الدجال الأعور: حين ترى الدنيا بعين واحدة وتغيب عنك الحقيقة

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


الدجال الأعور: حين ترى الدنيا بعين واحدة وتغيب عنك الحقيقة

حين يُذكر الدجال، تنصرف أذهان كثير من الناس إلى صورة الشخص الذي سيظهر في آخر الزمان، لكن للصورة نفسها دلالة رمزية تستحق التأمل. فالدجال أعور، والأعور لا يرى إلا بعين واحدة، ومن هنا يمكن أن نفهم «العور» ليس فقط باعتباره عيبًا في الرؤية، وإنما باعتباره رمزًا لرؤية ناقصة؛ رؤية ترى جانبًا من الحقيقة وتحجب الجانب الآخر، ثم تطلب منك أن تتعامل مع النصف الذي تراه وكأنه الحقيقة كلها.

وهنا تكمن إحدى أخطر صور الدجل: ألا يُطلب منك أن تكذب، وإنما أن ترى جزءًا من الحقيقة فقط.

أن ترى الدنيا ولا ترى الآخرة. أن ترى المال ولا ترى ثمنه، أن ترى القوة ولا ترى مسؤوليتها، أن ترى الحرية ولا ترى العبودية التي قد تُبنى باسمها، أن ترى المتعة ولا ترى نتائجها. أن ترى الحرب ولا ترى ضحاياها، أن ترى الشعار ولا تنظر إلى الفعل الذي يقف خلفه.

الدجال، بهذا المعنى الرمزي، لا يحتاج إلى أن يغلق عيني الإنسان بالكامل؛ يكفي أن يجعله يستخدم عينًا واحدة.

ومن هنا تبدأ الحيلة الأكبر.

فالعالم الحديث لا يُدار بالقوة وحدها، وإنما يُدار أيضًا باللغة والصورة والرواية. الكلمات نفسها يمكن أن تصبح أدوات لإعادة تشكيل الوعي. الحرية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والأمن، والتقدم، والحداثة، ومكافحة الإرهاب، والسلام، كلها مفاهيم تحمل في أصلها معاني مهمة، لكن الخطر يبدأ عندما تتحول هذه المفاهيم إلى مجرد لافتات تُرفع لتغطية أفعال تناقضها.

ولهذا لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا تسمي هذه السياسة أو تلك الحرب؟

بل يجب أن يكون السؤال: ماذا تفعل هذه السياسة بالإنسان؟

هل أصبح الإنسان أكثر حرية فعلًا؟ هل أصبحت حياته أكثر كرامة؟ هل انخفض الظلم؟ هل أصبح أكثر قدرة على اختيار مصيره؟ أم أن الكلمات الجميلة أصبحت غطاءً لنظام جديد من السيطرة والاستغلال؟

هنا يتحول الدجل من كذبة فردية إلى منظومة كاملة لصناعة الصورة.

وقد يصبح أخطر شخص ليس من يقول لك «أنا الشر»، وإنما من يقول لك «أنا أحارب الشر»، ثم يجعلك تؤيد أفعالًا لو صدرت عن خصمه لاعتبرتها جريمة.

وهذه هي الازدواجية الأخلاقية التي تسمح للدجل بالاستمرار. فإذا كان قتل الأبرياء جريمة، فلا ينبغي أن تتغير طبيعة الجريمة بتغير هوية من ارتكبها. وإذا كان استغلال الإنسان جريمة، فلا يصبح مقبولًا لأن من يمارسه يرفع شعارًا سياسيًا أو إنسانيًا. وإذا كان الكذب مذمومًا، فلا يتحول إلى فضيلة عندما يخدم القضية التي نؤمن بها.

لكن المشكلة أن الإنسان كثيرًا ما لا يحكم على الفعل، وإنما يحكم على صاحبه. فإذا كان صاحبه من جماعته أصبح الفعل قابلًا للتبرير، وإذا كان من خصومه أصبح دليلًا على الشر المطلق.

وهنا تبدأ صناعة «العين الواحدة».

فالإعلام يستطيع أن يريك الضحية التي يريدك أن تراها، ويخفي عنك ضحية أخرى. يستطيع أن يريك الصاروخ الذي أطلقه خصمك، ولا يريك الظروف التي سبقته. يستطيع أن يريك الجريمة، ولا يريك تاريخ الصراع الذي أنتجها. يستطيع أن يريك لحظة واحدة، ويمنعك من رؤية الصورة الكاملة.

وعندما تتكرر هذه العملية، لا يعود الإنسان بحاجة إلى من يكذب عليه في كل مرة؛ لأنه يتعلم بنفسه أن ينظر من الزاوية التي أُعِدَّت له.


ولعل قضية جيفري إبستين تقدم مثالًا صارخًا على المسافة التي يمكن أن توجد بين الصورة الاجتماعية والواقع الأخلاقي. فقد كان إبستين رجلًا بالغ الثراء، تحيط به علاقات واسعة مع شخصيات نافذة ومشهورة، بينما اتهمته السلطات الفيدرالية الأمريكية عام 2019 بالاتجار الجنسي بقاصرات والتآمر لذلك، وكشفت القضية عالمًا شديد التناقض بين الواجهة الاجتماعية اللامعة وبين ضحايا كانوا في الجانب الذي لم تكن الأضواء مسلطة عليه.

لكن من الضروري هنا عدم الوقوع في دجل مضاد؛ فمجرد معرفة شخص بإبستين أو ظهوره معه لا يثبت اشتراكه في جرائمه. الدليل الجنائي شيء، والعلاقة الاجتماعية شيء آخر. وهذه الدقة مهمة؛ لأن مقاومة الدجل لا يمكن أن تكون بنشر اتهامات غير مثبتة.

إن القيمة الحقيقية لقضية إبستين بالنسبة إلى هذه الفكرة ليست في تحويل كل من ظهر في محيطه إلى متهم، وإنما في كشف سؤال أعمق: كيف يمكن للمال والنفوذ والشهرة والصورة الاجتماعية أن تصنع حول الإنسان طبقات من الحماية الرمزية، بحيث يرى المجتمع الواجهة قبل أن يرى الضحية؟

العين الأولى ترى الطائرة والمال والشهرة والعلاقات والنفوذ.

أما العين الثانية فتسأل: أين الضحايا؟ كيف حدث ذلك؟ أين كانت المؤسسات؟ وكيف تمكنت هذه الشبكة من العمل كل هذه السنوات؟

وهذه العين الثانية هي التي يغيب حضورها عندما تصبح الصورة أقوى من الحقيقة.

والأمر نفسه يمكن أن يظهر في السياسة الدولية. فالحرب على العراق عام 2003 مثال تاريخي واضح على خطورة امتلاك رواية واحدة للمشهد. فقد قُدمت أسلحة الدمار الشامل باعتبارها عنصرًا أساسيًا في تقدير الخطر العراقي، ثم خلصت مراجعات رسمية لاحقة إلى أن عددًا من الأحكام الاستخباراتية الأساسية بالغ في تقدير الأدلة أو لم يكن مدعومًا بها على النحو الكافي، وأن «التفكير الجماعي» ساهم في تفسير الأدلة الغامضة باعتبارها تؤيد وجود برنامج نشط لأسلحة الدمار الشامل.

ولا تحتاج هذه الواقعة إلى افتراض أن كل شيء كان مخططًا داخل غرفة سرية حتى نفهم آلية الخطر. يكفي أن نرى كيف يمكن أن تعمل المنظومة عندما تتحد المخاوف مع الرواية السياسية ومع التكرار الإعلامي ومع رغبة المؤسسات في تصديق ما يتوافق مع تصوراتها السابقة.

يبدأ الأمر بالخوف، ثم تأتي الرواية، ثم يتكرر الحديث عنها، ثم تتحول الرواية إلى يقين، ثم يصبح اليقين أساسًا للقرار.

وفي هذه اللحظة يصبح السؤال الأهم: ماذا حدث للمعلومات التي كانت تناقض الرواية؟

هذه هي مشكلة العين الواحدة؛ فهي لا ترى بالضرورة شيئًا كاذبًا، لكنها ترى شيئًا صحيحًا وتمنعك من رؤية الأشياء الصحيحة الأخرى التي تغير معنى الصورة كلها.

وهنا نصل إلى المستوى الآخر من الحكاية: الناس الذين يعيشون داخل هذا العالم.

فليس كل إنسان يقاوم الدجل. 

هناك فريق أول غاص في الدنيا حتى أصبح لا يريد أن يسأل كثيرًا، ولا يهمه كيف يعمل النظام ما دام قادرًا على التعايش معه والاستفادة منه، ويريد راتبه، ومصلحته، وفرصته، ومكانه، وربما بعض الامتيازات التي يستطيع الحصول عليها.

وقد يقول في داخله: ما شأني بكل هذا؟ طالما أنني أستطيع أن أعيش، فلماذا أبحث عن الحقيقة؟

وهكذا يتحول الإنسان تدريجيًا من مشارك في صناعة المجتمع إلى مجرد مستهلك للواقع.

لا يسأل من صنع القرار، ولا من دفع الثمن، ولا من استفاد، ولا من خسر. يكفيه أن تصله قطعة من الكعكة.

وهنا يظهر مفهوم «فتات الحرام». فالمنظومة الفاسدة لا تحتاج إلى إفساد الجميع بالدرجة نفسها، فيكفي أن يحصل عدد كبير من الناس على منافع صغيرة تجعلهم مترددين في هدم الفساد الذي يحصلون منه على هذه المنافع.

واحد يحصل على واسطة، وآخر على استثناء، وثالث على منفعة، ورابع على فرصة لا يستحقها، وخامس على حماية، وسادس يربح من ثغرة قانونية صُنعت لخدمة أصحاب النفوذ.

وهكذا يصبح الهرم محميًا من الأسفل كما هو محمي من الأعلى.

الذين في القمة يملكون القوة، والذين في الوسط يملكون المصالح، والذين في القاعدة يملكون الأمل في الحصول على نصيب صغير من الفتات.

وهنا لا تحتاج المنظومة إلى إجبار الجميع على حبها؛ يكفي أن تجعل سقوطها يبدو خطرًا على مصالح عدد كافٍ من الناس.

لكن هناك فريقًا آخر، وهو الفريق الذي يرى الخلل ويرفضه.

وهنا تبدأ مفارقة أكثر تعقيدًا.

فالإنسان الذي يشعر أن العالم فاسد يبحث طبيعيًا عن جماعة أو فكرة أو حركة يستطيع من خلالها مقاومة هذا الفساد. وهذا في ذاته ليس خطأ. المشكلة تبدأ عندما يفقد الإنسان استقلال رؤيته ويستبدل سلطة النظام بسلطة جماعته.

فيترك دجلًا ليدخل في دجل آخر.

كان يبحث عن الحقيقة، فأصبح يبحث عن جماعة تقول له إنها تملك الحقيقة.

كان يريد مواجهة الظلم، فأصبح مستعدًا لتبرير ظلم جماعته.

كان يريد التخلص من الدعاية، فأصبح يردد دعاية أخرى.

كان يريد مقاومة الاستبداد، فأصبح لا يسمح لأحد داخل جماعته بأن يسأله.

وهنا يمكن أن يتحول مقاوم الدجال إلى أداة في منظومته من حيث لا يدري.

إن صناعة الصراعات لا تحتاج دائمًا إلى أن تجعل الناس يحبون طرفًا معينًا. أحيانًا يكفي أن تجعلهم يكرهون بعضهم بعضًا.

بدل أن يسأل الإنسان: من المستفيد من استمرار هذه اللعبة؟ يصبح السؤال: من هو عدوي؟

وبدل أن يبحث عن البنية التي تنتج المشكلة، يبدأ في البحث عن طائفة أو حزب أو قومية أو جماعة يحملها المسؤولية الكاملة.

وهكذا يتحول الصراع من سؤال عن النظام إلى صراع بين الهويات.

من سؤال «كيف تعمل اللعبة؟» إلى سؤال «من نكره؟».

ومن البحث عن الحقيقة إلى البحث عن عدو.

وهذه آلية خطيرة ظهرت في صور مختلفة عبر التاريخ. ففي رواندا، على سبيل المثال، لعبت الدعاية وخطابات التحريض دورًا في تصعيد الانقسام وتحويل جماعة بشرية إلى صورة للعدو، ضمن سياق معقد من الصراع السياسي والاجتماعي. ولم تكن الدعاية وحدها سبب المأساة، لكنها ساعدت على خلق بيئة يصبح فيها قتل الآخر أكثر قابلية للتبرير.

وهنا نرى كيف يمكن للكلمة أن تصبح سلاحًا قبل أن يصبح السلاح في اليد.

فحين يُنزَع عن الإنسان وصف «الإنسان»، يصبح التعامل معه باعتباره خطرًا أسهل نفسيًا.

وهذه ربما واحدة من أخطر نتائج الدجل: أنه لا يطلب منك فقط أن تكره خصمك، بل يعيد تعريف خصمك بحيث لا تعود تراه إنسانًا أصلًا.

ومن هنا نفهم كيف يمكن للدجال أن يستفيد من الفريقين في الوقت نفسه.

الفريق الأول منشغل بالدنيا ومصالحها وشهواتها، والفريق الثاني منشغل بالصراع ضد الآخرين.

الأول لا يريد أن يعرف.

والثاني يريد أن يعرف، لكنه قد يقبل تفسيرًا جاهزًا.

وبين الاثنين تضيع الحقيقة.

الأول يقول: لا شأن لي.

والثاني يقول: أنا أعرف كل شيء.

والحقيقة غالبًا أكثر تعقيدًا من الاثنين.

فهي تحتاج إلى إنسان قادر على أن يقول: لا أعرف بعد.

قادر على أن يسمع رواية خصمه دون أن يصدقها بالضرورة.

وقادر على أن يعترف بأن جماعته قد تخطئ.

وقادر على أن يرى الجريمة حتى لو ارتكبها من يحب.

وقادر على أن يرى الخير حتى لو صدر عن من يكره.

هذه القدرة هي إحدى صور التحرر من العين الواحدة.

وعندما تدخل المصالح الخارجية في الصراعات، يمكن أن تصبح المسألة أكثر تعقيدًا. فالجماعات المتصارعة تحتاج إلى المال والسلاح والإعلام والاعتراف السياسي والحماية، ومن يملك هذه الأدوات يستطيع التأثير في اتجاه الصراع حتى دون أن يعلن أنه يتحكم فيه.

ولا يعني ذلك أن كل جماعة مسلحة أو سياسية هي مجرد أداة في يد قوة خارجية؛ فالتاريخ أكثر تعقيدًا من هذه التفسيرات المبسطة. 

لكن من الحقائق المعروفة في العلاقات الدولية أن القوى الكبرى والإقليمية تستخدم التحالفات والوكلاء والدعم السياسي والعسكري والإعلامي لتحقيق مصالحها.

وهنا يصبح السؤال الاستراتيجي بالغ الأهمية:

من يمول؟

من يسلح؟

من يوفر المنصة الإعلامية؟

من يمنح الاعتراف؟

من يستفيد من استمرار الصراع؟

ومن يخسر إذا انتهى؟

لأن الحرب عندما تستمر سنوات طويلة قد تتحول من حدث سياسي إلى منظومة مصالح قائمة بذاتها.

صناعة السلاح تستفيد.

تجارة الموارد قد تستفيد.

بعض شبكات النفوذ تستفيد.

بعض النخب المحلية تستفيد.

وقد تستفيد قوى إقليمية من إضعاف خصمها.

وقد تستفيد قوى دولية من إبقاء منطقة كاملة في حالة اعتماد أمني وسياسي.

وفي النهاية قد يجد الجميع أنفسهم يخوضون حروبًا متعددة، بينما لا يسأل أحد عن المستفيد النهائي من استمرار الفوضى.

وهنا نصل إلى جوهر فكرة «عبادة الدجال».

عبادة الدجال، في هذا المعنى الرمزي، لا تعني بالضرورة أن يسجد الإنسان له أو يصلي له.

قد ترفض اسمه وتلعنه، ومع ذلك تعيش داخل منظومته.

يكفي أن يسمح لك بأن يحدد ما الذي تراه، وما الذي تخاف منه، ومن الذي تكرهه، وما الذي تعتبره نجاحًا، وما الذي تعتبره فشلًا.

إذا استطاع أن يحدد لك هذه الأشياء، فقد أصبح جزءًا من تشكيل وعيك حتى لو كنت تعتقد أنك تحاربه.

ولهذا فإن العبودية الحديثة ليست بالضرورة سلسلة حديدية في اليد.

قد تكون فكرة داخل الرأس.

قد تكون استهلاكًا لا تستطيع التوقف عنه.

قد تكون خوفًا دائمًا.

قد تكون رغبة لا تنتهي.

قد تكون صراعًا مستمرًا مع الآخرين.

وقد تكون حاجة دائمة إلى أن يخبرك شخص آخر بمن هو الخير ومن هو الشر.

وهنا يصبح الإنسان مستعدًا للدفاع عن القيد الذي يظنه حرية.

وهذا هو أخطر أنواع العبودية: أن تختار القيد بنفسك لأنك لم تعد تراه قيدًا.

لكن يبقى السؤال: ما علاقة كل ذلك بالعين الأخرى؟

العين الأولى هي عين الدنيا.

ترى ما هو قريب، ومادي، وعاجل، وقابل للقياس.

ترى المال، والقوة، والشهوة، والمكانة، والانتصار، والربح.

أما العين الثانية فهي عين المعنى والعاقبة والحساب.

لا تنكر الدنيا، لكنها تضعها في مكانها.

ترى المال وتسأل عن مصدره.

وترى القوة وتسأل كيف استُخدمت.

وترى الشهوة وتسأل إلى أين تقود.

وترى الانتصار وتسأل على حساب من تحقق.

وترى الحرية وتسأل: حرية من؟ ولصالح من؟

وترى الحرب وتسأل: أين الإنسان الذي دفع ثمنها؟

وهنا تتضح الفكرة القرآنية الكبرى عن الإنسان الذي لا ينبغي أن يحصر نفسه في ظاهر الحياة وحده. فالدنيا ليست الوهم لأنها دنيا، ولكن الوهم أن تصبح الدنيا كل الحقيقة.

يمكن للإنسان أن يكون ماديًا في سلوكه حتى لو تحدث كثيرًا عن الدين.

ويمكن أن يرفع شعارات الأخلاق بينما يجعل مصلحته معيار الحق.

ويمكن أن يتحدث عن الآخرة بينما لا يرى في قراراته إلا حسابات الدنيا.

فالمشكلة ليست في الكلمات التي يقولها الإنسان، وإنما في العين التي يرى بها العالم.

ولذلك ربما يكون أخطر سؤال في هذه المقالة ليس: من هو الدجال؟

بل: هل نستطيع أن نراه؟

فالإنسان الذي يرى بعين واحدة قد يحارب الدجال وهو يستخدم أدواته.

قد يرفض صورته لكنه يتبنى قيمه.

قد يلعن الكذب لكنه يصدق الرواية التي توافق هواه.

قد يرفض الظلم عندما يقع عليه، ثم يبرره عندما يقع على خصمه.

قد يدافع عن الحرية لجماعته، ويقبل قمع الآخرين.

قد يرفض عبادة الأشخاص، ثم يحول قائد جماعته إلى شخص لا يُسأل ولا يُراجع.

وهنا تكتمل الخدعة.

لأن الدجال لا يكون قد انتصر عندما جعل الإنسان يؤيده.

إنما ينتصر عندما جعل الإنسان يفكر بمنطقه دون أن يشعر.

ولهذا فإن مواجهة الدجل لا تبدأ فقط بالبحث عن الدجال، وإنما تبدأ باستعادة القدرة على الرؤية.

أن ترى الصورة كاملة.

أن تسأل عن الجزء الغائب.

أن تبحث عن الضحية التي لم تظهر في المشهد.

أن تسأل من يمول، ومن يستفيد، ومن يدفع الثمن.

أن تراجع الرواية التي توافقك قبل الرواية التي تخالفك.

أن تضع المبدأ فوق الشخص.

وأن تضع الحقيقة فوق الجماعة.

وأن ترفض أن يتحول الدين إلى عصبية، والوطن إلى مبرر للظلم، والحرية إلى غطاء للسيطرة، والإنسانية إلى شعار يُستخدم عندما يخدم المصالح.

لذلك يمكن اختصار المعنى كله في عبارة واحدة:

الدجال ليس فقط من يكذب عليك، بل من يمنعك من رؤية الحقيقة كاملة.

هو لا يحتاج إلى إغلاق عينيك.

يكفي أن يجعلك تستخدم واحدة.

يرى لك الدنيا ويمنعك من رؤية الآخرة.

يرى لك المكسب ويمنعك من رؤية الثمن.

يرى لك العدو ويمنعك من رؤية المستفيد.

يرى لك الشعار ويمنعك من رؤية الفعل.

يرى لك الصورة ويمنعك من رؤية الحقيقة.

أما النجاة من هذه الرؤية الناقصة فلا تكون بالهروب من الدنيا، ولا برفض السياسة، ولا برفض العلم، ولا بالانسحاب من المجتمع، وإنما بأن تستعيد القدرة على رؤية الدنيا دون أن تنسى الآخرة.

أن ترى القوة وثمنها.

والمال وحسابه.

والشهوة وعاقبتها.

والحرب وضحاياها.

والشعار وحقيقته.

والصديق وخطئه.

والعدو وإنسانيته.

والانتصار وما قد يختبئ وراءه من خسائر.

فإذا استطاع الدجال أن يجعلك ترى بعين واحدة، فقد أصبح من السهل أن يقودك إلى المكان الذي يريد.

أما إذا استعادت عينك الثانية قدرتها على الرؤية، فلن تعود تسأل فقط: ماذا يريدون مني أن أرى؟

بل ستسأل السؤال الأصعب:

ماذا يريدون مني ألا أرى؟

وهنا تبدأ مقاومة الدجل الحقيقية.


تعليقات

عدد التعليقات : 0