الحلقة الثالثة: حروب الاستنزاف... عندما يصبح الوقت هو السلاح الأخطر
في الحلقة الأولى توصلنا إلى أن الحروب لا تبدأ يوم تنطلق الرصاصة، وإنما يوم تكتمل أسبابها.
وفي الحلقة الثانية رأينا أن كثيرًا من الحروب لا يكون هدفها الحسم السريع، بل إدارة الصراع حتى تتحول الحرب إلى عملية استنزاف طويلة تغير موازين القوى.
أما الآن، فقد حان الوقت للإجابة عن سؤال آخر:
كيف يتحول الزمن نفسه إلى سلاح؟
لقد اعتاد الإنسان أن يقيس القوة بعدد الجنود والدبابات والطائرات، لكن التاريخ يخبرنا أن هناك سلاحًا أخطر من كل ذلك... سلاح لا يُصنع في المصانع، ولا يُطلق من المنصات، ولا يظهر في نشرات الأخبار، ومع ذلك كان سببًا في سقوط إمبراطوريات كاملة.
إنه الوقت.
فكل يوم إضافي في الحرب يستهلك شيئًا لا يمكن تعويضه بسهولة. يستهلك الاقتصاد، ويستهلك الذخائر، ويستهلك ثقة الشعوب، ويستهلك قدرة الحكومات على اتخاذ القرار، حتى يصل الجميع إلى لحظة يصبح فيها استمرار الحرب أخطر من إنهائها.
ولهذا كانت حروب الاستنزاف من أخطر أنواع الحروب في التاريخ؛ لأنها لا تبحث عن تدمير الجيش فقط، بل عن إنهاك الدولة نفسها.
عندما خاضت بريطانيا وألمانيا الحرب العالمية الأولى، لم يكن الانتصار في النهاية نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة أربع سنوات من الاستنزاف المتواصل. الملايين قُتلوا، والاقتصادات انهارت، والإمبراطوريات التي حكمت العالم لعقود خرجت من الحرب وهي تحمل بذور سقوطها.
وفي الحرب العالمية الثانية تكرر المشهد بصورة أعظم. لم تنهزم ألمانيا لأنها خسرت معركة بعينها، وإنما لأنها دخلت سباقًا لم يعد اقتصادها قادرًا على تحمله. كانت المصانع تقاتل بقدر ما كانت الجيوش تقاتل، وكان الوقود والحديد والعمالة جزءًا من المعركة مثلهم مثل الجنود.
ثم جاءت الحرب الباردة لتقدم نموذجًا مختلفًا. فلم تقع مواجهة عسكرية مباشرة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، لكن الطرفين دخلا سباق تسلح واقتصاد وتكنولوجيا استمر لعقود، حتى وجد الاتحاد السوفيتي نفسه ينفق أكثر مما يستطيع، فانهار من الداخل دون أن تحتل واشنطن موسكو.
وهذا يكشف قانونًا جديدًا:
ليست كل هزيمة نتيجة ضربة قاضية، فكثير من الدول تنهار عندما تصبح تكلفة البقاء أكبر من قدرتها على الاحتمال.
ومن هنا نفهم لماذا أصبحت الحروب الحديثة مختلفة عن حروب الماضي.
ففي السابق كان الجيش يحتل العاصمة فتسقط الدولة.
أما اليوم فقد تُترك العاصمة كما هي، بينما تُضرب البنية الاقتصادية، وتُعطل التجارة، وتُستنزف المخازن العسكرية، وتُربك الأسواق، وتُضغط العملة، حتى تصل الدولة إلى مرحلة يصبح فيها القرار السياسي نفسه رهينة للواقع الاقتصادي.
ولهذا لم تعد الحرب تدور في ميدان القتال وحده.
فالمصانع أصبحت جبهة.
والموانئ أصبحت جبهة.
والممرات البحرية أصبحت جبهة.
وأسعار الطاقة أصبحت جبهة.
وسلاسل الإمداد أصبحت جبهة.
بل إن الرأي العام داخل الدول أصبح هو الآخر ساحة قتال لا تقل أهمية عن ساحات النار.
وعندما ننظر إلى الحرب الحالية من هذا المنظور، يتضح أن أطرافها لا تواجه تحديًا عسكريًا فقط، بل تواجه سباقًا على القدرة على الصمود.
فالولايات المتحدة توازن بين دعم حلفائها وتكاليف الانخراط في الأزمات.
وإسرائيل تواجه تحديات أمنية واقتصادية وسياسية متزامنة.
وإيران تسعى للحفاظ على قدراتها ونفوذها رغم الضغوط والعقوبات.
وفي الوقت نفسه تراقب روسيا والصين ما يجري لأنه يؤثر في النظام الدولي الذي يتشكل أمام أعين الجميع.
وهنا يبرز سؤال أعمق من سؤال: من ينتصر؟
السؤال هو:
من يستطيع أن يبقى واقفًا عندما يتعب الجميع؟
ففي حروب الاستنزاف لا يفوز دائمًا من يطلق أكبر عدد من الصواريخ، وإنما من يمتلك القدرة على الاستمرار بعد أن يبدأ الآخرون في فقدان طاقتهم.
لكن هذا يقودنا إلى سؤال أخطر...
إذا كان الاستنزاف يضعف جميع الأطراف، فمن المستفيد من أن يبقى الجميع في حالة استنزاف مستمرة؟ وهل يمكن أن يكون الهدف النهائي ليس الانتصار في الحرب نفسها، بل إعادة تشكيل موازين القوى والنظام الدولي بعد انتهاء الحرب؟
هذا ما سنناقشه في الحلقة الرابعة:
من يصنع الاصطفافات الدولية؟
هل تنشأ التحالفات لأن الدول متفقة في المبادئ، أم لأنها تلتقي مؤقتًا عند تقاطع المصالح؟ وهل تتغير التحالفات عندما تتغير موازين القوة؟