"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية".
بعد أن تناولنا في العدد الأول مفهوم الشفافية باعتبارها حجر الأساس الذي تُبنى عليه الثقة المؤسسية في اختيارات القيادات، وفي هذا العدد سوف نقوم بتحليل مبدأ تكافؤ الفرص والذي لا يقل أهمية، فليس المقصود أن تتساوى فرص التقدم إلى المنصب فحسب، بل أن تتساوى معايير التقييم والحكم على جميع المتنافسين، ليصبح الاختيار ناتجًا للجدارة والكفاءة لا للظروف أو الاعتبارات الشخصية..
تكافؤ الفرص... ليس أن تتساوى البدايات فحسب، بل أن تتساوى معايير الوصول
إذا كانت الشفافية هي الضوء الذي يكشف الطريق، فإن تكافؤ الفرص هو الطريق نفسه.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يرد هذا المصطلح أكثر من مرة في الخبر الذي أعلن انعقاد لجنة المقابلات النهائية لاختيار المرشحين لتسيير أعمال وظائف مدير إدارة صحية ومدير مستشفى، فقد أكد الخبر أن عملية الاختيار تتم وفق "أسس علمية ومعايير موضوعية تضمن تكافؤ الفرص، واختيار العناصر الأكثر كفاءة وخبرة وقدرة على القيادة والإدارة".
وهذه العبارة، على قصرها، تختزل فلسفة إدارية وقانونية عميقة، لأن تكافؤ الفرص لا يعني أن جميع المتقدمين سيحصلون على النتيجة نفسها، وإنما يعني أن الجميع يدخلون المنافسة من البوابة ذاتها، ويخضعون للقواعد ذاتها، ويُقيَّمون بالأدوات ذاتها، دون تمييز أو محاباة أو استثناء.
لقد يختلط على البعض مفهوم تكافؤ الفرص بمفهوم المساواة، بينما يوجد بينهما فرق جوهري.
فالمساواة قد تعني معاملة الجميع بالطريقة نفسها، أما تكافؤ الفرص فيعني منح كل شخص فرصة عادلة لإظهار قدراته، ثم يكون التفاضل بعد ذلك قائمًا على الجدارة والكفاءة والإنجاز.
ولهذا فإن الإدارة الحديثة لا تبحث عن مساواة في النتائج، وإنما تبحث عن عدالة في الإجراءات.
فليس من العدل أن يُختار الجميع، كما أنه ليس من العدل أن يُحرم الأكفأ من حقه بسبب اعتبارات لا علاقة لها بالكفاءة.
فالعدالة الحقيقية تتحقق عندما تكون قواعد المنافسة واضحة، ويكون النجاح ثمرة للاستحقاق، لا للحظ أو العلاقات أو النفوذ.
ومن هنا تتضح أهمية ما أشار إليه الخبر من أن المرشحين لم يصلوا إلى المقابلات النهائية مباشرة، وإنما مروا بمراحل متعددة من الفرز والتقييم، حتى انتهى الأمر إلى ثلاثة عشر مرشحًا حضروا المرحلة الأخيرة بعد اجتياز جميع المراحل السابقة. فالتدرج في التقييم لا يهدف إلى التعقيد، وإنما إلى إتاحة الفرصة لاختبار القدرات من أكثر من زاوية، وتقليل احتمالات الخطأ في الاختيار.
ولا يقتصر تكافؤ الفرص على لحظة المقابلة الشخصية، بل يبدأ قبل ذلك بكثير، منذ الإعلان عن الوظائف.
فكلما كان الإعلان واضحًا، ومتاحًا للجميع، ومحددًا لشروط التقدم وآخر موعد لتلقي الطلبات، ازدادت الثقة في أن باب المنافسة قد فُتح أمام جميع من تنطبق عليهم الشروط.
وقد أشار الخبر إلى أن الإعلان نُشر في الثالث والعشرين من أبريل، ثم مُدت فترة التقديم حتى نهاية مايو، وهو ما يعكس حرصًا على إتاحة وقت كافٍ للراغبين في التقدم، وعدم تضييق دائرة المنافسة.
ثم تأتي مرحلة الفحص، وهي من أكثر المراحل حساسية، لأن العدالة هنا لا تعني قبول الجميع، وإنما تعني تطبيق الشروط المعلنة على الجميع بلا استثناء.
فالمؤسسة التي تتجاوز عن شرط لمرشح، بينما تتمسك به مع مرشح آخر، تكون قد أخلّت بمبدأ تكافؤ الفرص، حتى وإن كانت النية حسنة.
أما في مرحلة المقابلات الشخصية، فإن تكافؤ الفرص يقتضي أن يخضع جميع المرشحين للمحاور نفسها، وأن تُطرح عليهم أسئلة متقاربة في المستوى، وأن يكون معيار التقييم مرتبطًا بالإجابة والقدرة على التحليل واتخاذ القرار، لا بالانطباعات الشخصية أو المعرفة السابقة بالمرشح.
ولهذا فإن وجود لجنة متعددة التخصصات، كما ورد في الخبر، يمثل أحد الضمانات المهمة لتعزيز موضوعية التقييم، لأن تنوع الخبرات يقلل من تأثير الرأي الفردي، ويجعل القرار أقرب إلى التقييم الجماعي.
غير أن تكافؤ الفرص لا ينتهي عند إعلان النتائج، بل يمتد إلى ما بعد الاختيار.
فالقيادة التي تصل إلى موقعها عبر منافسة عادلة تدرك أن استمرارها مرهون بما تحققه من نتائج، وليس بمجرد حصولها على المنصب. وهنا تتحول المنافسة من منافسة على الوصول إلى منافسة على الإنجاز، وهي المرحلة التي تُختبر فيها الرؤى، وتُترجم فيها الوعود إلى واقع.
ومن منظور مؤسسي، فإن تكافؤ الفرص لا يخدم المرشحين وحدهم، بل يخدم المؤسسة نفسها.
فالمؤسسة التي يشعر العاملون فيها بأن المناصب تُمنح وفق الاستحقاق، ترتفع فيها الروح المعنوية، ويزداد الدافع إلى تطوير الذات، لأن الجميع يدرك أن الجهد والكفاءة قد يفتحان أبواب التقدم.
أما إذا شاع الاعتقاد بأن النتائج محسومة سلفًا، فإن الحافز على التميز يتراجع، ويحل محله الإحباط وفقدان الثقة. ولذلك فإن تكافؤ الفرص ليس قيمة أخلاقية فحسب، بل هو أيضًا أداة إدارية فعالة لاكتشاف المواهب، واستثمار الكفاءات، وبناء صفوف متجددة من القيادات القادرة على حمل مسؤولية التطوير.
وهذا يقودنا إلى رسالة مهمة حملها الخبر، وهي أن الهدف من عملية الاختيار لم يكن مجرد شغل وظائف قيادية، وإنما اختيار العناصر الأكثر قدرة على القيادة والإدارة والتطوير.
وهذه الرسالة تؤكد أن تكافؤ الفرص ليس غاية في ذاته، بل هو الوسيلة التي تضمن أن تصل القيادة إلى من يستحقها، فينعكس ذلك على جودة الخدمات الصحية، وكفاءة استخدام الموارد، ورضا العاملين، وثقة المواطنين.
ومن ثم، فإن نجاح أي تجربة لاختيار القيادات لا يُقاس بعدد المتقدمين أو عدد المقابلات التي أُجريت، وإنما يُقاس بمدى اقتناع الجميع بأن الطريق إلى القيادة كان مفتوحًا على قدم المساواة، وأن من وصل إلى خط النهاية وصل لأنه كان الأقدر على تحمل المسؤولية، لا لأنه كان الأقرب إلى المنصب.
وهنا تكتمل العلاقة بين الشفافية وتكافؤ الفرص؛ فالشفافية تكشف القواعد، وتكافؤ الفرص يضمن تطبيقها بعدل، وعندما يجتمع المبدآن، تقترب المؤسسة من تحقيق هدفها الأكبر: اختيار القيادة التي تستطيع أن تحول الإمكانات إلى إنجاز، والطموحات إلى واقع، والخطط إلى نتائج يشعر بها كل مواطن يتلقى الخدمة الصحية.
الكفاءة... لماذا جعلها الخبر المعيار الأول في اختيار القيادات؟
من بين جميع المفاهيم التي تضمنها الخبر، تبرز كلمة "الكفاءة" باعتبارها أكثر الكلمات دلالة على فلسفة الاختيار التي أرادت مديرية الشئون الصحية بالدقهلية أن تؤكدها.
فلم يكتفِ البيان بالإشارة إلى وجود لجنة أو الإعلان عن أسماء المشاركين فيها، وإنما شدد أكثر من مرة على أن عملية الاختيار تستهدف "العناصر الأكثر كفاءة وخبرة وقدرة على القيادة والإدارة"، كما أكد أن القيادة مسؤولية تستوجب الكفاءة والقدرة على الإنجاز والعمل بروح الفريق.
وهنا يثور سؤال جوهري: ما المقصود بالكفاءة؟
وهل الكفاءة تعني سنوات الخدمة فقط؟ أم المؤهل العلمي؟ أم كثرة الدورات التدريبية؟ أم أنها مفهوم أوسع من ذلك بكثير؟
لقد تطور مفهوم الكفاءة في الفكر الإداري الحديث تطورًا كبيرًا.
فبعد أن كان يُنظر إليها بوصفها امتلاك الشخص للمعرفة الفنية اللازمة لأداء عمله، أصبحت اليوم تعني القدرة على تحويل المعرفة إلى نتائج، والخبرة إلى إنجاز، والإمكانات إلى قيمة مضافة يشعر بها المواطن والمؤسسة معًا.
ولهذا فإن المؤسسة لا تبحث عن أكثر الأشخاص علمًا فحسب، ولا عن أكثرهم خبرة، وإنما تبحث عن الشخص الذي يستطيع أن يوظف علمه وخبرته في إدارة الواقع، وتحسين الأداء، وحل المشكلات، وصناعة المستقبل.
ولهذا السبب أيضًا لم يكتفِ الخبر بكلمة "الكفاءة"، وإنما قرنها بعبارات أخرى مثل القدرة على القيادة، وإدارة الموارد البشرية والمالية، والتعامل مع التحديات التشغيلية، وتحقيق الاستخدام الأمثل للإمكانات المتاحة.
فهذه ليست صفات متفرقة، وإنما هي مكونات متكاملة للكفاءة القيادية.
إن الطبيب قد يكون متميزًا في تخصصه، لكنه لا ينجح بالضرورة في إدارة مستشفى. والمحاسب قد يمتلك خبرة طويلة في النظم المالية، لكنه قد لا يستطيع قيادة فريق متعدد التخصصات.
وكذلك الإداري الذي يحفظ اللوائح عن ظهر قلب قد يعجز عن اتخاذ قرار سريع في أزمة مفاجئة.
ومن هنا فإن الكفاءة القيادية ليست جمعًا لمهارات منفصلة، بل هي قدرة على توظيف هذه المهارات في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، لتحقيق أفضل النتائج.
ومن أهم الأخطاء التي تقع فيها بعض المؤسسات الخلط بين الكفاءة والخبرة، وكأنهما شيء واحد. والحقيقة أن الخبرة عنصر مهم، لكنها لا تكفي وحدها.
فقد يقضي شخص ثلاثين عامًا في موقع عمله دون أن يضيف إليه جديدًا، بينما يحقق شخص آخر في سنوات أقل إنجازات نوعية بفضل رؤيته وقدرته على التطوير.
ولهذا فإن الخبر كان دقيقًا عندما ذكر الكفاءة والخبرة معًا، ولم يجعل إحداهما بديلًا عن الأخرى.
فالخبرة تمنح القائد فهمًا أعمق لطبيعة العمل، بينما تمنحه الكفاءة القدرة على استثمار هذه الخبرة في اتخاذ قرارات صحيحة وتحقيق نتائج ملموسة.
وفي المؤسسات الصحية تزداد أهمية الكفاءة أكثر من غيرها؛ لأن القائد الصحي لا يدير أوراقًا أو ملفات فقط، بل يدير منظومة ترتبط بصحة الإنسان وحياته.
فقرار واحد يتعلق بتوزيع القوى البشرية، أو إدارة الأدوية، أو تنظيم الطوارئ، أو التعامل مع أزمة وبائية، قد ينعكس مباشرة على جودة الرعاية الصحية وسلامة المرضى.
ولهذا فإن الكفاءة في القيادة الصحية لا تُقاس بما يعرفه المدير، وإنما بما يستطيع أن يحققه. فالنجاح الحقيقي يظهر عندما تتحسن مؤشرات الأداء، وتزداد كفاءة استخدام الموارد، وتنخفض معدلات الشكاوى، ويرتفع رضا المواطنين، ويشعر العاملون بأن بيئة العمل أصبحت أكثر تنظيمًا وعدالة وتحفيزًا. ومن هنا فإن الكفاءة ليست صفة جامدة يحملها الإنسان طوال حياته، بل هي قدرة تتجدد بالتعلم المستمر، والاطلاع، والتدريب، ومراجعة التجارب السابقة، والاستفادة من الأخطاء قبل النجاحات.
فالقائد الذي يعتقد أنه وصل إلى نهاية التعلم يكون قد بدأ بالفعل أولى خطوات التراجع، لأن الإدارة الحديثة تتغير باستمرار، وما كان كافيًا بالأمس قد لا يكون كافيًا اليوم.
وقد حمل الخبر رسالة مهمة حين ربط الكفاءة بالرؤية التطويرية.
فالكفاءة لا تعني إدارة الواقع كما هو، وإنما تعني أيضًا امتلاك القدرة على رؤية ما يمكن أن يكون عليه الواقع في المستقبل.
فالقائد الكفء لا يكتفي بإدارة المشكلات اليومية، بل يسعى إلى منع تكرارها، ولا يكتفي بتقديم الخدمة، بل يعمل على تحسينها، ولا يكتفي بالحفاظ على المؤسسة، بل يطمح إلى تطويرها.
ولهذا فإن المقابلات الشخصية التي أشار إليها الخبر لم تقتصر على مراجعة السيرة الذاتية أو الخبرات السابقة، وإنما تناولت محاور تتعلق بتطوير الأداء المؤسسي، وإدارة الموارد، والتعامل مع الأزمات، وتحقيق مؤشرات الأداء، وعرض الرؤى والخطط التطويرية.
وهذه المحاور تكشف أن الكفاءة المطلوبة ليست كفاءة تنفيذية فحسب، وإنما كفاءة استراتيجية قادرة على التفكير والتخطيط وصناعة القرار.
وفي النهاية، فإن الكفاءة لا تحتاج إلى من يدافع عنها، لأنها تُثبت نفسها بنفسها.
فالمنصب قد يُمنح بقرار، لكن الاحترام لا يُمنح إلا بالإنجاز.
وقد يستطيع الإنسان أن يصل إلى موقع قيادي، لكن الذي يبقيه في هذا الموقع هو قدرته على تحقيق نتائج يشعر بها الجميع.
ولذلك، فإن التأكيد المتكرر في الخبر على الكفاءة لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره عبارة بروتوكولية، وإنما باعتباره إعلانًا عن مبدأ أساسي مفاده أن القيادة ليست مكافأة على سنوات الخدمة، ولا امتيازًا وظيفيًا، وإنما مسؤولية لا يحملها إلا من يمتلك العلم، والخبرة، والقدرة، والإرادة، والرؤية التي تمكنه من تحويل الطموحات إلى واقع، والتحديات إلى فرص، والخدمات الصحية إلى تجربة أفضل لكل مواطن.
وبالعدد القادم:
سوف نقوم بتحليل ما تضمنه الخبر عن:
الرؤية التطويرية... لماذا لا تبحث المؤسسات الحديثة عن مدير يدير الواقع، بل عن قائد يصنع المستقبل؟
والقيادة واتخاذ القرار... بين سرعة الحسم وحكمة الاختيار
.jpg)