الحلقة الثانية: لماذا لا تريد القوى الكبرى حسم الحرب؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث



بعد أن أدركنا في الحلقة الأولى أن الحروب لا تبدأ بالرصاصة، بل تبدأ يوم تكتمل أسبابها، يبقى سؤال أكثر أهمية: إذا كانت القوى الكبرى قادرة على إنهاء كثير من الحروب، فلماذا تستمر سنوات طويلة؟

للوهلة الأولى يبدو أن كل دولة تدخل الحرب من أجل تحقيق نصر سريع، لكن التاريخ يروي قصة مختلفة. فهناك حروب لم يكن الهدف منها الانتصار المباشر، بل إدارة الصراع بطريقة تستنزف الجميع، حتى تتغير موازين القوى من تلقاء نفسها.

عندما غزا نابليون روسيا عام 1812، لم يهزمه الروس في معركة فاصلة، بل تركوه يتقدم داخل أراضيهم، بينما كانت المسافات الطويلة والشتاء القاسي ونقص الإمدادات تلتهم جيشه يومًا بعد يوم. وعندما بدأ الانسحاب، لم يعد الجيش الذي دخل روسيا هو الجيش الذي خرج منها. لقد انتصر الاستنزاف قبل أن ينتصر السلاح.

وتكرر المشهد بصورة مختلفة في الحرب العالمية الثانية. فلم يكن إسقاط ألمانيا النازية نتيجة معركة واحدة، بل نتيجة حرب طويلة استنزفت الصناعة والاقتصاد والوقود والقدرة البشرية، حتى أصبحت آلة الحرب الألمانية عاجزة عن الاستمرار.

ثم جاء الاتحاد السوفيتي ليخوض حرب أفغانستان. امتلك واحدًا من أقوى جيوش العالم، لكنه وجد نفسه في حرب امتدت سنوات، استنزفت المال والسلاح والروح المعنوية، وانتهت بانسحابه، ثم لم تمض سنوات حتى انهار الاتحاد السوفيتي نفسه. لم تكن أفغانستان مجرد ساحة حرب، بل كانت ساحة استنزاف.

والولايات المتحدة بدورها عاشت تجربة مشابهة في فيتنام، ثم بدرجة أخرى في العراق وأفغانستان. فالدخول كان سريعًا، أما الخروج فكان مكلفًا سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، وأثبت أن امتلاك القوة لا يعني دائمًا القدرة على إنهاء الصراع بالشكل الذي تريده.

وهنا يظهر قانون آخر من قوانين الصراع:

ليست كل حرب هدفها كسب الأرض، بل قد يكون هدفها استهلاك قوة الخصم حتى يصبح أقل قدرة على المنافسة.

وعندما ننظر إلى الحرب الحالية بهذا المنظار، نجد أن الصورة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه.

فالولايات المتحدة تسعى إلى الحفاظ على نفوذها وشبكة تحالفاتها في منطقة ذات أهمية استراتيجية. وإسرائيل تركز على أمنها ومواجهة التهديدات التي تراها مباشرة. وإيران تحاول الحفاظ على نفوذها الإقليمي وقدرات الردع. أما روسيا والصين فتراقبان تطورات تؤثر في توازنات النظام الدولي، مع حسابات تختلف عن حسابات أطراف الصراع المباشرين.

لكن يبقى السؤال مفتوحًا: هل مصلحة كل طرف هي إنهاء الحرب سريعًا، أم أن بعض الأطراف قد ترى فائدة في إطالة أمدها؟

فكل يوم إضافي من الحرب يعني استهلاكًا أكبر للذخائر، وضغطًا على الاقتصادات، واختبارًا للتحالفات، وتغييرًا في أولويات الدول وأسواق الطاقة وسلاسل الإمداد. لذلك قد تتحول الحرب، مع مرور الوقت، من معركة عسكرية إلى معركة على الزمن نفسه.

وهنا نصل إلى فكرة محورية:

قد يكون السؤال الذي يطرحه الإعلام هو: من سينتصر؟

أما السؤال الذي يفرضه التاريخ فهو: من يستطيع أن يتحمل الاستنزاف مدة أطول؟

لأن كثيرًا من الإمبراطوريات لم تسقط عندما هُزمت في معركة، بل سقطت عندما عجزت عن تحمل تكلفة الاستمرار.

وهذا ما يجعل فهم الحروب الحديثة مختلفًا؛ فليس كل تأخر في الحسم دليلًا على الفشل، وليس كل إطالة للحرب دليلًا على العجز، فقد تكون في بعض الأحيان جزءًا من حسابات استراتيجية معقدة، حتى وإن اختلف المحللون حول دوافعها.

في الحلقة الثالثة:

حروب الاستنزاف... عندما يصبح الوقت هو السلاح الأخطر، وكيف غيّر الزمن وحده مصير إمبراطوريات وجيوش دون أن يكون هو الطرف الذي أطلق رصاصة واحدة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0