الحلقة الثامنة: الحرب الكبرى (هرمجدون)... هل نحن أمام استنزاف الجميع؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


الحلقة الثامنة: الحرب الكبرى (هرمجدون)... هل نحن أمام استنزاف الجميع؟

بعد أن تناولنا في الحلقات السابقة كيف تبدأ الحروب، وكيف تتحول إلى حروب استنزاف، وكيف تتغير التحالفات ويُعاد تشكيل النظام العالمي، نصل الآن إلى السؤال الذي يدور في أذهان كثيرين:
- هل أدخلت الصين وروسيا الولايات المتحدة في حرب استنزاف عبر إيران؟
- أم أن الولايات المتحدة وإسرائيل تعلمان جيدًا إلى أين تتجه هذه الحرب؟
قد تبدو الإجابة للوهلة الأولى بسيطة، لكن عندما ننظر إلى المشهد من زاوية أوسع، نجد أن ما يجري قد لا يكون مجرد حرب بين أطراف متقابلة، بل سلسلة من حروب الاستنزاف التي تمهد - بحسب هذا الطرح - لمواجهة أكبر تعيد رسم خريطة المنطقة والعالم.
ويبدأ هذا الطرح من سؤال أساسي:
ما الهدف الحقيقي للولايات المتحدة وإسرائيل من هذه الحرب؟
أن الهدف لا يقتصر على مواجهة إيران، بل يمتد إلى إحكام السيطرة على الشرق الأوسط.
فالولايات المتحدة - تسعى إلى تثبيت سيطرتها على الممرات البحرية الحيوية، بينما تعمل إسرائيل على تهيئة البيئة التي تسمح بتحقيق مشروع "إسرائيل الكبرى".
لكن هناك ما هو أعمق وسؤال أكثر عمقًا:

- لماذا توجد الولايات المتحدة وإسرائيل أصلًا في قلب هذه المنطقة؟
- وهل هذه هي الأهداف الحقيقية، أم أن هناك مسارًا تاريخيًا أطول بدأ قبل قرون؟

وللإجابة عن هذا السؤال يعود هذا الطرح إلى أوروبا في أواخر العصور الوسطى، ثم إلى عصر النهضة، باعتبارهما بداية مرحلة جديدة بعد انتهاء الحروب الصليبية، حيث قامت بعض التيارات الدينية والفكرية في الغرب أعادت بناء تصورها تجاه "أرض الأديان" ودورها في التاريخ.
فإن بعض التيارات المسيحية الإنجيلية تبنت منذ القرن السادس عشر فكرة أن قيام "إسرائيل الكبرى" يمثل خطوة ضرورية تسبق عودة المسيح، مستندة إلى قراءات خاصة لبعض نصوص سفر الرؤيا، وما يرتبط بها من أحداث آخر الزمان.
وأن هذه الرؤية لم تبق مجرد معتقد ديني، بل تطورت مع الزمن لتؤثر في بعض الدوائر السياسية والمالية والإعلامية في الغرب.
ومن هنا ينتقل التحليل إلى سؤال آخر:

- إذا كان الهدف هو إعادة تشكيل المنطقة، فما العقبة الأكبر أمام هذا المشروع؟

الإجابة بوجود حضارة إسلامية متماسكة يمثل العقبة الأساسية، ولذلك فإن إضعافها لا يكون بالمواجهة العسكرية المباشرة فقط، وإنما بتغذية الانقسامات الداخلية وإعادة تشكيل موازين القوة داخل العالم الإسلامي.
ومن هذا المنطلق كان الصراع الصفوي-العثماني في القرنين السادس عشر والسابع عشر، وهو يعتبر بداية تشكل الانقسام السياسي المذهبي بصورته الحديثة، ثم بعد ذلك مرحلة التنظيمات العثمانية، وما تبعها من تغيرات سياسية وإدارية، ثم بانتهاء الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى، وإعادة رسم حدود المنطقة.
ثم تقسيم المنطقة إلى دول بأحجام مختلفة خلق بيئة دائمة للقلق المتبادل، بحيث تخشى الدول الصغيرة من جيرانها الكبار، بينما تخشى الدول الكبرى من تشكل تكتلات إقليمية منافسة، وهو ما يجعل المنطقة في حالة توتر مستمر.
ومن هنا ننتقل إلى تفسير الحرب الحالية.
فالهدف ليس القضاء الكامل على إيران، وإنما إدخالها في مرحلة استنزاف طويلة، تمهيدًا - بحسب تصورهم - لإعادة تشكيل الاصطفافات الإقليمية، والدفع نحو صراعات أوسع داخل العالم الإسلامي.
حيث تتموضع إيران في معسكر تقوده روسيا والصين، بينما ترتبط غالبية الدول العربية السنية بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب.
كما أن روسيا خاضت صراعات مع جماعات سنية في الشيشان وأفغانستان، وأن الصين تواجه توترات مع الإيغور، بينما استقبلت دول غربية أعدادًا كبيرة من المهاجرين المسلمين السنة، فهناك نمطًا يستحق التأمل.
ونجد أيضاً تمركز القاعدة العسكرية الروسية في الساحل السوري، ذي الأغلبية العلوية، يعكس - جانبًا من هذا المشهد الإقليمي المعقد.
إذن الدول الكبرى العالمية هي الأخرى تنسج نسيجاً متداخلاً كان يمهد لهذا الصراع
ثم نصل إلى أكثر نقاطه إثارة للجدل.
إذ أن الصراع بين الشرق والغرب قد لا يكون صراعًا مستقلًا بالكامل، بل إن هناك شبكات نفوذ مالية وسياسية عابرة للحدود تؤثر في اتجاهات الصراع الدولي، وتسعى إلى إدارة التنافس بين القوى الكبرى بطريقة تحقق مصالحها.
فالولايات المتحدة وروسيا والصين ليست - سوى أطراف داخل منظومة صراع أكبر، وأن الدول الإسلامية تتحول إلى ساحات استنزاف ضمن هذا التنافس.
فإن استمرار هذه الحروب لا يهدف إلى تحقيق نصر سريع لأي طرف، وإنما إلى إنهاك الجميع، وصولًا إلى مرحلة يعاد فيها تشكيل المنطقة بما يحقق أهدافًا استراتيجية بعيدة المدى، مع بقاء "أرض الأديان" محورًا رئيسيًا في هذا المشروع.
فمعركة هرمجدون جزء لا يتجزء من هذا التخطيط لبناء اسرائيل الكبرى تحت مبررات عودة المسيح
ولكن بناءً على هذا الطرح نجد رؤية مختلفة للمستقبل، مفادها أن اشتداد الفتن والصراعات لا يعني نهاية العالم الإسلامي، بل يرون أن هذه المراحل، مهما بلغت قسوتها، لن تمنع المسلمين من البقاء، وأن المستقبل سيحمل في النهاية مرحلة مختلفة عما نشهده اليوم.

تعليقات

عدد التعليقات : 0