الفرق بين السحر والعلم: الجزء الثالث: لماذا لم يختفِ السحر بعد ظهور العلم؟
لو كان كل ما يجهله الإنسان يتحول إلى علم بمجرد اكتشافه، لانتهت كلمة "السحر" منذ زمن بعيد. ولكنها لم تنته، وما زال الإنسان كلما وقف أمام شيء يعجز عن تفسيره أعاد استخدام الكلمة نفسها.
وهنا يبرز سؤال عجيب:
إذا كانت الكهرباء قد خرجت من دائرة السحر إلى دائرة العلم، وإذا كانت الطائرات والاتصالات والأقمار الصناعية والذكاء الاصطناعي قد أصبحت علومًا معروفة، فلماذا لا يزال الإنسان يتحدث عن السحر وكأنه قوة قائمة بذاتها؟
الجواب أن الإنسان لا يخاف من المجهول فقط، بل يخاف من المجهول الذي لا يستطيع الوصول إليه.
فليس كل مجهول يسمى سحرًا.
قد ترى معادلة رياضية لا تفهمها، ولكنك لا تقول إنها سحر؛ لأنك تعلم أن بإمكانك أن تتعلمها يومًا ما.
وقد ترى طبيبًا يجري عملية معقدة في القلب، فلا تتهمه بالسحر، لأنك تعلم أن هناك جامعة وكتبًا وتجارب أوصلته إلى هذه المعرفة.
أما إذا رأيت شخصًا يفعل شيئًا، ولا يسمح لأحد أن يعرف كيف فعله، ويحيط نفسه بالغموض والرموز والإيحاءات، فإن العقل يبدأ في صناعة تفسير آخر، ويولد في داخله شعور بأن ما يراه ليس علمًا، وإنما قوة خفية.
إذن فالغموض ليس صفة في الظاهرة، بل هو صفة في طريقة تقديم الظاهرة.
ولهذا كان أول ما يفعله الساحر هو أن يمنعك من النظر إلى القانون، ويجبرك على النظر إلى النتيجة.
إن لاعب الخفة لا يريدك أن تراقب يديه، بل يريدك أن تراقب القبعة.
فإذا انشغلت بالقبعة، ضاع السر.
وهذا ليس خاصًا بألعاب الخفة، بل هو قانون يتكرر في كل صور السيطرة.
فالسياسي الذي يريد أن يخدع الناس لا يحدثهم عن الأسباب، وإنما يحدثهم عن النتائج.
والتاجر الذي يريد أن يبيع الوهم لا يشرح لك كيف صُنع المنتج، وإنما يحدثك عن المعجزة التي سيحققها.
ووسائل الإعلام حين تريد توجيه الجماهير لا تبدأ بالحقائق، وإنما تبدأ بإثارة الانفعال، لأنها تعلم أن العقل المنفعل أقل قدرة على رؤية القانون الذي يحكم الأحداث.
حتى في حياتنا اليومية يحدث الأمر نفسه.
قد يدخل طفل إلى المطبخ لأول مرة، فيرى أمه تضع عجينًا أبيض في الفرن، ثم تخرجه بعد دقائق خبزًا ساخنًا تفوح رائحته في المكان.
بالنسبة للطفل...
لقد حدثت معجزة.
أما الأم فلا ترى في ذلك إلا سلسلة من الأسباب تعرفها جيدًا.
ولم يتغير الفرن.
ولم يتغير الدقيق.
ولم تتغير النار.
الذي تغير هو مقدار العلم.
ولهذا فإن كل إنسان يعيش في عالمين في الوقت نفسه.
عالم يعرف قوانينه، فيسميه علمًا.
وعالم يجهل قوانينه، فيسميه غيبًا أو سحرًا أو حظًا أو صدفة.
ومع كل قانون جديد يكتشفه، تنكمش مساحة السحر في عقله، وتتسع مساحة العلم.
ولكن...
هل تختفي تمامًا؟
كلا.
لأن المعرفة لا نهاية لها.
فكلما فتح الله للإنسان بابًا من العلم، اكتشف خلفه أبوابًا أخرى لم يكن يعلم بوجودها.
ولهذا كان العلماء أكثر الناس اعترافًا بجهلهم.
أما الجاهل، فيظن أنه عرف كل شيء.
إن الطفل يظن أن البحر ينتهي عند الأفق.
والبحار يعلم أن ما وراء الأفق محيطات لا يراها.
وكذلك العالم.
كلما اتسعت معرفته، اتسعت أمامه مساحة المجهول.
ولذلك لم يكن كبار العلماء يقولون: لقد انتهى العلم.
بل كانوا يقولون: لقد بدأنا نفهم.
وهنا نصل إلى مفترق الطريق.
فالمجهول أمام الإنسان نوعان.
هناك مجهول ينتظر من يبحث عنه، فيصبح علمًا.
وهناك مجهول يتعمد بعض الناس أن يبقى مجهولًا، لأنه مصدر قوتهم وسلطانهم.
وهنا يبدأ السحر بمعناه الأخطر.
ليس لأنه يملك قوانين أخرى، بل لأنه يحرس باب المعرفة، ويمنع الآخرين من الدخول.
إن الفرق بين المعلم والساحر ليس أن الأول يعرف والثاني لا يعرف، وإنما أن المعلم إذا اكتشف مفتاحًا صنع منه آلاف النسخ ووزعها على الناس.
أما الساحر، فإذا وجد المفتاح، أخفاه في جيبه، ثم أقنع الناس أن الباب لا يفتحه إلا هو.
ومن هنا لم يعد السحر مجرد فعل، بل أصبح منهجًا في احتكار المعرفة.
ولهذا كلما انتشرت المعرفة، ضاقت مساحة السحر.
وكلما احتُكرت المعرفة، اتسعت مساحة السحر.
وهذا القانون لا يفسر الماضي فقط، بل يفسر حاضرنا أيضًا.
فما يحدث اليوم في عالم التكنولوجيا، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمية، والهندسة الوراثية، يعيد إنتاج المشهد نفسه؛ فكل تقنية لا تزال حبيسة المختبرات تبدو للعامة أقرب إلى السحر، وما إن تُشرح قوانينها وتدخل إلى الجامعات والأسواق حتى تفقد هالتها الغامضة وتصبح جزءًا من الحياة اليومية.
وهكذا يتبين أن المعركة الحقيقية لم تكن يومًا بين السحر والعلم، بل بين احتكار المعرفة ونشر المعرفة.
وهنا يصبح السؤال التالي أكثر أهمية من كل ما سبق:
إذا كان السحر يعتمد على السنن نفسها التي يعمل بها العلم، فلماذا عجز سحرة فرعون أمام عصا موسى؟
ذلك السؤال لن يقودنا إلى فهم السحر وحده، بل سيقودنا إلى فهم الفرق بين القانون، والسنّة، والمعجزة، وهو أخطر أبواب هذا البحث.