لقد خلقنا الإنسان في كَبَد: هل ظلمنا التفسير التقليدي للآية؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


لقد خلقنا الإنسان في كَبَد: هل ظلمنا التفسير التقليدي للآية؟

أولاً: التناغم السياقي (لماذا يتعارض "التعب" مع "الغرور"؟)

نقطة الانطلاق: في السياق في سورة البلد يتحدث عن إنسان مغرور يتباهى بماله وقوته:
{أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ * يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً}
في التفسير التقليدي: في قوله وخلقنا الإنسان في كَبَد يُقال إن الله يذكره بأصله والتعب الذي يعيشه لكي يكسر كبرياءه.
في ضوء السياق: التناغم السياقي يصبح أكثر قوة، الله خلق الإنسان في (كَبَد) أي في "تكوين مادي مكنّه من الأرض، وأعطاه قدرة الهيمنة، والتحويل، والإنتاج". هذا التمكين المادي الهائل، والقدرة على تطويع الطبيعة، هي التي جعلت هذا الإنسان يطغى ويظن أنه امتلك مقاليد القوة، فيحسب أن لن يقدر عليه أحد! فـ "الكَبَد" هنا هو سبب الغرور (بسبب المكنة والتمكين)، وليس مجرد المعاناة.

ثانياً: الخصائص الحرفية والدلالية لكلمة (كَبَد)

إذا نظرنا إلى جذر الكلمة (ك - ب - د) وخصائص الحروف:
الكاف: تفيد الاحتواء، والتمكين، والتشبيه في الهيئة وتكاملها وقوة التكوين.
الباء: تفيد الالتصاق، والظهور، والبروز، والبدء (المنبت).
الدال: تفيد الدفع، والامتداد، والدوام والاستمرار.
هذا المزيج الحرفي يعطي معنى "القدرة على الاحتواء المادي والاندفاع نحو التشكيل والامتداد"، الإنسان ليس كائناً ساكناً، بل هو مخلوق في وسط (أرضي مادي) يملك أدوات التأثير فيه؛ يزرع البذرة فتخرج شجرة (بروز)، يقطع الخشب ليصنع أثاثاً (تشكيل)، يستخرج الطاقة ليصنع حضارة (امتداد). هذا "التكبد" أو التمكين المادي هو جوهر الوجود الدنيوي للإنسان.

ثالثاً: المقاربة بين (كَبَد) الأرض و(كَبِد) الإنسان

الربط بين تشكيل الأرض وتشكيل الجسد من خلال عضو "الكَبِد":
الكَبَد (بالفتح): فعل الإرادة الإنسانية في المادة الخارجية (زراعة، صناعة، تحويل طاقة).
الكَبِد (بالكسر): فعل "المادة الحيوية" داخل الجسد بشكل غير إرادي.
الكبد في البيولوجيا هو "المصنع الكيميائي الأول" في الجسد؛ يأخذ المواد الخام من الغذاء، يفككها، يعيد تركيبها، يحول السموم إلى مواد نافعة، ويخزن الطاقة. إنه تماماً كالإنسان في الأرض: يحول المواد من حالة إلى حالة لحفظ الحياة. لكن الكبِد يفعل ذلك بأمر تكويني غير إرادي، بينما الإنسان يفعله في الأرض بإرادته.. فكان الفارق بين فتح الباء وكسرها

تعليقات

عدد التعليقات : 0