تبدأ غربة الإنسان عن نفسه عندما يتحول من قائدٍ لجسده إلى عبدٍ له.
فالجسد في أصله أداة، خُلق ليكون وسيلة للحركة والعمل في هذا العالم، لكنه إذا استولى على زمام الإنسان انقلبت المعادلة؛ فيصبح الجسد هو السيد، وتغدو النفس أسيرة شهواته.
وحين يتمكن الجسد من صاحبه، لا يأتي وحده.
بل يجد معه ضيفًا ثقيلاً، قرينًا يلازمه ويغذّي نزعاته، فيستغل هذا الخضوع ليحكم السيطرة على الاثنين معًا: النفس والجسد.
عندها تتبدل الموازين.
فما كان ينبغي أن يكون ميدانًا للتهذيب والسمو، يتحول إلى ساحة صراع تقودها الشهوة ويغذيها الوسواس.
في ظاهر الأمر يبدو الإنسان قويًا؛
كأنه أسدٌ يقتنص الفرائس، يندفع خلف رغباته بلا تردد، ويظن أن في ذلك قوةً أو حرية.
لكن الحقيقة أعمق من هذا المظهر؛ فذلك الاندفاع ليس سيطرة بل خضوعٌ مقنّع.
فالكبائر التي تُرتكب، والشهوات التي تُطارد، لا تكون إلا قرابين يقدّمها العبد لمن استعبد روحه دون أن يشعر.
وهكذا يصبح الإنسان ذا وجهين:
قوةٌ في الظاهر،
وضعفٌ في الباطن.
فالذي يظن أنه يملك زمام شهوته قد يكون في الحقيقة مملوكًا لها، والذي يظن أنه يقتنص اللذة إنما يقدّم نفسه أسيرًا لها.
والخروج من هذه الغربة لا يكون بمحاربة الجسد، بل بإعادة موضعه الطبيعي:
أن يكون خادمًا للروح لا سيدًا عليها،
ووسيلةً للسير لا قيدًا يمنع المسير.
فإذا عادت القيادة للنفس الواعية، استعاد الإنسان توازنه، ولم يعد أسدًا يقتنص فرائس الشهوة، بل إنسانًا يضبط قوته ويهديها نحو ما يرفع شأنه ويحرر روحه.

تعليقات
إرسال تعليق