هل ما زالت ورقة الاختبار بين يديك؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

هل ما زالت ورقة الاختبار بين يديك؟

في أحد الأيام دخل رجل إلى قاعة امتحان كبيرة. جلس أمام ورقته، وتأمل الأسئلة، ثم بدأ يكتب ويشطب ويعيد التفكير. مرت الساعات وهو يحاول أن يصيب الإجابة الصحيحة. كان يخطئ أحيانًا ويصيب أحيانًا أخرى، لكنه ظل ممسكًا بورقة الامتحان، مدركًا أن وجوده في القاعة يعني أن عليه أن يجتهد حتى آخر لحظة.

وعلى مقعد قريب منه جلس رجل آخر. نظر إلى الأسئلة فوجدها صعبة، وتأمل المسؤوليات الملقاة على عاتقه فوجدها ثقيلة، ثم قال في نفسه: "ولماذا أتعب نفسي؟"

ألقى القلم جانبًا، ونهض من مقعده، وغادر مكانه.

كان يظن أنه تحرر من الامتحان.

لكنه لم يكن يعلم أن خروجه نفسه كان سؤالًا جديدًا، وأن الباب الذي خرج منه لم يكن باب النجاة، بل باب اختبار آخر.

وهكذا هي الحياة.

كثير من الناس يظنون أن الاختبار هو مجرد الصلاة والصيام وبعض الشعائر، بينما الاختبار في حقيقته أوسع من ذلك بكثير. إنه يمتد إلى الكلمة التي تخرج من فمك، والدرهم الذي يدخل جيبك، والنظرة التي ترسلها عينك، والقرار الذي تتخذه حين تتصارع المصلحة مع الضمير.

الحياة كلها امتحان كبير، لكنه ليس امتحانًا مستقيمًا ذا صفحة واحدة، بل هو أشبه بشجرة ضخمة تتفرع أغصانها بلا توقف.

كل فرع يؤدي إلى فرع.

وكل قرار يفتح بابًا جديدًا.

وكل موقف يحمل وراءه امتحانًا آخر.

المال اختبار.

والفقر اختبار.

والقوة اختبار.

والضعف اختبار.

والنجاح اختبار.

والفشل اختبار.

حتى اللحظات التي نظنها عادية قد تكون من أخطر الأسئلة التي تمر بنا دون أن نشعر.

وقد يظن البعض أن الناس فريقان فقط: ناجحون وفاشلون.

لكن الواقع أكثر تعقيدًا من ذلك.

هناك من بقي داخل الاختبار يجاهد نفسه ليصل إلى الإجابة الصحيحة. قد يخطئ كثيرًا، وقد تتساقط منه إجابات عديدة، لكنه لا يزال يحاول، ولا يزال يعترف بأنه ممتحن.

هذا الصنف درجاته تتفاوت بحسب مقدار ما أصاب من الحق.

أما الصنف الآخر فهو الذي قرر أن ينسحب من أصل الامتحان.

لم يعد يبحث عن الإجابة.

لم يعد يهتم بالسؤال.

لم يعد يرى أن هناك قاعة امتحان أصلًا.

وهنا تبدأ المأساة.

لأن الإنسان قد يخرج من الاختبار وهو يعلم أنه خرج.

وقد يخرج منه وهو يظن أنه ما زال بداخله.

والثاني أخطر بكثير من الأول.

إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الإنسان ليس:

هل أنا من الناجحين؟

بل:

هل ما زلت أصلًا داخل الامتحان؟

هل ما زالت ورقة الاختبار بين يدي؟

أم أنني ألقيتها منذ زمن ولم أنتبه؟

كثيرون يطمئنون لأنفسهم بمجرد حملهم اسم دين معين أو انتمائهم إلى جماعة معينة أو وراثتهم لعقيدة معينة عن آبائهم وأجدادهم.

لكن هل يكفي الاسم وحده؟

هل يكفي الشعار؟

هل يكفي أن تقول إنك تؤمن بالله بينما حياتك العملية تسير في اتجاه آخر تمامًا؟

إن التوحيد ليس مجرد كلمة تُقال.

وليس مجرد تعريف نظري يحفظه الإنسان.

التوحيد الحقيقي يمتد إلى نظرتك للحياة كلها.

يمتد إلى طريقة تعاملك مع أسماء الله وصفاته.

فإذا كنت تؤمن أن الله هو الرزاق، فلماذا تبحث عن الرزق بالرشوة؟

وإذا كنت تؤمن أن الله هو العدل، فلماذا تظلم؟

وإذا كنت تؤمن أن الله هو القوي، فلماذا تخاف من البشر أكثر مما تخاف من مخالفة الحق؟

وإذا كنت تؤمن أن الله هو السميع، فلماذا تتحدث وكأن كلماتك تضيع في الهواء؟

إن المشكلة ليست دائمًا في إنكار الاسم.

بل أحيانًا في إنكار مقتضاه.

فالإنسان قد يردد اسم الله بلسانه ألف مرة، ثم يعيش حياته كلها وكأن هذا الاسم لا وجود له.

وقد سماه القرآن إلحادًا في أسماء الله، أي الميل بها والانحراف عن حقيقتها ومقتضاها.

إن اللص لا يسرق لأنه لا يعرف أن الله هو الرزاق.

بل يسرق لأنه في لحظة السرقة لم يتعامل مع الله بوصفه الرزاق.

والمرتشي لا يقبض الرشوة لأنه يجهل النصوص.

بل لأنه في تلك اللحظة لم يثق أن رزقه محفوظ عند الله.

والمنافق لا يكذب لأنه لا يعرف الحق.

بل لأنه يعرفه ثم يختار طريقًا آخر.

ولهذا كان النفاق من أخطر الأمراض.

فالكافر يعلم أنه خارج الطريق.

أما المنافق فيظن أنه يسير فيه.

الكافر قد يبحث يومًا عن الحقيقة.

أما المنافق فقد أقنع نفسه أنه يملكها بالفعل.

إنه يشبه طالبًا مزق ورقة الامتحان ثم جلس يقنع نفسه أنه الأول على دفعته.

لا يحاول الإجابة.

ولا يحاول التعلم.

ولا يحاول التصحيح.

كل ما يفعله أنه يخدع نفسه.

ومن هنا نفهم لماذا كان السلف يخافون النفاق على أنفسهم رغم صلاحهم وتقواهم.

لم يكونوا يخشون أن يراهم الناس سيئين.

بل كانوا يخشون أن يروا أنفسهم صالحين بينما الحقيقة غير ذلك.

وكان أحدهم يراجع قلبه كما يراجع التاجر حساباته.

يفتش عن مواضع الخلل.

ويبحث عن الأسئلة التي أهملها.

ويخشى أن يكون قد غادر الامتحان دون أن يشعر.

والعجيب أن كثيرًا من الناس يقضون أعمارهم في مراقبة أوراق الآخرين.

هذا أخطأ.

وذاك ضل.

وهذا فاسق.

وذاك منافق.

بينما السؤال الأخطر يظل مهملًا:

ماذا عن ورقتي أنا؟

هل ما زالت بين يدي؟

هل ما زلت أتعامل مع أسماء الله كما ينبغي؟

هل أعيش حقًا ما أعلنه بلساني؟

أم أنني أكتفي بالمظاهر والعناوين؟

إن النجاة لا تبدأ حين تتأكد من أخطاء الآخرين.

بل حين تتأكد أن ورقتك لم تضيع.

وأنك ما زلت تجيب عن الأسئلة التي خُلقت لأجلها.

فقد لا يكون أخطر ما يواجه الإنسان يوم الحساب أنه أخطأ في بعض الإجابات.

بل أن يكتشف أن الامتحان انتهى منذ زمن... وأنه كان منشغلًا بكل شيء إلا ورقة الاختبار التي كانت بين يديه.


تعليقات

عدد التعليقات : 0