المستنقع الوردي: عندما يتحول الوهم الإداري إلى "لقطة" مصورة

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

المستنقع الوردي: عندما يتحول الوهم الإداري إلى "لقطة" مصورة

في زاوية ما داخل دهاليز العمل الإداري، تنشأ أحياناً ظاهرة غريبة أشبه بالبالون الملون؛ ضخمة من الخارج، مبهرة للناظرين، لكنها فارغة تماماً من الداخل. هي ظاهرة "الفقاعة الإدارية" التي يتغذى وجودها بالكامل على الصخب الإعلامي، والشو الاستعراضي، واقتناص الصور، بدلاً من الإنتاج الفعلي والجهد الحقيقي.

هذه الفقاعة لا تولد بالصدفة، بل تُصنع غالباً بترتيب خفي بين نموذجين متكاملين من البشر داخل بيئة العمل:

 العقل المُحرِّك: المكر وراء الستار

الطرف الأول في هذه المعادلة هو شخصية تمتلك ذكاءً انتهازياً حاداً. هو يدرك تماماً أن إنجاز العمل الفعلي ومتابعة الأرقام والبيانات وتدقيق الملفات عملية شاقة ومرهقة، والأهم من ذلك، أنها "غير مرئية" للرؤساء الكبار. لذلك، يقرر هذا النمط الاستثمار في "الظلال" بدلاً من الحقيقة.

هذا المحرك لا يحب الصخب المباشر حول شخصه؛ بل يفضل أن يظل في الخلفية، ينسج الخيوط، ويوجه المشهد، ويختار بعناية الواجهة التي يتقدم بها إلى الميدان ليفعل ما يشاء دون أن يتحمل تبعات الفشل إذا انفجرت الفقاعة.

الواجهة المندفعة: الجوع المتواصل لـ "اللقطة"

الطرف الثاني هو الواجهة المثالية للمحرك الخفي؛ شخصية تعاني من جوع مزمن للوجاهة الاجتماعية وإثبات الذات، لكنها تفتقر للعمق المهني والكفاءة الحقيقية. ولأنها لا تملك رصيداً حقيقياً من الإنجاز لتفخر به، فإنها تعوض هذا النقص بصوت عالٍ، وحركة عشوائية كبندول الساعة، وهوس مرضي بالتصوير وإعلان السيطرة.

تتحرك هذه الواجهة بدافع الوهم، تظن واهمة أنها تمسك بزمام الأمور وتدير الدفة، بينما هي في الواقع تنفذ سيناريو مرسوماً لها بدقة. كل همها أن تظهر في "كادر" الصورة، وأن يُقال عنها أنها الآمرة والناهية، لتقتات نفسياً على تصفيق عابر أو مديح سطح

ديناميكية الوهم: كيف تدار المؤسسة بالصورة؟

يلتقي الطرفان في مصلحة مشتركة: **"صناعة الوهم"**. يتحول مقر العمل من مكان لإنتاج الخدمة أو تدقيق البيانات إلى "استوديو تصوير مفتوح". تُعقد الاجتماعات لا لحل المشكلات، بل لالتقاط الصور حول طاولة الاجتماعات. وتُزار المكاتب لا لتفقد سير العمل، بل لإصدار توجيهات استعراضية أمام الكاميرات تمنح المتابعين إيحاءً كاذباً بالانضباط والسيطرة.

تنمو هذه الفقاعة وتتمدد، ويصبح لها مريدون ومنافقون يصفقون للمشهد، بينما ينزوي أصحاب الجهد الحقيقي، الخبراء والأخصائيون الذين يحملون العمل الفعلي على أكتافهم، يراقبون هذا العبث بصمت وسخرية مريرة.

لحظة الحقيقة: سقوط الأقنعة

إن الميزة الأساسية لأي فقاعة، مهما كبر حجمها وزادت ألوانها بريقاً، هي أنها **هشة**.

السيطرة الإدارية الحقيقية لا تأتي من زوايا الكاميرا المبتكرة ولا من المنشورات الدعائية، بل تأتي من قوة المستندات، وصحة التقارير الإحصائية، وانضباط القوانين واللوائح، والقدرة على مواجهة الأزمات الفعلية.

بمجرد أن تتعرض هذه المؤسسة لتفتيش حقيقي، أو أزمة مفاجئة تتطلب أرقاماً ونتائج ملموسة على أرض الواقع، تعجز الكاميرات عن تقديم الحلول. في تلك اللحظة بالذات، يتلاشى الضجيج، وتنقشع غشاوة الشو الإعلامي، وتنفجر الفقاعة لتترك "الواجهة المندفعة" وحيدة في مواجهة الفشل، بينما يتسلل "العقل المحرك" بهدوء من الأبواب الخلفية، منتظراً صناعة فقاعة جديدة.


تعليقات

عدد التعليقات : 0