القائمة الرئيسية

الصفحات

وهم تحدّي القدر: كيف يحوّل فساد الإنسان الحياة إلى جحيم

حين يغيب وعي الإنسان بسنن الله في الكون، يتولد في داخله وهمٌ خطير: أنه قادر على تحدّي القدر وتغيير مساره بالفساد أو القوة أو الحيلة. فيتصور أن قتله أو سرقته أو ظلمه للناس لن يتجاوز أثره حدود اللحظة أو المكان. لكنه يغفل أن الكون الذي نعيش فيه ليس ساحة فوضى، بل منظومة دقيقة من السنن الإلهية التي تربط بين الفعل ونتيجته، وبين الظلم وآثاره، وبين الفساد وما يجرّه من اضطراب في حياة البشر.

ولهذا فإن كثيرًا من الناس ــ إلا من رحم الله ــ يظنون أنهم حين يفسدون في الأرض إنما يحققون مكسبًا سريعًا أو يتفوقون على غيرهم. لكنهم في الحقيقة لا يغيرون القدر كما يتوهمون، بل يفعّلون سننًا أخرى من سنن الله؛ سننٍ تقوم على العدل في النتائج، وإن تأخر ظهورها.

فالإنسان قد يقتل أو يسرق أو يظلم، وهو يعتقد أنه أفلت من الحساب أو أنه استطاع أن يطوّع الظروف لصالحه، غير مدرك أن فعله هذا يدخل في سلسلة من الأسباب التي تُحدث اضطرابًا أوسع في حياة الناس. فالفساد ليس فعلاً فرديًا معزولاً؛ بل هو شرارة تمتد آثارها في المجتمع كله.

ولهذا يقرر القرآن حقيقة عميقة حين يقول:

﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون﴾
ــ سورة الروم (الآية 41)

فالفساد هنا ليس مجرد خطأ أخلاقي، بل اختلال في توازن الحياة نفسها. وعندما ينتشر الظلم والغش والسرقة والخيانة، فإن المجتمع كله يدخل في دائرة من الاضطراب: فقرٌ يزداد، وثقةٌ تتآكل، وعدلٌ يضيع، وأزمات تتلاحق.

قصة يوسف: حين تتحقق السنن عبر الأحداث

ومن أعمق النماذج القرآنية التي تكشف عمل السنن الإلهية قصة يوسف عليه السلام. فالأحداث التي بدأت بحسدٍ صغير بين إخوة انتهت بسلسلة طويلة من الوقائع: بيعٌ في الرق، وسجن، ثم تمكين في الأرض، ثم مجاعة تضرب المنطقة كلها.

لكن القرآن يلفت النظر إلى أن هذه القصة ليست مجرد حكاية تاريخية، بل نموذج لفهم السنن الإلهية في الحياة، ولذلك يقول:

﴿لقد كان في يوسف وإخوته آياتٌ للسائلين﴾
ــ سورة يوسف (الآية 7)

فالآيات هنا ليست مجرد معجزات، بل دروس في حركة القدر والسنن. فالجفاف الذي أصاب المنطقة لم يكن حادثًا منفصلًا عن مسار الأحداث، بل كان جزءًا من شبكة الأسباب التي قادت إخوة يوسف إلى مصر، حتى يلتقوا بأخيهم وتتحقق حكمة الله في النهاية.

وهكذا يظهر أن ما يظنه الإنسان حدثًا عابرًا قد يكون حلقة في سلسلة سننٍ أعظم تتحقق عبر الزمن.

الفساد الصغير… أثره كبير

عندما يقبل موظف رشوة، أو يسرق إنسان حق غيره، قد يبدو الأمر في ظاهره مسألة محدودة. لكنه في الحقيقة ثقب صغير في جدار العدالة. ومع تكرار هذه الثقوب ينهار الجدار كله.

فالمرتشي الذي يبيع ضميره يظن أنه حقق منفعة شخصية، لكنه في الواقع يسهم في خلق نظامٍ مختلّ: تضيع فيه الحقوق، وتتأخر فيه الكفاءة، ويصبح الفساد هو الطريق الأسهل للنجاح. ومع مرور الوقت تتحول الحياة إلى شبكة من المعاناة التي يدفع ثمنها الجميع، حتى من ظنوا أنهم المستفيدون.

ولهذا فإن الفساد ليس مجرد خطيئة فردية، بل عامل تدميرٍ جماعي. فهو يخلق بيئة من الظلم وعدم الثقة، ويؤدي إلى انهيار كثير من القيم التي يقوم عليها استقرار المجتمع.

حين نحارب السنن

الإنسان لا يستطيع أن يلغي سنن الله في الكون، لكنه يستطيع أن يصطدم بها. وعندما يحدث هذا الاصطدام، فإن النتائج تكون قاسية؛ لأن السنن لا تتعطل لإرضاء رغبات البشر.

فمن يحارب سنن العدل ينتج الظلم.
ومن يحارب سنن الأمانة ينتج الفساد.
ومن يحارب سنن العمل ينتج الفقر.

وهكذا تتراكم النتائج حتى تتحول الحياة من حولنا إلى ما يشبه الجحيم الذي صنعته أيدينا.

لكن الحكمة الإلهية لا تترك الإنسان بلا فرصة للعودة. فكل أزمة، وكل ضيق، وكل اضطراب قد يكون جرس إنذار يدعو البشر إلى مراجعة أنفسهم والعودة إلى الطريق المستقيم.

ولهذا ختمت الآية السابقة بغايةٍ واضحة:

﴿لعلهم يرجعون﴾

أي أن ما يمر به الناس من نتائج أعمالهم ليس مجرد عقوبة، بل دعوة إلى استعادة التوازن مع سنن الله.

الطريق إلى الاستقامة

الإنسان حين يدرك هذه الحقيقة يتغير نظره إلى الحياة. فلا يعود يرى الطاعة مجرد التزام ديني، بل انسجامًا مع نظام الكون نفسه. ولا يرى الفساد مجرد خطأ أخلاقي، بل حربًا خاسرة ضد سنن الله.

وعند هذه النقطة يصبح الإصلاح الحقيقي هو أن يبدأ الإنسان بنفسه:
أن يرد الحقوق إلى أصحابها،
وأن يؤدي الأمانة كما ينبغي،
وأن يختار العدل ولو كان أصعب.

فإذا استقامت أفعال البشر مع سنن الله، عاد التوازن إلى الحياة، وتحول العالم من ساحة صراعٍ مع القدر إلى مساحة انسجام مع الحكمة التي أودعها الله في الكون.


تعليقات