لقد أصبحت ميليشيات أوكرانيا، التي تم توزيعها داخل الدول المفككة، والمتسللون منهم إلى أطراف الدول تحت الحماية الأمريكية والإدارة الإسرائيلية، اليد الطولى في إحداث الوقيعة بين الدول خلال الأحداث الأخيرة.
فقد قامت أمريكا – رغم كشف الأمر في العراق – بتوجيه ضربة للحشد الشعبي، للتغطية على ما يُقال إنه استهداف لمصافي النفط السعودية من داخل العراق، الأمر الذي أدى إلى انخراط السعودية في الصراع.
والأدهى من ذلك، أنه تم الضغط على العراق للإفراج عن الخلية الأوكرانية.
ولا ننسى كذلك أن هناك 14 عنصرًا من الميليشيات الأوكرانية قد تمت تصفيتهم بواسطة طيران مجهول في السودان.
وبحسب هذا الطرح، فإن المخابرات والميليشيات الأوكرانية والمرتزقة المنتمين إليها يؤدون دورًا كبيرًا في زعزعة استقرار دول الشرق الأوسط، مع حضور أكبر داخل الدول الحدودية مع مصر، كما يُشار إلى انخراطهم مؤخرًا في العراق بغطاء أمريكي إسرائيلي.
فهل هم ضالعين في عملية دمياط الأخيرة واستهداف سفن الغاز
الحروب التي لا تُرى... كيف أصبحت الميليشيات والوكلاء سلاحًا لإعادة تشكيل الشرق الأوسط؟
في الحروب القديمة كان المشهد واضحًا؛ جيوش تعبر الحدود، وطائرات تحمل أعلام دولها، وقرارات حرب يعلنها قادة أمام العالم. أما اليوم، فقد تغيرت قواعد اللعبة بالكامل فلم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات فقط، بل بقدرة الدولة على إدارة الفوضى دون أن تظهر في الصورة.
لقد دخل العالم عصر الحروب الهجينة؛ حيث تمتزج العمليات العسكرية بالحرب الإعلامية، والهجمات السيبرانية، والعمليات الاستخباراتية، والجماعات المسلحة، والشركات العسكرية الخاصة، والشبكات العابرة للحدود. وفي هذا النوع من الصراع يصبح الفاعل الحقيقي أكثر غموضًا من الحدث نفسه.
ولهذا السبب، فإن كثيرًا من الأحداث التي يشهدها الشرق الأوسط لم تعد تُقرأ باعتبارها وقائع منفصلة، بل باعتبارها حلقات داخل صراع إقليمي ودولي واسع تتداخل فيه المصالح والأجهزة الاستخباراتية والوكلاء المحليون.
الوكلاء... السلاح الأرخص والأكثر إنكارًا
تعتمد القوى الكبرى منذ عقود على ما يُعرف بالحرب بالوكالة فبدلاً من إرسال قواتها بصورة مباشرة، يتم الاعتماد على جماعات محلية، أو مرتزقة، أو شبكات تهريب، أو عناصر تعمل في الظل لتنفيذ مهام يصعب نسبتها رسميًا إلى أي دولة.
وتتميز هذه الأدوات بعدة خصائص؛ فهي أقل تكلفة، وتمنح مساحة واسعة للإنكار السياسي، وتسمح بإرباك الخصوم دون الوصول إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تؤدي إلى تصعيد دولي.
لماذا أصبحت المنطقة هدفًا؟
الشرق الأوسط ليس مجرد مساحة جغرافية، بل هو عقدة تجمع بين الطاقة، والممرات البحرية، والموقع الإستراتيجي، والتنافس بين القوى الكبرى، ولذلك فإن أي اضطراب في هذه المنطقة ينعكس على الاقتصاد العالمي، وأسعار الطاقة، وسلاسل الإمداد.
ومن هنا، يصبح استهداف منشآت الطاقة، أو الموانئ، أو خطوط الملاحة، أو البنية التحتية الحساسة جزءًا من أدوات الضغط السياسي والعسكري في الحروب الحديثة.
عندما تصبح الحوادث أكثر غموضًا
في السنوات الأخيرة ظهرت حوادث استهدفت منشآت أو سفنًا أو بنى تحتية في مناطق مختلفة، وكان القاسم المشترك بينها أن تحديد الجهة المسؤولة لم يكن دائمًا أمرًا سهلًا ففي كثير من الأحيان تتعدد الروايات، وتتضارب البيانات، وتنتشر التحليلات قبل اكتمال التحقيقات.
ولهذا فإن أي حادثة من هذا النوع تستدعي أولًا جمع الأدلة الفنية والجنائية والاستخباراتية، لأن المشهد الظاهر قد يكون مختلفًا عن الجهة التي خططت أو دعمت أو نفذت.
بين التحليل والاستنتاج
يميل بعض المحللين إلى ربط أحداث متفرقة ضمن سردية واحدة، بينما يرى آخرون أن كل حادثة يجب أن تُدرس بأدلتها الخاصة. والحقيقة أن التحليل الاستخباراتي الرصين لا يبني نتائجه على التشابهات أو الانطباعات، بل على معلومات يمكن التحقق منها، ومسارات تمويل، واتصالات، وأدلة تقنية، ونتائج تحقيقات مستقلة.
لذلك، فإن أي فرضية تتعلق بمسؤولية جهة محددة عن حادث بعينه تظل فرضية تحتاج إلى ما يدعمها بالأدلة، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقيقة قبل صدور ما يثبتها.
الحرب القادمة قد تكون بلا جبهة
أخطر ما في الصراعات الحديثة أن الجبهة قد تكون ميناءً، أو محطة كهرباء، أو سفينة تجارية، أو شبكة اتصالات، أو منصة نفط، بينما يبقى الفاعل الحقيقي مختبئًا خلف طبقات من الوكلاء والوسطاء والإنكار.
وهذا ما يجعل بناء قدرات الاستخبارات، وحماية البنية التحتية، وتعزيز التعاون الإقليمي، وتطوير وسائل التحقيق الفني، من أهم عناصر الأمن القومي في المرحلة المقبلة.
فالدرس الأهم في عالم اليوم ليس أن نبحث سريعًا عن متهم، وإنما أن نبحث أولًا عن الدليل؛ لأن الحروب الحديثة تُصمم عمدًا لتجعل الحقيقة آخر ما يصل إلى الرأي العام.