الفصل الأول: لماذا نبدأ بالحرف؟
تمهيد:
عندما يتأمل الإنسان القرآن الكريم،
يجد أن معظم الدراسات قد انصبت على مستويات متعددة من بنائه؛ فدُرست السور،
والآيات، والألفاظ، والتراكيب، والأساليب، والوجوه البلاغية، والناسخ والمنسوخ،
وأسباب النزول، والقراءات، وغيرها من العلوم التي خدمت كتاب الله خدمة جليلة.
غير أن هناك مستوىً أدق من هذه
المستويات جميعًا، وهو الحرف؛ ذلك العنصر الذي تتكون منه الكلمات، وتنتظم
به الجمل، ويُبنى عليه النص القرآني بأكمله.
وقد يبدو لأول وهلة أن الحرف لا
يعدو أن يكون وحدة صوتية تُستعمل في بناء الألفاظ، وأن دوره ينتهي بمجرد اجتماع
الحروف في كلمة ذات معنى. لكن هذا التصور يثير سؤالًا يستحق البحث:
هل تنتهي وظيفة الحرف عند تكوين
الكلمة، أم أنه يشارك في بنية الدلالة التي تحملها الكلمة نفسها؟
ليس المقصود بهذا السؤال أن يُنسب
إلى كل حرف معنى مستقل كما تُنسب المعاني إلى الكلمات، ولا أن تُلغى القواعد
المقررة في العربية أو التفسير، وإنما المقصود هو البحث في احتمال وجود وظيفة
دلالية ثابتة للحرف داخل البناء القرآني، تظهر آثارها عند انتظام الحروف في
الجذور والألفاظ.
وهذا السؤال لا ينشأ من فراغ، بل من
ملاحظة أن القرآن نفسه قد لفت الأنظار إلى الحروف في مواضع متعددة؛ فمن السور ما
افتتح بحروف مفردة أو مركبة، مثل: الم،
والر، وطه، ويس، وص، وق، ون، وسواء اختلف العلماء في تفسير هذه
الحروف أم اتفقوا، فإن مجرد حضورها في افتتاح عدد من السور يدل على أن الحرف في
القرآن ليس عنصرًا مهملًا، بل جزء من البناء الذي يستحق التأمل والدراسة.
ومن هنا تنشأ الفرضية الأولى لهذا
المشروع:
إذا كانت الكلمات القرآنية قد
اختيرت بدقة وإحكام، وكانت هذه الكلمات مبنية من حروف، فمن المشروع أن يُبحث: هل
لاختيار الحروف وترتيبها دور في بناء الدلالة؟
وهذه ليست نتيجة يقررها هذا الكتاب،
وإنما سؤال منهجي يسعى إلى اختباره من خلال الاستقراء الشامل للقرآن الكريم، دون
افتراضات مسبقة، ودون إلزام للنص بما لا يدل عليه.
لذلك فإن نقطة البداية في هذا
المشروع ليست الكلمة، ولا الجملة، ولا الآية، وإنما الحرف؛ لأنه أصغر وحدة بنائية
في النص القرآني، ولأن فهم البناء يبدأ – في كل علم – من فهم أصغر عناصره، ثم
دراسة كيفية اجتماعها لتكوين البنية الأكبر.
ومن هنا كان البدء بالحرف ليس
خروجًا عن مناهج البحث، بل هو تطبيق لأصل من أصولها؛ إذ إن معرفة الكل تقتضي أولًا
معرفة أجزائه، ثم معرفة القوانين التي تحكم اجتماع تلك الأجزاء، قبل الانتقال إلى
دراسة النظام الكامل الذي تنشئه.
ومن ثم فإن
هذا الفصل لا يسعى إلى إثبات وجود دلالة للحرف، وإنما يبين سبب البدء بالحرف دون
غيره، ويؤسس للسؤال الذي ستتناوله المباحث التالية بالدراسة والاستقراء.
وبعد هذا التمهيد يأتي أول مبحث تأسيسي، وهو (مكانة الحرف في القرآن الكريم)؛ لبيان ما إذا كان الحرف في الخطاب القرآني يحتل مكانة تبرر اتخاذه موضوعًا للبحث.
المبحث الأول: مكانة الحرف في القرآن الكريم
إن أول ما
ينبغي تقريره قبل البحث في دلالة الحرف، هو أن الحرف نفسه حاضر في الخطاب القرآني
حضورًا لا يمكن إغفاله.
فليس الحرف
مجرد أداة تُكتب بها ألفاظ القرآن أو تُتلى، بل هو جزء من البنية اللغوية التي
اختارها الله تعالى لكتابه المنزل بلسان عربي مبين.
فالقرآن لم
يأت بلغة مجهولة، ولا برموز مبهمة، وإنما نزل بلسان عربي مبين، مؤلف من الحروف
نفسها التي يعرفها العرب ويستعملونها في كلامهم. ومع ذلك، عجزوا عن الإتيان بمثله،
مع أن مادة البناء واحدة، والحروف واحدة، واللغة واحدة.
وهنا يبرز
سؤال جوهري:
إذا كانت
مادة البناء واحدة، فمن أين جاء الإعجاز؟
إن الجواب
المعتاد هو أن الإعجاز يكمن في النظم، والبيان، والتراكيب، والبلاغة، وهي إجابات
صحيحة لا ينازع فيها أحد.
وإذا كان
النظم هو موطن الإعجاز، فإن أول عناصر النظم هي الحروف التي تتألف منها الكلمات،
مما يجعل النظر في الحرف نظرًا في أصل البنية لا في هامشها.
غير أن هذه
الإجابات تفتح بابًا لسؤال آخر:
وما أول
عناصر هذا النظم؟
إن أول
عناصره هي الحروف؛ فهي اللبنات الأولى التي تتكون منها الكلمات، ثم تتكون منها
الجمل، ثم الآيات، ثم السور، حتى يكتمل البناء القرآني.
ومن هنا،
فإن دراسة الحرف ليست انتقالًا إلى مستوى خارج النص، بل هي نزول إلى أول طبقة من
طبقاته البنائية.
وليس في
هذا ما يقتضي أن يكون لكل حرف معنى مستقل، كما أن الطوب لا يكون بيتًا بمفرده،
ولكنه يصبح جزءًا من البيت عندما ينتظم وفق نظام معين.
كما أن
النغمة المفردة لا تُنشئ لحنًا بمفردها، لكنها تسهم في تكوينه عندما تنتظم مع
غيرها، كذلك الحرف في بناء الكلمة.
وكذلك
الحرف؛ فقد لا يؤدي وظيفة دلالية منفردًا، لكنه قد يسهم في تشكيل الدلالة عندما
يدخل في بناء الكلمة.
ولهذا لا
ينطلق هذا البحث من التسليم بأن للحرف شخصية دلالية، وإنما من التساؤل عن ذلك، ثم
محاولة اختبار هذه الفرضية من خلال النص القرآني نفسه.
ويزداد هذا
السؤال أهمية عندما نلاحظ أن القرآن قد افتتح تسعًا وعشرين سورة بحروف مقطعة، مثل: الم، والر،
وحم، وكهيعص، وطسم، وص، وق، ون.
وهو ما يدل
على أن الحرف قد حظي بعناية خاصة في البناء القرآني، الأمر الذي يجعل دراسته أمرًا
مشروعًا، وإن كان ذلك لا يثبت بذاته أي وظيفة دلالية له داخل الكلمات
ولا يقصد
هذا الكتاب في هذا الموضع تفسير هذه الحروف أو ترجيح قول من الأقوال الواردة فيها،
فذلك سيأتي في موضعه من هذه السلسلة.
وإنما يكفي
هنا أن نقرر حقيقة واحدة، وهي أن القرآن قد أبرز الحرف في مواضع مخصوصة، وجعله
جزءًا من افتتاح عدد من سوره، وهو ما يدل على أن الحرف ليس عنصرًا يمكن تجاوزه عند
دراسة بنية القرآن.
غير أن
مجرد حضور الحرف في هذه المواضع لا يكفي لإثبات أنه يحمل وظيفة دلالية داخل
الكلمات، كما أن مجرد وجود الحروف في بناء اللغة لا ينفي ذلك.
ولهذا فإن
هذا البحث لا يعتمد على الاستنتاجات المسبقة، بل يلتزم بمنهج الاستقراء والاختبار.
فإن دل
الاستقراء على وجود نظام دلالي للحروف، قُبلت نتائجه بقدر ما يسنده الدليل، وإن لم
يدل على ذلك، وجب الوقوف عند حدود ما أثبته النص.
فالاستقراء
هو الحاكم على الفرضية، لا الفرضية هي الحاكمة على النص؛ فما أثبته الاستقراء
الصحيح قُبل، وما لم يثبته بقي خارج دائرة الدعوى.
وبذلك يكون
البحث قد حافظ على أصلين لا غنى عنهما في كل دراسة علمية:
- ألا تُفرض النتائج على النص
قبل دراسته.
- وألا يُحرم النص من دلالات قد
يكشف عنها الاستقراء الصحيح.
خلاصة المبحث
1. الحرف هو
أول وحدة بنائية في القرآن الكريم.
2. دراسة
الحرف لا تعني بالضرورة إثبات معنى مستقل لكل حرف.
3. افتتاح عدد
من السور بالحروف المقطعة يجعل الحرف جديرًا بالدراسة، لكنه لا يثبت وحده وظيفة
دلالية داخل الكلمات.
4. فرضية وجود
وظيفة دلالية للحرف تحتاج إلى اختبار واستقراء، لا إلى افتراض مسبق.
5. المنهج
المتبع في هذا المشروع هو أن النص القرآني هو المرجع الأول في إثبات هذه الفرضية
أو نفيها.
المبحث الثاني: هل للحرف وظيفة في بناء الدلالة؟
بعد تقرير
أن الحرف يمثل أول وحدة في البناء القرآني، يبقى السؤال الأهم:
هل تنحصر
وظيفة الحرف في تمثيل الصوت، أم أن له دورًا في تكوين الدلالة؟
لقد اعتاد
الباحثون أن ينظروا إلى الحروف بوصفها وحدات صوتية، وأن المعنى لا يبدأ إلا عند
اجتماعها في كلمة. ومن ثم أصبحت الكلمة هي أصغر وحدة دلالية يُبنى عليها البحث
اللغوي في أكثر الدراسات.
وهذا
التصور أدى إلى تركيز الجهود على دراسة الألفاظ والجمل، بينما بقي الحرف في الغالب
خارج دائرة البحث الدلالي.
غير أن هذا
المنهج يثير سؤالًا لا يمكن تجاوزه:
إذا كانت
الكلمة تحمل معنى، وهي مكوّنة من حروف، فهل جاءت الحروف التي تكوّنها على سبيل
الاعتباط، أم أن اختيارها وترتيبها جزء من بناء ذلك المعنى؟
إن هذا
السؤال لا يقتضي أن يكون لكل حرف معنى مستقل يمكن استعماله وحده، كما تُستعمل
الكلمات، لأن الحرف في ذاته لا يؤدي وظيفة الكلمة، ولا يستقل بإفادة المعنى الذي
تستقل به الألفاظ.
ولكنه يفتح
بابًا آخر للبحث، وهو:
هل يؤدي الحرف وظيفة داخل الكلمة تشبه وظيفة الخلية داخل الجسد؟
فالخلية
ليست إنسانًا، لكنها تدخل في تكوين الإنسان، وتتحدد خصائص الجسد من خلال انتظام
خلاياه وتفاعلها. وكذلك قد يكون الحرف بالنسبة للكلمة؛ ليس كلمة في ذاته، ولكنه
أحد العناصر التي تشارك في تكوين بنيتها الدلالية.
وهذا مجرد
تقريب للفكرة، لا دليل عليها. أما الدليل فلا يكون إلا باستقراء النص، واختبار
الفرضيات، ومراجعة النتائج.
ولهذا لا
يفترض هذا الكتاب أن للحروف شخصيات دلالية ثابتة، بل يسأل:
- هل يمكن إثبات ذلك؟
- وهل ينسجم مع جميع الاستعمالات
القرآنية؟
- وهل يفسر الظواهر اللغوية
تفسيرًا أكثر اتساقًا؟
- وهل يصمد أمام الأمثلة التي قد
تنقضه؟
فإن كانت
الإجابة نعم، أصبح ذلك جزءًا من النظرية المقترحة. وإن كانت الإجابة لا، سقطت
الفرضية مهما بدا فيها من جمال أو انسجام.
ومن هنا،
فإن هذا المشروع لا ينطلق من الدفاع عن فكرة مسبقة، وإنما من إخضاعها للبحث، لأن
الحق لا يُعرف بما نحب، وإنما بما يثبته الدليل.
إن الفرق
بين الفرضية والنتيجة هو الفرق بين بداية الطريق ونهايته؛ فالفرضية تُطرح لتُختبر،
أما النتيجة فلا تُقبل إلا إذا اجتازت الاختبار، وكل خلط بينهما يؤدي إلى بناءٍ
يفتقد الأساس المنهجي.
ولهذا فإن
القارئ لن يجد في الصفحات التالية معاني مقررة للحروف، بل سيجد منهجًا يسعى أولًا
إلى إثبات مشروعية السؤال، ثم يضع أدوات البحث، ثم ينتقل بعد ذلك إلى دراسة كل حرف
على حدة، في ضوء الشواهد القرآنية.
خلاصة:
1.
الحرف وحدة بنائية ثابتة، أما
وظيفته الدلالية فهي فرضية تحتاج إلى اختبار.
2.
لا يلزم من نفي استقلال الحرف
بالمعنى نفي مساهمته في بناء المعنى.
3.
الكلمة ليست نهاية البحث، بل بداية
التساؤل عن العناصر التي تكوّنها.
4.
لا تُقبل أي دلالة تُنسب إلى حرف
إلا إذا ثبتت بالاستقراء واتسقت مع جميع الشواهد.
5.
الفرق بين الفرضية والنتيجة أصل
منهجي يلتزم به هذا المشروع.
المبحث الثالث: بين التدبر والتكلف
إن كل
محاولة لفتح باب جديد في فهم القرآن قد تواجه سؤالًا مشروعًا: هل هذا من
التدبر الذي دعا إليه القرآن، أم من التكلف الذي نهى عنه الشرع؟
وهذا
السؤال لا ينبغي دفعه أو تجاهله، بل يجب أن يكون حاضرًا منذ بداية البحث، لأن
سلامة المنهج لا تتحقق إلا إذا عُرفت حدوده قبل نتائجه.
إن التدبر
هو النظر في القرآن بقصد فهمه والاهتداء به، وهو أمر دعا إليه القرآن الكريم في
مواضع متعددة، وجعل الإعراض عنه سببًا لعدم الانتفاع بالوحي.
أما التكلف
فهو ادعاء ما لا دليل عليه، أو إلزام النص بمعانٍ لا يحتملها، أو بناء النتائج على
الظنون دون برهان.
ومن هنا،
فإن الفارق بين التدبر والتكلف ليس في جدة الفكرة أو قدمها، وإنما في المنهج
الذي سلكه الباحث للوصول إليها.
فليس كل
جديد باطلًا، كما أن ليس كل قديم حقًا لمجرد قدمه. وإنما العبرة بسلامة الدليل،
واتساق النتائج، وإمكان اختبارها.
ولهذا فإن
هذا المشروع يلتزم بعدة ضوابط قبل أن يقرر أي نتيجة:
أولًا: ألا
تُنسب إلى القرآن دلالة لا يشهد لها النص نفسه.
ثانيًا:
ألا تُبنى القواعد على مثال واحد أو عدد محدود من الشواهد، بل على استقراء واسع.
ثالثًا:
إذا تعارضت الفرضية مع شواهد صحيحة لا يمكن الجمع بينها، وجب مراجعة الفرضية، لا
تأويل النص لإبقائها.
رابعًا: لا
تُقدَّم النتائج على أنها يقين لمجرد انسجامها العقلي، بل تُعرض بوصفها ثمرة
استقراء قابلة للنقد والمراجعة.
خامسًا:
يبقى القرآن هو الحاكم على المنهج، وليس المنهج حاكمًا على القرآن.
إن هذه
الضوابط ليست قيودًا على البحث، بل هي ضمانات لسلامته؛ لأن كل منهج يفقد القدرة
على مراجعة نفسه يتحول من وسيلة لاكتشاف الحق إلى وسيلة لتبرير الأفكار السابقة.
ولهذا فإن
القارئ مدعو إلى مرافقة هذا البحث بعقل ناقد، فلا يقبل نتيجة لمجرد موافقتها لما
ألفه، ولا يرفضها لمجرد أنها جديدة، وإنما يجعل ميزانه الدليل، واتساق المنهج،
وشمول الاستقراء.
إن الغاية
من هذا الكتاب ليست إنشاء مدرسة جديدة في التأويل لمجرد الاختلاف، ولا معارضة ما
قرره العلماء، وإنما محاولة النظر إلى مستوى من مستويات البناء القرآني لم يحظ
بالدراسة المنهجية الكافية من زاوية هذا المشروع، مع الاعتراف بأن أي نتيجة لا
تثبت إلا بمقدار ما يسندها الدليل.
خلاصة:
- التدبر مشروع، والتكلف مرفوض،
والفرق بينهما هو المنهج.
- لا تُقبل أي نتيجة إلا إذا
قامت على استقراء واسع ودليل واضح.
- القرآن هو المرجع الأعلى في
إثبات الفرضيات أو ردها.
- كل فرضية في هذا المشروع قابلة
للمراجعة إذا ظهر ما ينقضها.
- الباحث يلتزم بالبحث عن
الحقيقة، لا بالدفاع عن فرضياته.
المبحث الرابع: وحدة البحث في هذه الموسوعة
كل علم لا
يحدد وحدة بحثه، يبقى عرضة لاختلاط المفاهيم واضطراب النتائج؛ فالفيزياء تدرس
المادة والطاقة، والكيمياء تدرس العناصر وتفاعلاتها، وعلم الأحياء يدرس الخلية وما
ينشأ عنها من أنظمة، ولكل علم نقطة يبدأ منها، ثم يبني عليها سائر نتائجه.
أما هذه
الموسوعة، فإنها تنطلق من فرضية أن الحرف هو أصغر وحدة بنائية في النص القرآني،
لكنه ليس أصغر وحدة دلالية بالضرورة، ومن هنا كان لزامًا التفريق بين البناء
والدلالة.
فمن حيث
البناء، لا توجد كلمة إلا وهي مؤلفة من حروف، ولا يوجد جذر إلا وهو قائم على ترتيب
مخصوص لهذه الحروف.
أما من حيث
الدلالة، فإن البحث لا يفترض أن الحرف يؤدي معنى مستقلًا كما تؤديه الكلمة، وإنما
يفترض أن الحرف قد يسهم في تشكيل الدلالة عندما ينتظم مع غيره داخل بنية واحدة.
ولهذا فإن
وحدة البحث في الموسوعة ليست الحرف منفصلًا عن غيره، وليست الكلمة منفصلة عن
جذرها، وإنما هي الحرف داخل بنيته.
فالحرف لا
يُدرس وهو معزول، بل يُدرس من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
1.
الحرف بوصفه العنصر الأول في البناء.
2.
الجذر بوصفه أول نظام تنتظم فيه الحروف.
3.
اللفظ القرآني بوصفه
الصورة التي يظهر فيها الجذر داخل السياق.
وبذلك لا
يُحكم على شخصية حرف من خلال كلمة واحدة، ولا من خلال موضع واحد، وإنما من خلال
استقراء جميع المواضع التي يظهر فيها ضمن تراكيب مختلفة.
فإذا ظهرت
للحرف خصائص متكررة لا يفسرها المصادفة، أمكن حينئذٍ البحث في وظيفته داخل البناء.
أما إذا لم
يظهر هذا الاطراد، فلا يصح إثبات قاعدة عامة.
ولهذا فإن
المشروع يرفض أن تُبنى شخصية الحرف على التأمل المجرد، أو على الاشتقاقات
المنتقاة، أو على الأمثلة التي تؤيد الفكرة وحدها، لأن ذلك يؤدي إلى نتائج لا يمكن
التحقق منها.
إن وحدة
البحث ليست الحرف بوصفه رمزًا، وإنما الحرف بوصفه عنصرًا داخل نظام، ولا تُفهم
وظيفة أي عنصر إلا من خلال النظام الذي يعمل فيه.
ولهذا لن
تُستخرج شخصية أي حرف من مثال واحد، ولا من جذر واحد، بل من مجموع الشواهد التي
تسمح ببناء فرضية قابلة للاختبار.
خلاصة:
- الحرف هو أصغر وحدة بنائية في
القرآن.
- الجذر هو أول مستوى تنتظم فيه
الحروف.
- اللفظ هو المجال الذي تظهر فيه
الدلالة داخل السياق.
- لا يُدرس الحرف بمعزل عن بنيته.
- لا تُستخرج القواعد من الأمثلة
الفردية، بل من الاستقراء الشامل.
المبحث الخامس: خصائص المنهج المقترح
لا يقصد
هذا المشروع إنشاء منهج بديل عن علوم القرآن أو علوم العربية، ولا الادعاء بأن ما
سبقه من جهود لم يكن كافيًا، وإنما يقترح زاوية نظر جديدة، تنطلق من دراسة الحرف
بوصفه أول عنصر في البناء القرآني، مع إخضاع هذه الفرضية لقواعد البحث والاستقراء.
ولكي يبقى
هذا المنهج منضبطًا، فإنه يلتزم بعدد من الخصائص التي تميزه، وتجعل نتائجه قابلة
للنقد والمراجعة.
أولًا: القرآن هو المرجع الأول
ينطلق هذا
المشروع من أن القرآن هو المصدر الأول لاكتشاف القواعد المتعلقة بالحرف. فلا تُفرض
عليه نظريات خارجية، ولا يُحمَّل ما لا يدل عليه، وإنما يُستقرأ نصه كاملًا، ثم
تُستنبط القواعد من داخله.
ثانيًا: الاستقراء قبل الاستنتاج
لا تُبنى
القواعد على مثال واحد، ولا على عدد محدود من الألفاظ، بل تُجمع الشواهد أولًا، ثم
تُدرس، ثم تُستخرج منها الفرضيات، ثم تُختبر على بقية النص.
فالاستنتاج
يجيء في نهاية البحث، لا في بدايته.
ثالثًا: الكليات قبل الجزئيات
لا تُقبل
قاعدة عامة بسبب حالة خاصة، بل يُبحث أولًا عن الظاهرة الكلية، ثم تُفسر الجزئيات
في ضوئها.
فكل قاعدة
لا تستوعب أكثر شواهدها، تحتاج إلى مراجعة.
رابعًا: السياق حاكم على الدلالة
مهما ثبت
من خصائص للحرف، فإنها لا تعمل مستقلة عن السياق.
فالسياق هو
الذي يحدد كيفية ظهور أثر الحرف داخل الكلمة، والكلمة داخل الآية، والآية داخل
السورة.
ولهذا لا
يجوز اقتطاع لفظ من سياقه لإثبات قاعدة عامة.
خامسًا: التكامل لا الإلغاء
لا يهدف
هذا المنهج إلى إلغاء التفسير اللغوي، أو البلاغي، أو الأصولي، بل يرى أن كل هذه
العلوم تكشف مستويات من المعنى.
فإذا ثبت
أن للحرف وظيفة دلالية، فإنها تكون مستوى إضافيًا من مستويات الفهم، لا بديلًا
عنها.
سادسًا: قابلية المراجعة
كل نتيجة
يصل إليها هذا المشروع تظل قابلة للمراجعة إذا ظهر ما يخالفها من استقراء أشمل أو
دليل أقوى.
فالمنهج لا
يقدس نتائجه، وإنما يقدس سلامة الطريق المؤدي إليها.
سابعًا: التمييز بين الفرضية والحقيقة
كل معنى
يُنسب إلى حرف في بداية البحث يُعد فرضية، ولا ينتقل إلى مرتبة القاعدة إلا إذا
تحقق فيه:
- كثرة الشواهد.
- اتساق النتائج.
- عدم وجود ما ينقضها.
- قدرتها على تفسير الظواهر دون
تكلف.
وبغير ذلك
تبقى مجرد احتمال علمي.
ثامنًا: التدرج في بناء المعرفة
لا ينتقل
هذا المشروع من الحرف إلى تفسير الآية مباشرة، وإنما يسير وفق ترتيب ثابت:
الحرف ← الجذر ← اللفظ ← التركيب ← الآية ← السورة ← البناء القرآني.
فكل مرحلة
تبني التي بعدها، ولا يجوز تجاوزها.
خلاصة:
يقوم هذا
المنهج على ثمانية أصول:
1.
القرآن هو المرجع الأول.
2.
الاستقراء يسبق الاستنتاج.
3.
الكليات مقدمة على الجزئيات.
4.
السياق حاكم على الدلالة.
5.
التكامل مع العلوم الشرعية
واللغوية، لا إلغاؤها.
6.
النتائج قابلة للمراجعة.
7.
التفريق بين الفرضية والقاعدة.
8. التدرج من الحرف إلى البناء القرآني الكامل.
