الحلقة الرابعة: من يصنع الاصطفافات الدولية؟
في الحلقة الأولى أدركنا أن الحروب لا تبدأ بالرصاصة، وإنما تبدأ عندما تكتمل أسبابها.
وفي الحلقة الثانية رأينا أن كثيرًا من القوى الكبرى لا تبحث دائمًا عن الحسم السريع، بل قد تستفيد من إدارة الصراع وإطالته عندما يخدم ذلك مصالحها.
وفي الحلقة الثالثة اكتشفنا أن أخطر سلاح في الحروب الحديثة قد لا يكون الصاروخ ولا الطائرة، بل الزمن؛ لأن الاستنزاف الطويل يعيد تشكيل موازين القوى حتى قبل أن تنتهي المعركة.
لكن إذا كانت الحروب تعيد تشكيل العالم...
فمن الذي يشكل الحروب نفسها؟
وهنا نصل إلى سؤال كثيرًا ما يثار في السياسة الدولية:
لماذا تتحالف دول تختلف في العقيدة والثقافة والتاريخ؟ ولماذا تتصارع دول تجمعها اللغة أو الدين أو الجغرافيا؟
إذا كانت المبادئ هي التي تصنع التحالفات، لكانت خريطة العالم أكثر استقرارًا مما نراه اليوم.
لكن التاريخ يخبرنا بأن العلاقات الدولية تُبنى غالبًا على المصالح قبل المبادئ، وأن المصالح نفسها ليست ثابتة، بل تتغير بتغير موازين القوة.
قبل الحرب العالمية الثانية كانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يختلفان جذريًا في الفكر والنظام السياسي، ومع ذلك تحالفا مؤقتًا ضد ألمانيا النازية. وما إن انتهت الحرب حتى تحولا إلى أكبر خصمين في التاريخ الحديث، ودخل العالم في حرب باردة استمرت قرابة نصف قرن.
وفي سبعينيات القرن الماضي حدث تحول آخر بدا مستحيلًا قبل سنوات قليلة؛ إذ فتحت الولايات المتحدة باب التقارب مع الصين، رغم الاختلاف الأيديولوجي العميق بينهما، لأن التوازن مع الاتحاد السوفيتي أصبح أولوية استراتيجية.
وفي الشرق الأوسط شهدنا أيضًا تغيرات متكررة في التحالفات. دول كانت متقاربة أصبحت متنافسة، ودول كانت متخاصمة فتحت قنوات للحوار عندما تغيرت الحسابات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية.
كل ذلك يقودنا إلى قانون جديد:
في السياسة الدولية لا توجد تحالفات دائمة، وإنما توجد مصالح دائمة تتغير وسائل حمايتها مع تغير الظروف.
وهنا يجب التمييز بين أمرين يغفل الناس غالبًا عن التفريق بينهما:
الأول هو الهدف النهائي الذي تسعى إليه كل دولة وفق رؤيتها ومصالحها.
والثاني هو التحالف المرحلي الذي قد تعقده لتحقيق جزء من هذا الهدف.
ولهذا قد نجد دولتين تتعاونان في ملف معين، بينما تتنافسان بشدة في ملف آخر.
وقد نجد دولة تدعم طرفًا اليوم، ثم تغير موقفها غدًا إذا تغيرت معادلة الربح والخسارة.
وعندما ننظر إلى الحرب الحالية نجد شبكة معقدة من المصالح المتداخلة.
فالولايات المتحدة تعمل على حماية نفوذها وتحالفاتها.
وإسرائيل تركز على أمنها وبيئتها الإقليمية.
وإيران تسعى إلى الحفاظ على أدوات نفوذها وقدرتها على الردع.
أما روسيا والصين فتنظران إلى الصراع أيضًا من زاوية تأثيره في ميزان القوى العالمي، وفي الاقتصاد، والطاقة، والعلاقات الدولية.
لكن هذه المصالح لا تعني بالضرورة أن جميع هذه الأطراف تتحرك وفق خطة واحدة، ولا أن أهدافها النهائية متطابقة؛ فقد تتقاطع في بعض الملفات وتتعارض في ملفات أخرى.
وهنا تظهر نقطة غاية في الأهمية...
إن المتابع للأحداث اليومية يرى الصراع وكأنه سلسلة من القرارات المنفصلة.
أما من يقرأ التاريخ، فيلاحظ أن التحالفات تتبدل باستمرار، بينما يبقى الصراع على القوة والنفوذ حاضرًا بأشكال مختلفة.
ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس:
من مع من اليوم؟
بل:
ما المصلحة التي جمعتهم اليوم؟ وما الذي قد يفرقهم غدًا؟
وعندما نعيد قراءة الحروب بهذه الطريقة، ندرك أن الاصطفافات ليست نهاية القصة، بل هي أدوات تتغير مع تغير المرحلة.
ويبقى السؤال الأكبر الذي سنناقشه في الحلقة القادمة:
إذا كانت التحالفات تتغير، والحروب تعيد تشكيل موازين القوى، فلماذا يظل الشرق الأوسط محورًا ثابتًا في معظم الصراعات الكبرى؟
هل هو مجرد مسرح للأحداث؟
أم أن موقعه الجغرافي، وممراته البحرية، وموارده، وثقله الديني والتاريخي، تجعله قلب النظام العالمي الذي تتقاطع عنده مصالح الجميع؟
في الحلقة الخامسة: