حوار في المسافة بين ما هو كائن، وما ندركه نحن
جلست الحقيقة على حافة الطريق، وقد بدا عليها التعب.
لم تكن تحمل كتابًا، ولا خريطة، ولا علامة تدل على الطريق الذي جاءت منه.
كانت تنظر إلى المارة وهم يعبرون أمامها، وكل واحد منهم يحمل عنها صورة مختلفة.
اقترب منها الحق.
وقف أمامها قليلًا، ثم قال:
— لماذا تبدين حزينة؟
رفعت الحقيقة رأسها، ونظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
— لأن الجميع يظنون أنني أنت.
ابتسم الحق وقال:
— وهل أنتِ أنا؟
قالت:
— لا.
فسألها:
— إذن لماذا يظنون ذلك؟
قالت الحقيقة:
— لأنني وُلدت منك.
صمت الحق لحظة، ثم قال:
— وكيف يولد مني شيء ثم لا يكون أنا؟
قالت:
— لأنك أنت الأصل، وأنا ما يصل إلى الإنسان من الأصل بعد أن يمرّ عبره.
قال الحق:
— وضحي أكثر.
قالت الحقيقة:
— أنت لا تتغير بتغير الناس. وجودك لا يتوقف على أن يؤمن بك أحد، ولا على أن يفهمك أحد، ولا على أن يرفضك أحد. أنت قائم بذاتك.
أما أنا، فلا أصل إلى الإنسان كما أنت.
أنا أعبر أولًا من خلال عينيه، ثم عقله، ثم ذاكرته، ثم تجاربه، ثم مخاوفه، ثم رغباته، ثم ما تربى عليه، ثم ما يحب أن يكون صحيحًا.
وكلما مررت بكل هذه الأبواب، تغيرت صورتي.
قال الحق:
— إذن أنتِ مشوهة؟
أجابت الحقيقة:
— ليس دائمًا.
أحيانًا أكون قريبة منك جدًا.
وأحيانًا أبتعد عنك دون أن أشعر.
قال:
— وكيف تبتعدين عني وأنتِ خرجتِ مني؟
قالت:
— لأن الإنسان لا يستقبلني كما أنت.
أنت لا تحتاج إلى عين حتى تكون موجودًا.
أما أنا فأحتاج إلى عين تنظر إليك.
أنت لا تحتاج إلى عقل حتى تكون حقًا.
أما أنا فأحتاج إلى عقل يحاول فهمك.
أنت لا تتوقف على قلب الإنسان.
أما أنا فأمرّ من خلال قلبه، ولذلك قد يتغير وجهي كلما تغير القلب.
الحقيقة التي يراها الإنسان
قال الحق:
— أعطني مثالًا.
قالت الحقيقة:
— تخيل رجلين يقفان أمام حادثة واحدة.
رأى الأول موظفًا يأخذ مالًا من أحد الناس.
فقال:
— هذا مرتشٍ.
أما الثاني فقال:
— ربما تكون إكرامية.
قال الحق:
— لكن الواقعة واحدة.
قالت الحقيقة:
— نعم.
قال:
— إذن أيهما يملك الحقيقة؟
ابتسمت وقالت:
— هنا تبدأ المشكلة.
الأول لم يدخل إلى الواقعة وحده.
دخل إليها وهو يحمل حكمًا سابقًا.
والثاني لم يدخل إليها وحده أيضًا.
دخل وهو يحمل تفسيرًا آخر.
الأول رأى المال، ففسره رشوة.
والثاني رأى المال نفسه، ففسره إكرامية.
الواقعة واحدة.
لكن الحقيقة التي خرج بها كل واحد منهما مختلفة.
قال الحق:
— إذن الحقيقة عندهما ليست واحدة؟
قالت:
— الحقيقة كما أدركاها ليست واحدة.
أما الواقعة في ذاتها، فشيء آخر.
قال الحق:
— وهنا يختلط الأمر على الإنسان.
قالت الحقيقة:
— نعم.
فالإنسان كثيرًا ما يخلط بين:
ما حدث فعلًا،
وما فهمه مما حدث،
وما شعر به تجاه ما حدث،
وما يريد أن يكون قد حدث.
وهذه مسافات قد تبدو صغيرة، لكنها أحيانًا تصنع عالمًا كاملًا.
الحبل والثعبان
قال الحق:
— وهل هذا ما يجعل الإنسان يرى الحبل ثعبانًا؟
قالت الحقيقة:
— بالضبط.
قد يرى الإنسان في الظلام حبلًا ملتويًا.
فتصرخ نفسه:
ثعبان!
فيتحرك جسده قبل أن يتحقق عقله.
هو لم يكذب.
هو رأى شيئًا حقيقيًا أمامه.
لكنه لم يرَ حقيقة الشيء.
لقد رأى تفسيره للشيء.
قال الحق:
— إذن الإنسان قد يكون صادقًا وهو مخطئ؟
قالت:
— وهذه واحدة من أخطر الحقائق عن الإنسان.
ليس كل من أخطأ كاذبًا.
قد يكون صادقًا تمامًا في وصف ما أدركه، لكنه مخطئ فيما أدركه.
وهنا تظهر ضرورة التواضع أمام الحقيقة.
فأن تقول:
«أنا رأيت»
ليست مساوية لأن تقول:
«إذن أنا أعرف.»
الحق لا يحتاج إلى أن يثبت نفسه
جلس الحق بجوار الحقيقة وقال:
— وما الذي يميزني عنك إذن؟
قالت:
— أنت لا تتغير لأن الناس اختلفوا حولك.
لو اجتمع الناس جميعًا على إنكار شيء ثابت، فإن إنكارهم لا يغيره.
ولو اجتمعوا جميعًا على إثبات شيء غير موجود، فإن اتفاقهم لا يخلقه.
قال الحق:
— إذن رأي الأغلبية لا يصنع الحق؟
قالت:
— لا.
الأغلبية تستطيع أن تصنع قناعة جماعية.
لكن القناعة الجماعية ليست بالضرورة حقًا.
وقد يصنع الناس إجماعًا على خطأ.
ثم يمر الزمن، فيأتي إنسان واحد يسأل:
ماذا لو كنا جميعًا مخطئين؟
عندها تبدأ الحقيقة في الحركة من جديد.
لكن لماذا تختلف الحقيقة من إنسان إلى آخر؟
قال الحق:
— إذا كان الأمر كذلك، فلماذا لا يرى الناس الحقيقة بالطريقة نفسها؟
قالت الحقيقة:
— لأنهم لا يدخلون إلى العالم من الباب نفسه.
هذا جاء من الفقر.
وذاك جاء من الغنى.
هذا تربى على الخوف.
وذاك تربى على الأمان.
هذا جُرح كثيرًا، فأصبح يرى العالم من خلال جروحه.
وذاك مُنح كثيرًا، فأصبح يرى العالم من خلال امتيازاته.
هذا يحب.
وذاك يكره.
هذا يريد أن يثبت نفسه.
وذاك يريد أن ينتقم.
هذا يبحث عن الحقيقة.
وذاك يبحث عن شيء يبرر موقفه.
ثم يأتي كل واحد منهما إلى الحقيقة ويقول:
«هذه هي الحقيقة.»
بينما قد يكون في الحقيقة يقول:
«هذه هي الحقيقة كما استطعت أن أراها»
وهذا فرق هائل.
الهوى يدخل من الباب الخلفي
قال الحق:
— لكن الإنسان يعرف أحيانًا أنه يميل.
قالت الحقيقة:
— وأحيانًا لا يعرف.
قال:
— كيف؟
قالت:
— لأن الهوى ليس دائمًا رغبة صريحة.
قد يكون الهوى فكرةً مسبقة.
وقد يكون خوفًا.
وقد يكون مصلحة.
وقد يكون حبًا لشخص.
وقد يكون كراهية لشخص آخر.
وقد يكون رغبة في ألا تنهار الصورة التي صنعها الإنسان عن نفسه.
فالإنسان لا يدافع دائمًا عن الحقيقة.
أحيانًا يدافع عن صورته عن نفسه.
وإذا أصبحت الحقيقة تهدد هذه الصورة، يبدأ العقل في البحث عن تفسير آخر.
ليس لأنه قرر الكذب.
بل لأنه يريد النجاة من الحقيقة التي تؤلمه.
قال الحق:
— إذن الإنسان قد يستخدم عقله ضد الحقيقة؟
قالت:
— نعم.
العقل أداة عظيمة.
لكن الأداة لا تختار دائمًا الغاية.
يمكن للعقل أن يبحث عن الحقيقة.
ويمكنه أيضًا أن يصبح محاميًا بارعًا للهوى.
وهنا تتولد «حقيقة الإنسان»
قال الحق:
— إذن ماذا يحدث بعد كل ذلك؟
قالت الحقيقة:
— يحدث شيء غريب.
يلتقي الحق بالإنسان.
يمر عبر عقله ونفسه وذاكرته وتجربته ومشاعره.
ثم يخرج في صورة جديدة.
هذه الصورة هي التي يسميها الإنسان:
«حقيقتي.»
قال الحق:
— ولكنها ليست بالضرورة الحقيقة المطلقة.
قالت:
— صحيح.
إنها حقيقة الإنسان عن الشيء.
وقد تكون قريبة جدًا من الحق.
وقد تكون بعيدة جدًا عنه.
وقد تكون بينهما مسافة لا يعرف مقدارها.
ولهذا فإن أخطر جملة يمكن أن يقولها الإنسان ليست:
«أنا أخطأت»
بل:
«أنا أملك الحقيقة كاملة.»
لأن من ظن أنه امتلك الحقيقة كاملة أغلق باب البحث.
لذلك كان الحوار ضروريًا
قال الحق:
— إذن لماذا خلق الإنسان الحوار؟
قالت الحقيقة:
— لأن الإنسان وحده يرى من نافذته.
وعندما يجلس إلى إنسان آخر، يرى نافذة أخرى.
لا يعني ذلك أن كل إنسان يملك جزءًا من الحق بالضرورة.
لكن اختلاف زوايا النظر يكشف للإنسان أحيانًا شيئًا لم يكن قادرًا على رؤيته.
ولهذا كان السؤال مهمًا.
وكان النقاش مهمًا.
وكان التدبر مهمًا.
وكان الاعتراف بالخطأ مهمًا.
ليس الهدف أن يصنع الإنسان حقًا جديدًا.
فالحق لا يحتاج إلى اختراع.
الهدف أن يزداد اقتراب الإنسان من الحق.
ولكن هناك خطرًا آخر
قال الحق:
— وما هو؟
قالت الحقيقة:
— أن تتحول الحقيقة التي صنعها الإنسان في داخله إلى صنم.
قال:
— كيف؟
قالت:
— عندما ينسى الإنسان أنه وصل إلى الحقيقة من خلال أدواته المحدودة، فيتعامل مع تفسيره وكأنه هو الحق ذاته.
فيقول:
«أنا فهمت، إذن هذا هو الحق»
ثم يأتي شخص آخر بفهم مختلف.
فيقول:
«أنت على باطل.»
ثم يبدأ الصراع.
كل واحد منهما لا يدافع عن الحق وحده.
بل يدافع عن صورته الخاصة عن الحق.
وهنا يتحول الاختلاف في الفهم إلى صراع على امتلاك الحقيقة.
وهنا تحدث المأساة
مرّ رجلان بالطريق.
سمعا الحوار.
قال الأول:
— الحقيقة واضحة، وأنا أعرفها.
وقال الثاني:
— بل أنا أعرفها أكثر منك.
ضحكت الحقيقة.
فقالا:
— مم تضحكين؟
قالت:
— لأنكما تتشاجران من أجلي، بينما لم يسأل أحدكما نفسه إن كان ما يحمله هو أنا فعلًا.
توقفا.
قال الأول:
— لكنني أؤمن بما أقول.
قالت:
— الإيمان بقناعتك لا يجعل قناعتك حقًا.
وقال الثاني:
— وأنا متأكد.
قالت:
— اليقين شعور، وليس دليلًا بمفرده.
قال الحق:
— وما الذي ينبغي أن يفعلا إذن؟
قالت:
— أن يبحثا.
أن يسألا.
أن يراجعا نفسيهما.
أن يتركا مساحة لاحتمال الخطأ.
أن يفرقا بين:
ما يعرفانه،
وما يظنانه،
وما يشعران به،
وما يريدان أن يكون صحيحًا.
الحقيقة ليست عدوة الحق
قال الحق:
— أخشى أن يظن الناس بعد حديثنا أنك خصمي.
ابتسمت الحقيقة.
وقالت:
— لست خصمك.
أنا ابنتك في عالم الإنسان.
أنت الأصل.
وأنا الرحلة.
أنت الثابت.
وأنا محاولة الوصول.
أنت لا تحتاج إلى الإنسان لكي تكون.
أما أنا فلا تظهر في عالم الإنسان إلا عندما يحاول الإنسان أن يفهمك.
قال الحق:
— إذن أنتِ ناقصة؟
قالت:
— نعم، لأنني إنسانية.
ولكن نقصي لا يعني أنني بلا قيمة.
فلو كان الإنسان لا يستطيع الوصول إلى الحق كاملًا، فهذا لا يعني أنه يجب أن يتوقف عن البحث.
بل يعني أن عليه أن يبحث بتواضع أكبر.
وهنا فهم الحق سبب تعبها
نظر إليها وقال:
— الآن فهمت لماذا أنت مرهقة.
قالت:
— لماذا؟
قال:
— لأن كل إنسان يريدك أن تشبهيه.
ضحكت الحقيقة لأول مرة.
وقالت:
— نعم.
البعض يريدني أن أوافق هواه.
والبعض يريدني أن أبرر غضبه.
والبعض يريدني أن أوافق جماعته.
والبعض يريدني أن تخدم مصلحته.
والبعض يريدني أن أقول له إنه على حق دائمًا.
لكنني حين أقترب من الإنسان أظل أذكره بشيء واحد:
أنت لا تملك الحقيقة لمجرد أنك رأيتها.
وعند الغروب
بدأ الناس ينصرفون.
وظل الحق واقفًا في مكانه.
أما الحقيقة فاستعدت للسير.
قال لها الحق:
— إلى أين تذهبين؟
قالت:
— إلى الناس.
قال:
— وماذا ستقولين لهم؟
نظرت إليه، ثم قالت:
«لا تتوقفوا عندي»
سألها:
— لماذا؟
قالت:
«لأنني لست نهاية الطريق.»
ثم أضافت:
«أنا ما استطاع الإنسان أن يراه منك، لا ما استطاع أن يحيط بك»
اقترب الحق منها وقال:
— وماذا لو اختلفوا حولك؟
قالت:
— فليختلفوا.
— وماذا لو أخطأوا في فهمك؟
— فليتعلموا.
— وماذا لو ظن أحدهم أنه امتلكك؟
ابتسمت وقالت:
— فسيبدأ خطؤه من اللحظة التي ظن فيها ذلك.
ثم مشت.
وبقي الحق في مكانه.
لم يتحرك.
لم يتغير.
لم يزد لأن أحدًا صدقه.
ولم ينقص لأن أحدًا أنكره.
أما الحقيقة، فواصلت السير بين الناس؛ تدخل عقل هذا، وقلب ذاك، ونفس ثالث، وتجربة رابع.
فتتسع عند إنسان.
وتضيق عند آخر.
وتصفو عند أحدهم.
وتتشوه عند غيره.
وتقترب من الحق هنا.
وتبتعد عنه هناك.
لكنها، في كل مرة، كانت تترك خلفها سؤالًا واحدًا:
هل ما أراه هو الحق، أم هو الحقيقة التي استطعت أنا أن أراها من الحق؟
وربما كانت الحكمة كلها في أن يعرف الإنسان الفرق.
فـالحق لا يصبح حقًا لأنني أدركته، والحقيقة لا تصبح مطلقة لأنني آمنت بها.
الحق قائم.
والإنسان ساعٍ.
والحقيقة هي المسافة التي يقطعها الإنسان في رحلته بينهما.
ولهذا، في النهاية، قالت الحقيقة:
«أنا لست الحق... ولكنني الحقيقة.
وأنا لا أطلب منك أن تتوقف عندي، بل أن تجعلني طريقًا يقودك إليه»