اختيار القيادات الصحية بالدقهلية – العدد (1): عندما يتحول الخبر إلى فلسفة لبناء المستقبل

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية."

مقدمة:

لم يكن الخبر الذي نشرته مديرية الشئون الصحية بالدقهلية بتاريخ 27 يونيو 2026 عن انعقاد لجنة المقابلات الشخصية للمرحلة النهائية لاختيار المرشحين لتسيير أعمال وظائف "مدير إدارة صحية" و"مدير مستشفى" مجرد خبر إداري عابر يضاف إلى سجل الأخبار اليومية، بل حمل بين سطوره رسائل إدارية ومؤسسية تستحق القراءة والتأمل.

فالخبر أعلن انعقاد لجنة برئاسة الأستاذ الدكتور حموده عيد الجزار مدير مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، وبحضور الأستاذ عبد الخالق ثابت مدير مديرية التنظيم والإدارة بالدقهلية، وعضوية نخبة من القيادات الفنية والإدارية والقانونية، لإجراء المقابلات النهائية لثلاثة عشر مرشحًا اجتازوا مراحل متعددة من الفرز والتقييم، وذلك بهدف اختيار العناصر الأكثر قدرة على قيادة الإدارات الصحية والمستشفيات خلال المرحلة المقبلة.

وقد يبدو هذا المشهد مألوفًا في ظاهره، لكنه في جوهره يعكس فلسفة إدارية متكاملة، تقوم على أن القيادة ليست منصبًا يمنح، وإنما مسؤولية تُناط بمن يملك القدرة على حملها، وأن مستقبل المؤسسات لا يُبنى بالقرارات وحدها، وإنما يُبنى قبل ذلك بحسن اختيار من يصنع تلك القرارات.

ومن هنا، فإن هذه القراءة لا تهدف إلى إعادة صياغة الخبر، وإنما إلى استنطاق معانيه، وقراءة ما بين سطوره، وشرح المفاهيم التي تضمنها، وربطها بأحدث ما استقرت عليه علوم الإدارة والقيادة المؤسسية، حتى يتحول الخبر من مجرد إعلان عن اجتماع لجنة، إلى نموذج يوضح كيف ينبغي أن تُدار عملية اختيار القيادات في المؤسسات العامة.

عندما يصبح اختيار القائد قرارًا يصنع مستقبل مؤسسة كاملة:

هناك قرارات إدارية قد يقتصر أثرها على يوم أو أسبوع أو شهر، كقرار تنظيم العمل أو تعديل مواعيد تقديم خدمة أو إعادة توزيع بعض الموارد، لكن هناك قرارات أخرى يمتد أثرها سنوات طويلة، لأنها لا تتعلق بإدارة الحاضر فحسب، وإنما بتشكيل المستقبل، ومن أبرز هذه القرارات اختيار القيادات.

فالقيادة في أي مؤسسة ليست وظيفة روتينية تُضاف إلى الهيكل التنظيمي، بل هي العقل الذي يخطط، والعين التي ترى، واليد التي تنفذ، والضمير الذي يوازن بين الحقوق والواجبات، والطاقة التي تدفع المؤسسة إلى الأمام أو تتركها تدور في مكانها.

ولهذا لم يكن غريبًا أن يؤكد الخبر أن مديرية الشئون الصحية بالدقهلية تولي اهتمامًا بالغًا بملف اختيار القيادات باعتباره أحد المحاور الرئيسية لتطوير المنظومة الصحية، فهذه العبارة لا تمثل مجرد وصف إعلامي، وإنما تلخص حقيقة إدارية تؤكدها تجارب المؤسسات الناجحة في مختلف دول العالم.

فالمنشآت الصحية قد تمتلك أحدث الأجهزة الطبية، وأفضل المباني، وأكبر الموازنات، لكنها قد تعجز عن تحقيق أهدافها إذا غابت القيادة القادرة على توظيف تلك الإمكانات بكفاءة.

وعلى الجانب الآخر، قد تنجح مؤسسة محدودة الموارد في تحقيق نتائج متميزة إذا توافرت لها قيادة تمتلك الرؤية والقدرة على التنظيم، وحسن إدارة الموارد، وتحفيز العاملين، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ومن هنا أصبحت عملية اختيار القيادات تُعد استثمارًا طويل الأجل، لا يقل أهمية عن الاستثمار في إنشاء المستشفيات أو شراء الأجهزة أو تطوير البنية التحتية، لأن الإنسان هو الذي يحول الإمكانات إلى إنجاز، أو يتركها مجرد أصول جامدة لا تحقق الغاية منها.

لماذا لم يكتفِ الخبر بالإعلان عن الاختيار... بل تحدث عن فلسفة الاختيار؟

عند قراءة الخبر بعناية، يلفت الانتباه أنه لم يقتصر على الإعلان عن انعقاد لجنة أو ذكر أسماء أعضائها، بل حرص على توضيح المبادئ التي تحكم عملية الاختيار، فتكررت عبارات مثل:

"الشفافية"

"تكافؤ الفرص"

"الكفاءة"

"القدرة على القيادة"

"الرؤية التطويرية"

"إدارة الموارد البشرية والمالية"

"العمل بروح الفريق"

وهنا تتجاوز الرسالة مجرد وصف إجراءات، لتؤكد أن الهدف ليس شغل وظيفة شاغرة، وإنما البحث عن قائد يستطيع أن يحدث أثرًا حقيقيًا داخل المؤسسة.

وهذا التحول في الخطاب الإداري يعكس تطورًا مهمًا في مفهوم القيادة العامة؛ فلم يعد المدير يُقاس بعدد سنوات خدمته أو درجته الوظيفية فقط، وإنما بقدرته على تحويل التحديات إلى فرص، والأزمات إلى خطط عمل، والموارد المحدودة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن والعامل على حد سواء.

ومن ثم، فإن كل مصطلح ورد في الخبر يستحق أن نتوقف عنده، لا باعتباره لفظًا إنشائيًا، وإنما باعتباره مبدأً إداريًا له مضمون، وآليات تطبيق، ومؤشرات يمكن من خلالها الحكم على مدى تحققه في الواقع.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

وفيما يلي سوف نقوم بتحليل أهم المحاور التي كررها الخبر أكثر من مرة، وهو: "الشفافية التي تردد كثيراً في هذا الخبر، ولكن قليلين يدركون معناه الحقيقي، كدراسة تحليلية تربط بين ما ورد في الخبر، والمفهوم الإداري والقانوني للشفافية، وآليات تطبيقها، وكيف تتحول من شعار إلى ممارسة مؤسسية

اختيار قيادات الصحة بالدقهلية - 1

الشفافية... حجر الأساس الذي تُبنى عليه الثقة المؤسسية

لعل أكثر الكلمات حضورًا في الخبر كانت كلمة "الشفافية"، فقد تكررت بصورة مباشرة وغير مباشرة عند الحديث عن تشكيل اللجنة، وآليات الاختيار، ومشاركة مديرية التنظيم والإدارة، وتعدد أعضاء اللجنة، ومرور المرشحين بعدة مراحل من التقييم، حتى اختُتم الخبر بالتأكيد على أن المديرية ستواصل ترسيخ مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص في اختيار القيادات.

وهنا يبرز سؤال مهم:

ما المقصود بالشفافية؟

وهل يكفي أن تُذكر الكلمة في بيان رسمي حتى تتحقق؟ أم أن الشفافية منظومة متكاملة لها قواعد وإجراءات ومؤشرات يمكن قياسها؟

إن علوم الإدارة الحديثة تنظر إلى الشفافية باعتبارها أحد أهم أعمدة الحوكمة الرشيدة، فلا يمكن الحديث عن إدارة ناجحة أو قيادة رشيدة أو مؤسسة تحظى بثقة العاملين والمتعاملين معها دون أن تكون أعمالها قائمة على الوضوح، وإتاحة المعلومات، وخضوع القرارات لمعايير معلنة يمكن للجميع فهمها.

فالشفافية ليست مجرد كشف للمعلومات، وإنما هي حق أصيل لكل من يتأثر بالقرار في أن يعرف كيف اتُّخذ، ولماذا اتُّخذ، وما الأسس التي بُني عليها، وما الضمانات التي تحكمه.

ولهذا، فإن المؤسسات التي تطبق الشفافية لا تخشى من إعلان إجراءاتها، لأنها تثق في سلامة تلك الإجراءات، بينما تضطر المؤسسات الضعيفة إلى إخفاء التفاصيل، لأن الغموض يصبح وسيلة لحماية القرار، لا وسيلة لخدمة المصلحة العامة.

ومن هنا يمكن فهم الرسالة التي حملها الخبر عندما حرص على ذكر مراحل الاختيار، وأعضاء اللجنة، والمعايير العامة التي تحكم عملية التقييم، فإعلان هذه التفاصيل لا يعد مجرد إضافة إعلامية، وإنما يمثل في حد ذاته إحدى صور الشفافية؛ لأن المؤسسة تُطلع الرأي العام والعاملين بها على الإطار الذي جرت فيه عملية الاختيار.

غير أن الشفافية لا تتوقف عند الإعلان عن أسماء اللجنة أو عدد المتقدمين، بل تمتد إلى مراحل أعمق، يمكن تلخيصها في عدة مستويات.

أول هذه المستويات هو شفافية المعايير.

فأي مؤسسة ترغب في اختيار قياداتها بصورة موضوعية ينبغي أن تُحدد مسبقًا ما الذي تبحث عنه في المرشح.

هل تبحث عن الخبرة؟ أم القدرة على القيادة؟ أم مهارات اتخاذ القرار؟ أم الرؤية التطويرية؟ أم القدرة على إدارة الموارد؟ أم جميع هذه العناصر معًا؟

كلما كانت المعايير واضحة منذ البداية، أصبح المتقدمون على بينة بما ينتظرهم، وأصبح الحكم على النتائج أكثر قبولًا.

أما إذا ظلت المعايير مجهولة أو فضفاضة، فإن مساحة الاجتهاد الشخصي تتسع، ويبدأ الجدل حول أسباب الاختيار أو الاستبعاد.

ولذلك جاء في الخبر أن الاختيار يتم وفق "أسس علمية ومعايير موضوعية"، وهي عبارة تحمل دلالة مهمة، لأن الأساس العلمي يعني أن القرار لا يُبنى على الانطباعات الشخصية، وإنما على أدوات تقييم يمكن تفسير نتائجها، بينما تعني الموضوعية أن الحكم يكون على أداء المرشح، لا على شخصه أو علاقاته أو انطباعات الآخرين عنه.

أما المستوى الثاني فهو شفافية الإجراءات.

فالعدالة لا تكفي أن تتحقق، بل ينبغي أن تكون إجراءاتها واضحة بحيث يطمئن الجميع إلى أن كل مرشح خضع للمراحل نفسها، وبالضوابط نفسها، ودون استثناءات غير مبررة. ولهذا أوضح الخبر أن الإعلان عن الوظائف نُشر في الثالث والعشرين من أبريل، ثم مُدت فترة التقديم حتى نهاية مايو، ثم مرت الطلبات بمراحل من الفرز والتقييم، وصولًا إلى المرحلة النهائية التي حضرها ثلاثة عشر مرشحًا بعد اجتيازهم المراحل السابقة.

إن مجرد عرض هذا التسلسل الزمني يمنح القارئ صورة واضحة عن أن الاختيار لم يكن وليد جلسة واحدة، وإنما جاء نتيجة مسار إداري متكامل.

اختيار قيادات الصحة بالدقهلية - 2

ويأتي بعد ذلك شفافية التقييم.

وهنا تظهر أهمية تشكيل اللجنة من تخصصات متعددة، فحين يشارك الطبيب، والقانوني، والمتخصص في الموارد البشرية، والمالي، والمتخصص في الحوكمة، فإن كل منهم ينظر إلى المرشح من زاوية تختلف عن الآخر، فيصبح القرار أقرب إلى التقييم الجماعي منه إلى الرأي الفردي.

إن الإدارة الحديثة لم تعد تؤمن بفكرة "الشخص الذي يعرف كل شيء"، بل تؤمن بأن القرار الرشيد هو ثمرة تنوع الخبرات وتكاملها.

ولهذا فإن تعدد أعضاء اللجنة ليس إجراءً شكليًا، وإنما يمثل ضمانة مهمة للحد من تأثير التقديرات الفردية.

ويأتي بعد ذلك مستوى آخر لا يقل أهمية، وهو شفافية النتائج.

فالغاية من أي عملية اختيار ليست إعلان أسماء الفائزين فحسب، وإنما أن تظهر آثار الاختيار على أرض الواقع. فالشفافية الحقيقية لا تنتهي بانتهاء المقابلات، وإنما تبدأ بعدها.

إذا تحسن الأداء، وارتفعت جودة الخدمات، وانخفضت الشكاوى، وازدادت كفاءة استغلال الموارد، فإن ذلك يكون شهادة عملية على نجاح منظومة الاختيار.

أما إذا بقيت المشكلات كما هي، فإن السؤال لن يكون عن اللجنة أو المقابلات، وإنما عن مدى نجاح الاختيار في الوصول إلى القيادات القادرة على صناعة التغيير.

ولهذا فإن الشفافية ليست حدثًا، وإنما رحلة مستمرة تبدأ قبل اتخاذ القرار، وتمتد أثناء تنفيذه، ولا تنتهي إلا بعد تقييم نتائجه. ومن الجوانب المهمة أيضًا أن الشفافية لا تعني كشف كل شيء بلا ضابط.

فهناك فرق كبير بين الشفافية والإفشاء غير المنضبط للمعلومات.

فالشفافية تحترم خصوصية الأفراد، وتحافظ على سرية البيانات الشخصية، لكنها في الوقت نفسه تكشف القواعد العامة التي تحكم القرار، حتى لا يبقى المجال مفتوحًا للتأويل أو الشائعات.

ومن هنا أصبحت الشفافية في الإدارة الحديثة وسيلة لبناء الثقة.

فالثقة لا تُفرض بقرار، ولا تُكتسب بالشعارات، وإنما تنمو عندما يشعر العاملون والمتعاملون مع المؤسسة أن القرارات تصدر وفق قواعد معلنة، وأن الجميع يخضع للمعايير نفسها، وأن الفرص لا تُمنح بالمجاملة، وإنما بالجدارة. ولعل أجمل ما في الخبر أنه لم يربط الشفافية بمرحلة واحدة، بل جعلها إطارًا عامًا يحكم عملية الاختيار بأكملها، بدءًا من الإعلان، ومرورًا بالمقابلات، وانتهاءً بالتأكيد على استمرار المديرية في ترسيخ هذه المبادئ مستقبلًا.

وهذه رسالة تستحق التقدير؛ لأن بناء ثقافة مؤسسية تقوم على الشفافية لا يتحقق ببيان واحد أو لجنة واحدة، وإنما يحتاج إلى ممارسات متكررة تصبح مع مرور الوقت جزءًا من هوية المؤسسة، بحيث يشعر كل من يعمل داخلها أن الوضوح والعدل ليسا استثناءً، بل هما القاعدة التي تُبنى عليها جميع القرارات.

ومن هنا يمكن القول إن الشفافية ليست هدفًا في حد ذاتها، وإنما وسيلة للوصول إلى غاية أكبر، هي اختيار القائد الذي يستحق أن يقود، لا القائد الذي أُتيحت له الفرصة فقط.

وهذه هي الرسالة الأعمق التي يمكن استخلاصها من هذا الحدث، والتي تجعل الحديث عن الشفافية ليس مجرد شرح لمصطلح إداري، بل حديثًا عن فلسفة كاملة في إدارة المؤسسات وصناعة مستقبلها.

وفي العدد القادم إن شاء الله سوف نقوم بتحليل ما جاء بالخبر عن:

تكافؤ الفرص... ليس أن تتساوى البدايات فحسب، بل أن تتساوى معايير الوصول

وأيضاً: الكفاءة أولًا... ولماذا لم تعد الأقدمية وحدها تصنع القادة؟

#الاصلاح_الإداري

#الشفافية

#القطاع_الصحي

#هندسة_القيادة_الصحية

#الدقهلية

المحورالخلاصة
جوهر الخبراختيار قيادات صحية جديدة، عبر لجنة نهائية ومقابلات منظمة
الرسالة الإداريةالقيادة مسؤولية، لا مجرد منصب
الشفافيةإعلان المعايير، والإجراءات، ومراحل التقييم بوضوح
تكافؤ الفرصمرور جميع المرشحين بالضوابط نفسها
الكفاءةالاختيار وفق الجدارة والقدرة على القيادة
القيمة الأبرزالشفافية تبني الثقة، وتحسن القرار
الهدف النهائياختيار قائد قادر على التطوير وتحسين الخدمة

تعليقات

عدد التعليقات : 0