ما بعد الضباب: إذا كانت الأبواب مغلقة… فأين تقف مصر في المرحلة القادمة؟
في لحظات الصراعات الكبرى، لا يكون الخطر الحقيقي هو القصف ولا الصواريخ ولا حتى حجم الخسائر المباشرة، بل يكمن الخطر في اللحظة التي تتحول فيها الحرب من مواجهة عسكرية إلى إعادة رسم خرائط النفوذ وموازين القوى.
وفق هذا الطرح، ما يجري الآن ليس مجرد جولة تصعيد بين إيران وامريكا أو بين اسرائيل وأطراف أخرى؛ بل مرحلة انتقالية تُعاد فيها صياغة المنطقة كلها.
فالبعض يتحدث عن ضربات ومسيرات وبوارج، والبعض يركز على البيانات السياسية، لكن خلف ذلك توجد معركة أخرى: من سيقود المنطقة اقتصاديًا وأمنيًا؟ ومن سيجلس على طاولة النظام الإقليمي القادم؟
الأبواب تبدو مغلقة
في هذه القراءة، لا توجد مؤشرات على اتفاق حقيقي قريب. ليس لأن الوسطاء غائبون، بل لأن جوهر الخلاف أعمق من أن يُحل بورقة تفاهم أو صورة مصافحة.
فإذا كانت كل الأطراف تعتبر ما يجري معركة وجود، يصبح التفاوض وسيلة لإدارة الوقت لا لإنهاء الصراع.
ولهذا تظهر حالة غريبة:
- رسائل متبادلة دون اختراق فعلي
- وساطات كثيرة
- تصريحات متناقضة
- وحركة عسكرية لا تتوقف
وكأن الجميع يتحرك… لكن لا أحد يقترب من خط النهاية.
إسرائيل وأمريكا: هل انتهى التوافق الكامل؟
في هذا التصور، هناك من يرى أن المصالح قد تتقاطع لكنها لا تتطابق دائمًا.
أمريكا تنظر للحرب بمنطق الكلفة والعائد.
أما إسرائيل فتتعامل معها أحيانًا بمنطق الأمن الوجودي وإعادة تشكيل البيئة المحيطة بها.
وهنا يبدأ السؤال:
إذا أصبحت تكلفة الحرب مرتفعة جدًا، فمن الذي يقرر التوقف أولًا؟
وهل جميع الأطراف تريد أصلًا التوقف في التوقيت نفسه؟
دور مصر: لماذا تصبح أكثر أهمية كلما تعقدت الأزمة؟
وسط هذا التشابك، تظهر مصر في موقع مختلف.
ليس لأنها الأكثر تسليحًا في هذه المعركة، بل لأنها تملك ما هو أخطر:
- موقع جغرافي حاكم
- علاقات مفتوحة مع أطراف متناقضة
- وزن سياسي وتاريخي
- وتأثير مباشر على ملفات إقليمية متعددة
ولهذا كلما ازدادت الفوضى، ازدادت أهمية الدولة القادرة على الحديث مع الجميع.
ما الذي قد تفعله مصر؟
وفق هذا التصور، تتحرك القاهرة على عدة مستويات:
أولًا: منع انتقال الفوضى
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث هو تمدد ساحات الاشتباك إلى مناطق جديدة.
ثانيًا: الحفاظ على التوازن
تجنب الاصطفاف الكامل مع أي محور بصورة تفقدها مساحة الحركة.
ثالثًا: إدارة خطوط التواصل
فالدول التي تستطيع نقل الرسائل وقت الأزمات تملك أحيانًا تأثيرًا أكبر من الدول التي تطلق الصواريخ.
التحدي الحقيقي
الخطر الأكبر ليس الحرب وحدها.
بل أن تتحول المنطقة إلى ساحة دائمة لإعادة تشكيل الخرائط والاصطفافات.
فكلما طال الصراع:
- تتغير التحالفات
- تتبدل المصالح
- وتظهر قوى جديدة
الخلاصة
إذا كانت الأبواب السياسية مغلقة كما يرى أصحاب هذا الطرح، وإذا كان ما يجري مجرد مرحلة من إعادة ترتيب أكبر، فإن السؤال لن يكون:
"من أطلق الصاروخ؟"
بل:
"من بقي واقفًا عندما انتهت موجة إعادة تشكيل المنطقة؟"
وفي مثل هذه اللحظات، قد تصبح الدول التي تُحسن الصبر والحركة الهادئة أخطر من الدول التي تُكثر من الضجيج.
