الفرق بين السحر والعلم: الجزء الأول: لماذا يصف الإنسان ما يجهله بأنه سحر؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


الفرق بين السحر والعلم: الجزء الأول: لماذا يصف الإنسان ما يجهله بأنه سحر؟

لو عاد إنسان من القرن الحادي والعشرين إلى إنسان عاش قبل ثلاثة آلاف عام، وحمل في يده هاتفًا ذكيًا، ثم أجرى مكالمة مع شخص في أقصى الأرض، أو عرض له صورة حية لما يحدث في بلد آخر، أو جعل بابًا يفتح دون أن يلمسه، أو طائرة تحلق بلا طيار، أو آلة تجيب عن الأسئلة وتكتب الكتب وتترجم اللغات في لحظات... فبأي اسم كان سيصفه ذلك الإنسان؟

لن يجد في لغته إلا كلمة واحدة: السحر.

ولن يقول ذلك لأن ما رآه خرج عن قوانين الكون، بل لأنه لم يعرف القوانين التي يعمل بها. فالشيء لم يتغير، وإنما الذي تغير هو معرفة الإنسان. وما كان مجهولًا بالأمس أصبح معلومًا اليوم، وما كان يسمى سحرًا أصبح يدرس في المدارس والجامعات.

وهنا تبدأ المشكلة التي لازمَت الإنسان منذ أول يوم على الأرض؛ إذ اعتاد أن يفسر المجهول باسم، فإذا كشف الله له سننه، بقي الاسم في ذاكرته بينما زالت حقيقته. 

ولذلك فإن كثيرًا من الألفاظ التي يتداولها الناس لا تصف الأشياء كما هي، وإنما تصف حدود علم الإنسان بها.

فالسحر عند عامة الناس هو كل ما عجزوا عن تفسيره، بينما العلم هو كل ما استطاعوا تفسيره. 

أما الحقيقة فلا تتغير بتغير أسماء الناس لها، لأن قوانين الله كانت تعمل قبل أن يعرفها الإنسان، وستظل تعمل بعد أن ينساها.

من هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل هذا سحر أم علم؟ وإنما: هل نعرف القانون الذي يحكم هذا الأمر أم لا نعرفه؟

إن الكون الذي خلقه الله ليس فوضى، وإنما يقوم على سنن ثابتة، قال تعالى:

﴿سُنَّةَ ٱللَّهِ فِی ٱلَّذِینَ خَلَوۡا۟ مِن قَبۡلُۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ ٱللَّهِ تَبۡدِیلࣰا﴾ [الأحزاب ٦٢]

فالسنن لا تتغير، وإنما الذي يتغير هو مقدار ما يكشفه الله للإنسان منها جيلاً بعد جيل.

ولهذا فإن أول خطوة في فهم الفرق بين السحر والعلم هي تحرير العقل من الوهم القائل إن السحر يعني الخروج على قوانين الله، لأن الله سبحانه لم يجعل في ملكه شيئًا يعمل مستقلًا عن إرادته، ولا توجد قوة تنافس سلطانه أو تخلق قوانين خاصة بها. وحتى الآية التي تحدثت عن السحر جعلت الضرر نفسه مقيدًا بإذن الله، فقال سبحانه:

﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.

فإذا كان الضرر نفسه لا يقع إلا بإذن الله، فمن باب أولى أن القوانين التي يقع بها هذا الضرر ليست خارجة عن سلطان الله، وإنما هي جزء من النظام الذي خلقه، وإن جهل الإنسان تفاصيله.

وهنا ينبغي أن نفرق بين وجود القانون ومعرفة القانون. فوجود القانون لا يتوقف على علم الإنسان به، كما أن الجاذبية كانت تعمل قبل نيوتن، والكهرباء كانت موجودة قبل فاراداي، والميكروبات كانت تسبب الأمراض قبل اختراع المجهر. 

لم يخترع هؤلاء القوانين، وإنما كشفوا بعض ما أودعه الله في خلقه.

وهذه القاعدة لا تخص العلوم الطبيعية وحدها، بل تشمل كل شيء. فالزراعة لم تبدأ يوم عرف الإنسان قوانين الإنبات، وإنما كانت البذور تنبت منذ خلق الله الأرض. 

والطب لم يبدأ يوم اكتشف الإنسان المضادات الحيوية، وإنما كانت أجساد البشر تشفى وتقاوم الأمراض وفق قوانين خلقها الله منذ البداية.

إذن فالعلم ليس صناعة القانون، وإنما اكتشاف القانون.

ومن هنا يبرز سؤال آخر أشد عمقًا:

إذا كان العلم هو كشف القانون، فما السحر إذن؟

إن المقالات السابقة التي تناولت معنى السحر تنطلق من رؤية مفادها أن السحر ليس خلق قوانين جديدة، وإنما استخدام معارف أو سنن أو صور من القوانين تخفى على أكثر الناس، فيبدو أثرها غريبًا في أعينهم. وكلما بقيت تلك المعرفة حبيسة عند فرد أو جماعة ازداد إحساس الناس بأنها قوة خارقة، بينما إذا انتقلت إلى دائرة التعليم والتجربة فقدت صفة السحر، وأصبحت علمًا يتعلمه الجميع.

ولنأخذ مثالًا بسيطًا.

دخل طبيب إلى قرية قبل مائتي عام يحمل حقنة تحتوي على مادة مخدرة، ثم أجرى عملية جراحية لمريض دون أن يشعر بألم، ثم قام المريض بعد ساعات يمشي على قدميه.

كيف سيفسر أهل القرية ما رأوه؟

سيقول بعضهم: هذا ساحر.

لكن الطبيب لم يستخدم إلا قانونًا من قوانين خلق الله في الجهاز العصبي. والذي تغير ليس القانون، وإنما مستوى المعرفة به.

ولو دخل بعده مهندس يحمل مغناطيسًا قويًا وجعل قطعة من الحديد ترتفع في الهواء، لقيل عنه الشيء نفسه. ولو دخل كيميائي فجعل الماء يتغير لونه فجأة، أو أشعل مادة دون نار ظاهرة، لاتهم بالسحر أيضًا، مع أن كل ما فعله قائم على تفاعلات يمكن لأي طالب أن يكررها في المختبر. وقد أوردت المقالات السابقة نماذج من هذه الأمثلة لتوضيح أن ما يبدو سحرًا قد يكون تطبيقًا لقوانين نفسية أو كيميائية أو فيزيائية غير معروفة لعامة الناس.

وهكذا يتبين أن الإنسان لا يسمي الشيء سحرًا لأنه خرج عن النظام، وإنما لأنه خرج عن حدود معرفته بالنظام.

ومن هنا تبدأ أول قاعدة في هذا البحث:

كل علم خفي يبدو سحرًا، وكل سحر كُشف قانونه يتحول في نظر الناس إلى علم، بينما تظل سنن الله هي نفسها لا تتغير.

وهذه القاعدة ستكون مفتاحًا لفهم قصة موسى مع سحرة فرعون، وقصة هاروت وماروت، وملك سليمان، والتكنولوجيا الحديثة، بل وستفسر لماذا يختلف الناس في الحكم على الظاهرة الواحدة باختلاف مقدار علمهم بها.

تعليقات

عدد التعليقات : 0