليمية موحدة

الهدف، وفق هذه الرؤية، لا يقتصر على منع تعاون مصري ـ سعودي في ملف الحوثيين، بل يتجاوز ذلك إلى منع تشكل تحالف إقليمي قادر على مواجهة إسرائيل في المستقبل.

فإذا انشغلت السعودية بحرب في البحر الأحمر، وانشغلت مصر بالتهديدات القادمة من غزة وبأمن حدودها، فإن الدولتين ستدخلان المرحلة المقبلة بأولويات مختلفة، وقد تصبح كل منهما أكثر حاجة إلى إدارة أزمتها الخاصة بدلًا من بناء استراتيجية مشتركة.

وبذلك، فإن زرع التباين بين القاهرة والرياض، وفق هذا التصور، يمكن أن يتحول إلى عنصر من عناصر إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية.

«إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد»

أما القول إن مصر والسعودية، بسبب علاقاتهما مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لن تدخلا في مواجهة مع إسرائيل، فلا ينهي، وفق هذا الطرح، جوهر المشكلة.

فالدول قد تقيم علاقات سياسية أو أمنية مع إسرائيل، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن جميع مشاريع إسرائيل الإقليمية تتوافق مع مصالحها. ومن هنا يأتي الحديث عن مشروع «إسرائيل الكبرى» أو «الشرق الأوسط الجديد» باعتباره أحد العناوين الأساسية التي تحكم هذا التحليل.

وبحسب الرؤية المطروحة، فإن مشروع «إسرائيل الكبرى» يتضمن السيطرة على أجزاء من دول المنطقة، بما فيها أجزاء من مصر والسعودية.

وهنا يُطرح نموذجان للتعامل مع المشروع: الأول هو مقاومته وخوض الحرب، كما حدث في غزة، والثاني هو السماح بالسيطرة الإسرائيلية من دون حرب، كما يُطرح في حالة الضفة الغربية.

وبالتالي، فإن وجود قيادة سياسية في مصر أو السعودية على علاقة بإسرائيل لا يعني، وفق هذا المنطق، أن إسرائيل ستتخلى تلقائيًا عن مخططاتها الإقليمية.

مصر والسعودية أمام خيارين

وفق هذه الرؤية، ستجد مصر والسعودية نفسيهما في نهاية المطاف أمام خيارين: مقاومة أي محاولة لفرض تغيير جغرافي أو سياسي على حسابهما، أو السماح بذلك من دون مقاومة.

لكن الخيار الثاني يبدو، بحسب الطرح نفسه، صعبًا إلى حد الاستحالة بسبب حجم السكان واتساع مساحة الدولتين وارتباط الأرض بمفهوم الأمن القومي والسيادة.

ومن هنا تصبح المسألة، في جوهرها، ليست مرتبطة فقط بعلاقة القاهرة والرياض بإسرائيل أو الولايات المتحدة، وإنما بقدرة الدولتين على الحفاظ على مصالحهما وأراضيهما في حال اتساع المشاريع الإقليمية.

لماذا تحتاج إسرائيل إلى إضعاف مصر والسعودية؟

في هذا السياق، يذهب التحليل إلى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء مصر والسعودية منشغلتين بحروب وصراعات في البحر الأحمر، ومنعهما من الوصول إلى صيغة تعاون عسكري موحدة، خصوصًا مع بدء تنفيذ ما يُوصف بمخطط «إسرائيل الكبرى».

وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية، وفق الطرح، من طبيعة القدرات الإسرائيلية؛ إذ إن إسرائيل تعتمد بدرجة كبيرة على التكنولوجيا العسكرية والدعم الأمريكي في مجال الدفاع، في مقابل محدودية عدد السكان الإسرائيليين.

وبالتالي، فإن إضعاف الدول الكبيرة في المنطقة وإشغالها بصراعات داخلية أو إقليمية يمكن، وفق هذا التصور، أن يخدم هدف الحفاظ على التفوق الإسرائيلي.

تفكيك القوى الكبرى وإعادة رسم البحر الأحمر

وفق الخطط التي يستند إليها هذا الطرح، فإن إضعاف الجمهوريات الكبرى، مثل مصر، والممالك الكبرى، مثل السعودية، وإدخالها في صراعات متبادلة، يمكن أن يفتح المجال أمام السيطرة على مناطق استراتيجية في البحر الأحمر.

وتبرز هنا أهمية السواحل، باعتبارها عنصرًا أساسيًا في أي مشروع لإعادة رسم النفوذ الإقليمي. ومن هذا المنطلق، يربط التحليل بين الصراعات التي تدور حول البحر الأحمر وبين ما يُطرح عن خرائط «إسرائيل الكبرى» أو «الشرق الأوسط الجديد».

وبذلك لا تصبح الحرب في اليمن منفصلة عن الحرب في غزة، ولا يصبح الخلاف المصري ـ السعودي مجرد اختلاف في التكتيك، بل يتحول، وفق هذا التحليل، إلى جزء من معركة أوسع على النفوذ والجغرافيا ومستقبل المنطقة.

لماذا قد تجد السعودية نفسها مضطرة إلى مواجهة الحوثيين؟

في ظل هذا المشهد، يبدو فتح السعودية لجبهة مع الحوثيين خيارًا طبيعيًا من الناحية العسكرية والسياسية. لكن ما الذي يحد من قدرة الرياض على اتخاذ هذا القرار؟

الجواب،  يرتبط بدرجة اعتماد المنظومة الدفاعية السعودية على الولايات المتحدة. 

فالأموال المخصصة للدفاع والتحالفات الدفاعية السعودية ترتبط بصورة كبيرة بواشنطن.

وبالتالي، فإن أي قرار أمريكي بتعطيل أو تقليص الدعم للمعدات العسكرية والدفاعية السعودية يمكن أن يضع الرياض في موقع أكثر ضعفًا أمام مختلف أطراف الصراع، من إيران إلى إسرائيل.

وهذا الاعتماد لا ينعكس فقط على قدرة السعودية على خوض حرب خارجية، بل يمتد إلى قدرتها على مواجهة أي محاولات لزعزعة استقرارها الداخلي.

البعد المذهبي والخطر الداخلي

يزداد هذا الخطر، بحسب الطرح، مع تزامن التوتر مع الحوثيين مع التوتر مع الفصائل الشيعية في العراق. 

إذ إن اجتماع هذه الملفات قد يرفع مستوى المخاوف من انتقال التوتر الإقليمي إلى الداخل السعودي، وظهور توترات ذات طابع مذهبي.

ومن هنا، يصبح القرار السعودي أكثر تعقيدًا: فرفض الانخراط في الحرب قد يعني مواجهة ضغوط أمريكية وفقدان جزء من القدرة العسكرية، بينما الانخراط فيها قد يفتح جبهات جديدة ويزيد المخاطر الإقليمية والداخلية.

وبالتالي، فإن الرياض قد تجد نفسها أمام خيارات صعبة في كل الاتجاهات.

الحرب السعودية ومأزق التنسيق مع مصر

المشكلة الأساسية أن الحرب التي قد تخوضها السعودية ضد الحوثيين ستعني مواجهة خصم لا ترغب مصر، وفق المعطيات التي يقدمها هذا التحليل، في خوض حرب ضده في الوقت الراهن.

وهنا يظهر جوهر التباين بين البلدين: السعودية تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم تهديدًا مباشرًا يستدعي المواجهة، بينما تنظر مصر إلى المشهد من زاوية مختلفة، تفرضها الحرب في غزة والتهديدات المرتبطة بها وأمن الحدود.

وهكذا، فإن العوامل التي كان يفترض أن تدفع القاهرة والرياض نحو تنسيق أكبر قد تتحول إلى عوامل تدفعهما في اتجاهين مختلفين.

«تحالف مكة» من دون مصر: الدلالة السياسية

من هنا، يمكن فهم نشوء «تحالف مكة» من دون مصر باعتباره نتيجة مباشرة لهذا التباين في الأولويات والحسابات.

فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يشارك في تحالف عسكري ومن يغيب عنه، بل بما يكشفه هذا الغياب عن طبيعة التحولات الجارية في المنطقة.

إن خروج مصر من هذا الإطار، في ظل استمرار التصعيد في غزة واليمن واحتمال عودة المواجهة مع إيران، يعكس صعوبة بناء جبهة عسكرية إقليمية موحدة في وقت تتداخل فيه ساحات الصراع إلى درجة تجعل أمن كل دولة مرتبطًا بساحة مختلفة.

الخلاصة: معركة التحالفات قبل معركة الجبهات

الخلاصة الأساسية لهذا التحليل هي أن المعركة الإقليمية لا تدور فقط على الجبهات العسكرية، وإنما أيضًا على طبيعة التحالفات التي ستتشكل في المرحلة المقبلة.

فالسعودية تواجه ضغوطًا تدفعها نحو مواجهة الحوثيين، بينما تواجه مصر حسابات مرتبطة بغزة وإسرائيل وسيناء، إضافة إلى تحديات حدودية أخرى، وفي الوقت نفسه، يبقى احتمال عودة المواجهة مع إيران عاملًا قادرًا على إعادة خلط جميع الأوراق.

ومن هذا المنظور، فإن عدم انضمام مصر إلى تحالف عسكري مباشر مع السعودية لا يُقرأ فقط باعتباره قرارًا تكتيكيًا، بل باعتباره مؤشرًا على عمق التباين في ترتيب الأولويات بين القاهرة والرياض.

أما إسرائيل، فيُقدّمها هذا التحليل باعتبارها المستفيد المحتمل من استمرار هذا التباين، لأن انشغال مصر والسعودية بجبهات مختلفة يقلل من فرص توحيد قدراتهما العسكرية والسياسية في مواجهة المشاريع الإقليمية المتنافسة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الأكبر: هل تستطيع مصر والسعودية تجاوز اختلاف ساحات التهديد وتشكيل رؤية أمنية مشتركة، أم أن تعدد الحروب من غزة إلى البحر الأحمر وإيران سيجعل كل دولة تخوض معركتها الخاصة؟

إذا كان السيناريو الثاني هو الذي سيتحقق، فإن «تحالف مكة» من دون مصر قد لا يكون مجرد تحالف عسكري مؤقت، بل علامة على مرحلة جديدة من إعادة ترتيب التحالفات في الشرق الأوسط، حيث قد تصبح معركة منع تشكل التحالفات بحد ذاتها جزءًا من معركة السيطرة على مستقبل المنطقة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0