الجذر اللغوي )ءبب) – وتأويل لفظ ﴿أَبًّا﴾
كلمة المصدر (ءبب):
الجذر اللغوي )ءبب (كما ورد في
الصفحة الثالثة من معجم كتابك بالتفصيل:
|
الجذر اللغوي |
الكلمة
القرآنية |
تكرار الكلمة |
عدد الكلمات
المختلفة |
إجمالي تكرار
الجذر |
|
ءبب |
أَبّاً |
1 |
1 |
1 |
فرضيات تأويل
الحروف المشتركة في كلمة المصدر (ءبب)
فرضية التأويل لحرف الألف: (أ)
هو رمز التأليف المستمر بين الأمور والأحوال المتفرقة
والمختلفة، وبين الفرقاء الذين تجمعهم بعد فرقة، فهو يضبط التباين ضبطًا تامًا، ويُحدِّد
الأطراف ويُبرزهم على غيرهم، حتى يغدو مجموعهم كأنهم كيان واحد هو الأفضل، الذي يُؤنَس
به دون سواه، ويتفاوت أثره في ذلك بحسب القياس، فيكون في بعض المواضع أدنى درجات الجمع،
وفي أخرى أقصاها.
حيث يمثل الألف —
في هذا التصور — رمز التأليف والجمع؛ فهو يشير إلى ضمّ
المتفرق، وتقريب المختلف، وضبط التباين حتى يصير المتعدد كيانًا واحدًا منسجمًا.
فهو يحدد الأطراف ويبرزها، ثم يجمعها في وحدة أعلى، ويتفاوت أثره بحسب المقام:
فقد يدل على أدنى درجات الاجتماع، وقد يبلغ أقصاها.
فرضية تأويل حرف الباء (ب)
هو
رمز الظهور والبروز، فهو يدل على أن الشيء بان وبرز وظهر على غيره،
أو خرج من باطنٍ إلى ظاهرٍ، من داخل محيطه إلى خارجه، حتى صار متميزًا واضح
المعالم.
كما يحمل معنى الانتقال من حالٍ إلى نقيضها، أي تحوّل الشيء عن وضعه
الطبيعي إلى خارج حدوده.
وقد
يدل أيضًا على الثبات في الذات مع تغيّر ما حولها، فيبقى الشيء على حاله
بينما يتبدّل غيره، فتكون خصائصه بيّنة، بائنة، بادية لا يخفى أثرها ولا
يلتبس معناها.
فرضية التأويل
لكلمة المصدر (ءبب):
فرضية تأليف وجمع
مستمر لأحوال حركة حرفي الباء والباء التاليين فهي تضمهما في أحوالهما المختلفة
وتضبط التباين الحادث لهما وتجمعهم كأنهم وحدة واحدة متصلة من الأفعال أو الآثار.
وطبقاً لفرضية
تأويل حرف الباء: فالألف المهموزة هنا تعمل على تأليف وجمع ومستمر لظهور وبروز طبقة
من طبقة أخرى أو ظهور شيء وبان من باطن شيء آخر أو تحول الشيء من وضعه الطبيعي
لخارج حدوده.
فرضية تأويل
الكلمة القرآنية ﴿أَبًّا﴾:
وصف التشكيل والحركات
|
الحرف |
التشكيل المكتوب |
وصف الحركة والنطق |
|
أ |
الفتحة
(ـَ) |
همزة
قطع مفتوحة تُنطق مَمدودة نطقاً خفيفاً (أَ). |
|
ب |
الشدة والفتحة (ـَّ) |
حرف الباء مُضعف؛ الأول ساكن (بْ) والثاني مفتوح (بَ) نتيجة
الإدغام. |
|
ـاً |
تنوين
الفتح (ـً) |
فتحتان
تُوضعان فوق الباء المشددة، وتُلفظ نوناً ساكنة عند الوصل (بَنْ). |
|
ا |
سكون ميت (ألف صامتة) |
ألف التنوين، تُكتب ولا تُلفظ عند الوصل، ويُوقف عليها بمد
العوض (أَبَّا). |
- الفتح: فرضية تأثير حرف الألف (سبق ذكره)
- الشدة: فرضية تأثير حرف الشين:
وهو رمز الانتشار والتشعب،
يدل على تفرّع الشيء عن أصله وامتداده في صور متعددة تشبهه في المظهر أو الجوهر.
ويمثل الصورة الثانية من الأصل
أو ما يتولد عنه في اتجاهات مختلفة، كأنه شعاع يخرج من مركز واحد فيتوزع على محيطه
دون أن ينفصل تمامًا عن منبعه.
ويحمل معنى الانتشار والاشتهار،
فالشيء "شائع" إذا فشا خبره أو أثره، و"انتشر" إذا تفرّق في
مواضع كثيرة مع بقاء الصلة بمصدره.
وكما يدل على التشبيه والمشاكلة،
أي ما يشبه الأصل في الهيئة أو الصفة دون أن يكونه تمامًا، فيكون الحرف أداة تمييز
بين الأصل وما تفرّع عنه أو مثّل صورته.
ويتضمن أيضًا معنى الانشقاق أو
الفراغ الجزئي داخل الكيان، أي ما يسمح بظهور جديد دون إلغاء الأصل، فيُنشئ
منه فرعًا أو ظلاً أو شقًّا يحمل خصائصه.
- السكون: تأثير
السكون الفعلي لخاصية الحرف الأصلي.
- التنوين: فرضية تأثير حرف النون:
هو حرف النقاء والتميز والانفراد،
يدل على ما نقي ونقي من أصله، أي ما ينتج عن شيء كنسخة متصلة به ولكنه
متفرد ومستقل.
ويمثل الانفصال عن المجموع أو
الأصل دون اختلاط، فهو ينأى وينفر، وينتقل من شيء أو مكان مع الحفاظ على
نقائه، متنافراً مع ما حوله ولا يختلط به، بل يحافظ على صفاته الخاصة.
ويحمل معنى الإنتاج والنسخ
والتكاثر، فهو قادر على إعطاء نسلاً أو نواتج، أي نقل شيء من أصله وإنتاج نسخة
منه مع المحافظة على صفاته الأساسية.
ومن دلالاته أيضًا التحريك
والإسكان والنزول، أي القدرة على الانتقال والتحكم في الموقع والحركة، مع
الحفاظ على الجوهر والنقاء.
اللفظ داخل السياق:
{فَلْيَنْظُرِ
الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (25) ثُمَّ
شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (26) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (27) وَعِنَبًا
وَقَضْبًا (28) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (29) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (30) وَفَاكِهَةً
وَأَبًّا (31)} (سورة عبس 24 - 31)
نجد السياق يوجه القارئ للنظر إلى
طعامه منذ بداية تكوينه بصب الماء بالأرض والذي يؤدي إلى تشققها فتنبت الحب والعنب
والفسائل والزيتون والنخل والحدائق المنقولة بالفسائل والفاكهة ثم يأتي لفظ وَأَبًّا موصولاً بما سبق إشارة إلى أنها دورة مستمرة، وقد اختلفوا
في معنى هذا اللفظ في حين أنه ضلع هام باستكمال تأويله نستكمل الحركة الدائرية
لدورة حياة ما تنبت الأرض.
فرضية تأويل لفظ
﴿أَبًّا﴾:
(أَ): هي لها حالات متفرقة
ومختلفة ممتدة تتوحد فيما بينها وتنضبط ضبطاً تاماً ورغم أن هذه الحالات متباينة
ولكن مجموعين كأنهم كيان واحد ويتفاوت أثر هذه الحالات حسب ظروف بروزها وفي هذا
السياق صب الماء وتشقق الأرض هو الظرف الأساسي لظهور تلك الأحوال، (بًّا) الباء
الأولى ساكنة في النطق أي أن بروزها ساكن وفي حالة ثبات أثناء تغيير ما حولها من
ظروف، وهذا التغيير يبدأ مع صب الماء وتشقق الأرض، فتنتقل من حالة الثبات والسكون
لنقيضه بفعل الباء المفتوحة نطقًا فيخرج من باطنها ومن داخل محيطها لخارجه حالات
بروز متعاقبة ومختلفة حتى يظهر تشكيل الشدة وتأثير حرف الشين التي تشير بوضوح أن
هذه الحالات المختلفة التي تبرز من باطنها تنتشر وتتشعب فتفرغها عن أصلها لصور
متعددة فتتكاثر وتتوالد في اتجاهات مختلفة كأنه تشعبات من مركز واحد من خلال انشقاقها
وإفراغ ما في باطنها للخارج في تلك التشعبات فينشئ فروعًا منها تحمل خصائصها حيث
يظهر عليها تأثير تشكيل التنوين لتنتج ناتج نقي عن أصلها أي نسخة جديدة متصلة بها
ولكن متفردة ومستقلة عنها معتمدة على تكوينها وتشعباتها الجديدة فناتج تكاثرها
يحافظ على صفته سواء كانت نتج أي من الأنواع المذكورة بالسياق ثم يأتي حرف الألف
غير المهموز في نهاية اللفظ ليشير إلى الإعلان عن حالات مختلفة سوف تنشأ بعد هذا
الناتج والتكاثر والانفراد لكل من الناتج النهائي أي من نوع ما من النباتات التي
تخرج منها.
إذن طبقاً لفرضية هذا التأويل (أَبًّا) هي البذرة التي تنشأ منها أصل النبات أو الفاكهة.
الخاتمة
وبذلك نصل، من
خلال تتبع الجذر (ءبب)، وتحليل بنية
لفظ ﴿أَبًّا﴾، والنظر في حروفه وحركاته وتشكيله، ثم ربط ذلك كله بالسياق
الذي ورد فيه اللفظ في سورة عبس، إلى تصور تأويلي يرى أن الكلمة ليست مقطوعة عن
حركة المعنى في الآيات السابقة، بل تأتي في نهايتها لتستكمل مشهدًا متدرجًا يبدأ بصب
الماء، ثم شق الأرض، ثم الإنبات، ثم ظهور صور النبات والثمر وتفرعها وتكاثرها.
ووفق هذه
الفرضية، فإن ﴿أَبًّا﴾ تشير إلى الأصل الذي تتولد منه صور النبات وتتفرع
عنه نواتجه؛ أي إلى البذرة أو ما يقوم مقامها في استمرار دورة الإنبات
والتكاثر. فالألف يجمع وينظم، والباء تبرز وتُخرج ما في الباطن إلى الظاهر،
وتكرارها مع الشدة والتنوين يضيف — في إطار هذا المنهج — معاني التتابع والتشعب
والتكاثر وإنتاج ناتج جديد متصل بأصله.
ومن هنا لا يكون
﴿وَأَبًّا﴾ مجرد لفظ زائد في تعداد أنواع الطعام، وإنما يمكن أن يُفهم —
وفق هذا التأويل — باعتباره خاتمة لحركة التكوين والتجدد التي رسمها السياق كله: ماءٌ يُصب،
وأرضٌ تُشق، ونباتٌ يخرج، وأصلٌ يتفرع، وناتجٌ يتولد، ثم تستمر الدورة.
وهذه النتيجة
تظل فرضية تأويلية ضمن منهج تأويل الحروف، وليست دعوى بإلغاء المعاني
المعجمية الموروثة أو استبدالها بقول قطعي؛ وإنما هي محاولة لقراءة اللفظ القرآني
من خلال اجتماع الحرف والجذر والتشكيل والسياق في بناء دلالي واحد.
ولعل قيمة هذا
التأويل، قبل صحة نتيجته النهائية، تكمن في أنه يعيد توجيه النظر إلى السؤال
الأعمق: هل يمكن أن تكون البنية الصوتية
والكتابية للفظ القرآني جزءًا من شبكة دلالية متكاملة، لا يظهر تمام معناها إلا
حين تُقرأ داخل سياقها؟