دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة توصف في بعض التحليلات بأنها مرحلة السباق مع الزمن. فبعد موجة ضربات مكثفة استهدفت آلاف المواقع داخل إيران، أصبح السؤال المطروح في الدوائر العسكرية والسياسية: ما الهدف الحقيقي الذي تسعى واشنطن لتحقيقه الآن قبل إنهاء الحرب؟
الإجابة التي تتكرر في عدد من القراءات الاستراتيجية تشير إلى أن الولايات المتحدة لم تعد تسعى إلى الأهداف الكبرى التي بدأت بها الحرب، بل أصبحت تركز على هدف محدد يمكن تقديمه كإنجاز حاسم: الوصول إلى مخزون اليورانيوم المخصب الإيراني.
حرب استنزاف بعد ستة آلاف ضربة
تشير بعض التقديرات إلى أن ما يقارب ستة آلاف هدف داخل إيران تعرض لضربات خلال مراحل التصعيد المختلفة، شملت منشآت عسكرية وبنية دفاعية ومواقع لوجستية.
الرهان الأمريكي كان أن هذه الضربات المكثفة قد تؤدي إلى شل القدرات الإيرانية وإضعاف بنيتها الدفاعية بما يسمح بفرض شروط سياسية أو عسكرية على طهران.
لكن ما حدث عمليًا – وفق هذه التحليلات – أن إيران تمكنت من استيعاب الجزء الأكبر من الضربات بفضل انتشار منشآتها وتوزع قدراتها العسكرية على نطاق واسع.
ومع مرور الوقت بدأت طهران في الانتقال من مرحلة الدفاع إلى مرحلة الرد الاستراتيجي عبر ضرب قواعد ومواقع أمريكية في المنطقة، ما حول الصراع إلى حرب استنزاف متبادلة.
تحول أهداف الحرب
عندما بدأت المواجهة، كان الحديث يدور عن هدف كبير يتمثل في إسقاط النظام الإيراني عبر استهداف القيادة العليا أو خلق حالة انهيار داخلي.
لكن هذا الهدف لم يتحقق، بل بدا بعيد المنال مع استمرار تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية.
بعد ذلك تحول الهدف إلى كسر النظام وإجباره على الاستسلام السياسي أو القبول بشروط أمريكية تتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.
ومع استمرار الحرب دون تحقيق اختراق واضح، تراجع سقف الأهداف مرة أخرى ليظهر هدف جديد أكثر واقعية: الاستيلاء على اليورانيوم المخصب الإيراني أو إخراجه من المعادلة.
خطة الاستيلاء على اليورانيوم
التحليلات المتداولة تشير إلى أن المخزون المستهدف يبلغ نحو 450 كيلوجرامًا من اليورانيوم المخصب.
هذا المخزون يمثل قيمة استراتيجية وسياسية كبيرة. فنجاح الولايات المتحدة في الاستيلاء عليه أو إخراجه من إيران قد يسمح لواشنطن بإعلان أن الهدف الأساسي من الحرب – وهو تحييد الخطر النووي – قد تحقق.
السيناريو المطروح لتنفيذ هذه الخطة يقوم على عملية خاصة سريعة تشمل عدة مراحل:
- قصف مكثف لتشتيت الدفاعات الإيرانية حول الموقع المستهدف.
- إنزال قوة خاصة داخل المنطقة التي يوجد فيها المخزون.
- نقل المواد النووية بسرعة عبر طائرات أو مروحيات إلى خارج الأراضي الإيرانية.
- الانسحاب قبل وصول التعزيزات الإيرانية.
لكن نجاح هذا السيناريو يعتمد على عنصرين حاسمين: المفاجأة والوقت.
فكلما طال زمن العملية زادت احتمالات تدخل القوات الإيرانية وتعقيد المهمة.
مضيق هرمز: الجبهة الثانية للخطة
في الوقت نفسه، تشير التحركات العسكرية إلى وجود خطة موازية ترتبط بمضيق هرمز.
التقارير والتحليلات تتحدث عن حشد أمريكي قد يبلغ خمسة آلاف جندي مع إمكانية زيادته إلى نحو ثمانية آلاف، في إطار استعدادات لعملية تهدف إلى تأمين الممر البحري أو منع إيران من استخدامه كورقة ضغط استراتيجية.
أهمية المضيق لا تحتاج إلى شرح كبير، فهو أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، ويمر عبره جزء ضخم من صادرات النفط والغاز من الخليج.
إذا تمكنت إيران من تعطيل الملاحة في هذا الممر، فإن ذلك قد يؤدي إلى صدمات فورية في أسواق الطاقة العالمية.
أزمة الطاقة تقترب
في خلفية كل هذه التحركات يقف عامل آخر شديد التأثير: الاقتصاد العالمي.
تشير تقديرات عديدة إلى أن استمرار الاضطرابات في الخليج قد يدفع مخزون الطاقة العالمي إلى مرحلة حرجة خلال أسابيع قليلة.
ولهذا السبب يرى بعض المحللين أن واشنطن تحاول إنهاء الحرب خلال فترة زمنية لا تتجاوز أسبوعين، قبل أن تبدأ آثار الأزمة بالظهور بشكل واضح في الأسواق العالمية.
في هذا الإطار يصبح الاستيلاء على اليورانيوم المخصب مخرجًا سياسيًا مناسبًا يسمح بإعلان انتهاء المهمة العسكرية.
التحديات العسكرية للخطة
رغم وضوح الأهداف، فإن تنفيذ هذه الاستراتيجية يواجه عدة تحديات معقدة.
أول هذه التحديات هو القدرة الدفاعية الإيرانية داخل العمق، حيث تم تصميم كثير من المنشآت الحساسة لتكون محصنة ومحمية بطبقات متعددة من الدفاعات.
ثانيها هو الرد الإيراني المحتمل. فإيران قد تنظر إلى محاولة الاستيلاء على موادها النووية باعتبارها تصعيدًا استثنائيًا يستدعي ردًا واسع النطاق.
أما التحدي الثالث فهو الضغط الزمني. فتنفيذ عملية دقيقة ومعقدة خلال فترة قصيرة وفي ظل حالة حرب مفتوحة يعد مهمة شديدة الصعوبة.
سباق مع الزمن
كل هذه العوامل تجعل المرحلة الحالية من الصراع أقرب إلى سباق استراتيجي مع الزمن.
الولايات المتحدة تسعى لتحقيق إنجاز واضح يسمح بإنهاء الحرب دون الاعتراف بالفشل في أهدافها الأولى.
في المقابل، تحاول إيران إطالة أمد المواجهة وتحويلها إلى حرب استنزاف تزيد من الضغوط العسكرية والاقتصادية على خصومها.
وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، قد تتحول عملية واحدة – سواء كانت في منشأة نووية داخل إيران أو في مياه مضيق هرمز – إلى الحدث الذي يحدد مسار الحرب بأكملها.
.jpeg)
تعليقات
إرسال تعليق