الفرق بين السحر والعلم
الجزء الثاني: متى يصبح العلم سحرًا... ومتى يتحول السحر إلى علم؟
بعد أن انتهينا في الجزء السابق إلى أن الإنسان كثيرًا ما يطلق اسم السحر على ما يجهله، بقي السؤال الأهم:
هل السحر والعلم شيئان مختلفان في أصلهما، أم أنهما مرحلتان مختلفتان من معرفة الإنسان؟
هذا السؤال هو الذي سيحدد طريقة قراءتنا للقرآن، وطريقة فهمنا للتاريخ، بل وطريقة نظرنا إلى الحضارة الإنسانية كلها.
فالإنسان منذ بداية الخليقة لم يخلق القوانين، وإنما كان يكتشفها تباعًا، ولهذا لم تكن النار أقل حرارة قبل أن يعرفها الإنسان، ولم تكن الجاذبية أقل قوة قبل أن يكتشفها نيوتن، ولم تكن الكهرباء غير موجودة قبل فاراداي، ولم تكن الجراثيم تنتظر باستور حتى تبدأ في إصابة الناس بالأمراض، وما كانت الطاقة النووية وقوانينها غير موجودة واخترعها الإنسان.
لقد كانت السنن تعمل منذ خلق الله السماوات والأرض، أما الإنسان فلم يكن يعرفها.
وهنا يظهر الفرق بين وجود الحقيقة والعلم بالحقيقة.
فالحقائق لا تنتظر الإنسان حتى توجد، وإنما الإنسان هو الذي ينتقل من الجهل بها إلى العلم بها.
وهذا هو أول قانون في تاريخ المعرفة.
تخيل طفلًا صغيرًا يرى لأول مرة مغناطيسًا يجذب قطعة من الحديد، بالطبع سوف يحاول أن يرفع الحديد بيده فلا يستطيع، بينما يرفعها ذلك الحجر الصغير بسهولة، وحينها لن يملك الطفل تفسيرًا، وسيسأل:
كيف فعل ذلك؟
إنه السؤال نفسه الذي سأله الإنسان الأول عندما رأى البرق، أو شاهد النار، أو رأى المغناطيس، أو شاهد خسوف الشمس.
كل ظاهرة تبدأ:
- بالسؤال.
- ثم بالملاحظة.
- ثم بالتجربة.
- ثم باكتشاف القانون.
- ثم تتحول إلى علم.
ولو توقفت رحلة البحث عند السؤال، لبقيت الظاهرة إلى اليوم تسمى سحرًا.
ولهذا فإن كلمة السحر ليست وصفًا للشيء نفسه بقدر ما هي وصف لحالة الإنسان أمام ذلك الشيء، فالجاهل يراه سحرًا، والعالم يراه قانونًا.
ولذلك نجد أن الشيء الواحد قد يكون سحرًا عند أمة، وعلمًا عند أمة أخرى، بل قد يكون سحرًا عند جيل، ثم يصبح مقررًا دراسيًا عند الجيل الذي يليه.
أليس هذا ما حدث مع الكهرباء؟
حين بدأت تجارب الكهرباء في أوروبا كان الناس يظنون أن الكهرباء روح خفية تسكن الأجسام، وكان مجرد إشعال مصباح دون نار يعد أمرًا يبعث على الرهبة.
واليوم يضغط الطفل على مفتاح الكهرباء عشرات المرات في اليوم، ولا يخطر بباله أنه يستعمل إحدى أعظم القوى التي كانت ستعد قبل قرون من أعمال السحر.
وكذلك الأشعة السينية، وحين اكتشف رونتجن الأشعة التي تخترق الجسد، وتظهر العظام دون أن تفتح الجلد، بدا الأمر وكأنه رؤية لما وراء اللحم، ولو شاهدها طبيب عاش قبل ألف سنة لاتهم صاحبها بالسحر.
لكن الأشعة لم تتغير.
الذي تغير هو علم الإنسان بها.
وكذلك الهاتف.
إنك تتحدث الآن مع شخص يبعد آلاف الكيلومترات، وصوتك يتحول إلى إشارات، ثم إلى موجات، ثم يعود صوتًا مرة أخرى، ولو شرحت هذه العملية لإنسان قبل ألفي عام لما فهم منها شيئًا، أما إذا جعلته يسمع الصوت مباشرة فسيقول بلا تردد:
هذا سحر.
وليس لأنه خرج عن قوانين الله، بل لأنه يجهل تلك القوانين.
ثم انظر إلى الذكاء الاصطناعي، آلة تكتب، وترسم، وتترجم، وتؤلف، وتحلل، وتجيب عن الأسئلة، بل وتحاور الإنسان ساعات طويلة.
قبل خمسين عامًا فقط، لو أخبرت أحدًا أن آلة ستجلس معه تناقشه في الفلسفة والطب والهندسة والقرآن، لقال إنك تتحدث عن الجن.
أما اليوم فأصبح ذلك واقعًا.
فهل تغيرت قوانين الكون؟
أم تغير مقدار ما كشفه الله للإنسان منها؟
ولهذا فإن الحضارة الإنسانية كلها يمكن أن توصف بأنها رحلة انتقال مستمرة:
من السحر... إلى العلم.
وليس لأن الأشياء تغيرت، بل لأن الإنسان كشف قوانينها.
ولهذا فإن كل اكتشاف علمي جديد ينتزع ظاهرة من دائرة الغموض، ويضعها في دائرة الفهم.
ولكن هنا يظهر اعتراض مهم.
قد يقول قائل: إذا كان الأمر كذلك، فلماذا ذم القرآن السحر؟
وهذا سؤال مشروع، غير أن الإجابة تبدأ بسؤال آخر:
هل ذم القرآن المعرفة؟
بالطبع لا.
بل إن أول أمر نزل في القرآن كان:
﴿اقْرَأْ﴾
وكان من أسماء الله:
العليم.
وكان دعاء الأنبياء:
﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾
إذن فالعلم في ذاته ليس مذمومًا.
فما الذي ذمه القرآن؟
القرآن لم يذم أصل المعرفة، وإنما ذم استعمالها في الفتنة والإفساد، وهو الإطار الذي تؤكد عليه المقالات التي بين أيدينا عند تناولها لقصة هاروت وماروت، حيث تجعل التحذير متعلقًا بطريقة توظيف العلم لا بأصل وجوده.
فالسكين نفسها يمكن أن تقطع بها الخبز، ويمكن أن تقتل بها إنسانًا.
فهل نحرم صناعة السكين؟ أم نحرم القتل؟ والدواء نفسه يمكن أن ينقذ حياة إنسان.
ويمكن أن يستعمل سمًا إذا أسيء استعماله.
فالذنب ليس في المادة، وإنما في الإرادة، وكذلك المعرفة.
ولهذا فإن أخطر ما يفعله الساحر - وفق البناء الفكري الذي تؤسس له هذه السلسلة - ليس أنه يعرف قانونًا يجهله الناس، وإنما أنه يحول المعرفة إلى وسيلة للسيطرة.
إنه لا يريد أن يتعلم الناس، بل يريدهم أن يظلوا معلقين به.
فكلما ازداد الناس جهلًا... ازداد سلطان الساحر.
أما العالم... فكلما تعلم الناس منه... قل احتياجهم إليه.
وهنا يظهر الفارق الأخلاقي العميق بين الطريقين.
العالم يورث العلم.
أما الساحر فيورث التبعية.
العالم يريد للعقول أن تستقل.
أما الساحر فيريدها أن تظل أسيرة الغموض.
ولهذا نستطيع أن نصوغ قاعدة ثانية بعد القاعدة التي انتهينا إليها في الجزء الأول:
ليس كل علم سحرًا، وليس كل ما يسمى سحرًا خارجًا عن السنن، وإنما يصبح العلم سحرًا حين يحتكر صاحبه المعرفة ويستعملها للسيطرة والإفساد، ويصبح ما كان يسمى سحرًا علمًا عندما يكشف قانونه ويصبح قابلًا للتعليم والاختبار والتطوير.
لكن هذه القاعدة، على أهميتها، لا تزال غير كافية؛ لأنها لا تفسر سؤالًا أخطر:
إذا كانت السنن واحدة، فلماذا نجح سحرة فرعون فيما فعلوه؟ وما الفرق بين ما صنعوه وبين معجزة موسى عليه السلام؟
وهذا هو الجزء الذي سننتقل إليه بعد ذلك، لأنه يمثل المفصل الحقيقي بين السحر، والعلم، والمعجزة، ومن دونه سيبقى الخلط قائمًا.