زلزال البحر الأحمر: معركة المندب وإعادة رسم الخارطة الجيوستراتيجية للشرق الأوسط
مقدمة الربط الجيوسياسي:
لا يمكن قراءة المشهد المتفجر اليوم في جنوب الجزيرة العربية والقرن الأفريقي بمعزل عن التحركات العسكرية والتحالفات الإقليمية. فإن استهداف ميناء المخا الذي يتبع الحكومة الشرعية اليمنية المدعومة من المملكة السعودية بالصواريخ والطائرات المسيرة ليس مجرد حادث عابر في حرب اليمن، بل هو شرارة صدام جيوسياسي واقتصادي واسع النطاق يرتبط مباشرةً بصراع النفوذ بين مصر ومحور نفوذ جديد يمتد من تل أبيب وأبوظبي إلى أديس أبابا وسلطات أرض الصومال.
1. ميناء المخا الذي يستهدفه الحوثيون
يُمثل ميناء المخا النقطة الحاكمة المطلة على البحر الأحمر والقريبة استراتيجياً من مضيق باب المندب.
ورغم أنه يُدار مع مطلع عام 2026 كقاعدة إمداد عسكرية تحت إشراف الحكومة اليمنية الشرعية (المدعومة من السعودية)، إلا أن الواقع العملياتي يُظهر أنه حلقة في مشروع إماراتي متكامل.
يتكون هذا المشروع من شبكة إمداد عسكرية ولوجستية متداخلة تبدأ من قاعدة عصب الإريترية، مروراً بـ المخا على الساحل اليمني، وصولاً إلى قاعدة جزيرة سقطرى الاستراتيجية في المحيط الهندي.
2. مشروع محور البحر الأحمر
إن تحويل قاعدة المخا إلى مرتكَز عسكري يهدف بالأساس لخدمة مخطط أوسع هو "مشروع محور البحر الأحمر"، الذي يضم أربعة أطراف حليفة (إسرائيل، الإمارات، إثيوبيا، وأرض الصومال).
ويرتكز هذا المحور على تحقيق ثلاثة أهداف فارقة:
- إنشاء قاعدة عسكرية في أرض الصومال (بربرة): لتأمين موطئ قدم عند خليج عدن.
- منح إثيوبيا منفذاً بحرياً: بفك عزلتها الجغرافية وتحويلها إلى قوة بحرية في القرن الأفريقي.
- السيادة الإسرائيلية على باب المندب: تحكّم المخابرات والقوات الإسرائيلية بمناطق الاختناق المائي بالكامل.
3. موقع مصر والدول المتأثرة
تقف مصر في صدارة الدول المتأثرة، بل وتُعتبر الخاسر الأكبر حال تمكين هذا المحور؛ نظراً لتهديده المباشر لعصبها القومي والأمني:
- خنق قناة السويس: سيطرة إسرائيل وحلفائها على باب المندب تعني التحكم التام بمدخل البحر الأحمر، وبالتالي تقييد خيارات الملاحة المارة عبر قناة السويس.
- الأمن المائي: تمكين إثيوبيا جيوستراتيجياً يُعزز من قدرتها وسيطرتها على ملف مياه النيل وسد النهضة، مما يُشكل تهديداً وجودياً لمصر.
4. التحركات العسكرية والردود
لم تقف القاهرة مكتوفة الأيدي؛ حيث قامت بـ:
- إنزال قوات ومعدات عسكرية في الصومال: لتطويق إثيوبيا من الخلف وإفشال اتفاقها مع أرض الصومال بإنشاء القاعدة البحرية.
- التشابك مع هجمات الحوثي: جاء استهداف الحوثيين لميناء المخا (نقطة الارتكاز الميداني لموردي المحور) ليتقاطع مع الرغبة المصرية في تعطيل مشروع البحر الأحمر.
وقد دفعت هذه التطوراتُ أطرافَ المحور للتكالب وضغط "أوراق الخنق" ضد مصر في عدة جبهات متزامنة.
5. ردود الفعل المتزامنة ضد مصر
تمارس أطراف المحور ضغوطاً متزامنة ومكثفة لثني مصر عن تحركاتها الأفريقية:
- إسرائيل: جمّدت أي مرونة في ملف قطاع غزة ومحور فيلادلفيا لخلق ضغط أمني وعسكري مباشر ومستمر على الحدود المصرية الشمالية الشرقية.
- الإمارات: لوّحت بورقة العمالة المصرية المتواجدة على أراضيها والملفات الاقتصادية والتدفقات المالية.
- إثيوبيا: صاعَدت في ملف سد النهضة للسيطرة على تدفق مياه نهر النيل وفرض سياسة الأمر الواقع على القاهرة.
العلاقة الضمنية بين مصر والحوثي (تقاطع المصالح):
رغم الخلاف الأيديولوجي، تُظهر القراءة التحليلية وجود قنوات تواصل استخباراتية صامتة بين مصر والحوثيين؛ حيث يلتقي الطرفان في رفض تقسيم الصومال، ومنع التمدد الإسرائيلي في bab al-mandab، وإجهاض "مشروع محور البحر الأحمر" الذي يسعى لسلب مصر دورها التاريخي والإقليمي في المنطقة.