الفرق بين السحر والعلم: الحلقة الرابعة: لماذا انتصر موسى... وفشل السحرة؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

الحلقة الرابعة: لماذا انتصر موسى... وفشل السحرة؟

إذا أردنا أن نفهم الفرق الحقيقي بين السحر والعلم، فلن نجد قصة أوضح من المواجهة التي وقعت بين موسى عليه السلام وسحرة فرعون. 

فهذه الحادثة ليست مجرد قصة تاريخية، بل هي نموذج قرآني يكشف حدود كل من العلم، والسحر، والمعجزة، ويبين أين تنتهي قدرة الإنسان وأين يبدأ التأييد الإلهي.

لكن أكثر الناس يقرؤون القصة وهم يعرفون نهايتها، ولا يتوقفون عند سؤال بسيط كان يجب أن يسبق كل شيء:

لماذا جمع فرعون السحرة أصلًا؟

لو كان يعلم أنهم مجرد مخادعين، لما خاطر بملكه أمام الناس. 

ولو كان يعتقد أن موسى يقوم بخداع بصري يشبه ما يفعلونه، لكان من الطبيعي أن يأتي بأمهرهم ليكشفوا خدعته أمام الجميع. 

أما لو كان يعلم أن موسى مؤيد من الله، فلماذا أدخل نفسه في مواجهة خاسرة؟

هذا يعني أن فرعون، ومعه قومه، كانوا يرون أن ما جاء به موسى يمكن أن يُقاس بما يعرفونه من السحر، ولذلك ظنوا أن الأمر مسابقة بين خبرات بشرية، وأن الغلبة ستكون لمن يملك مهارة أكبر.

وهنا تبدأ المفاجأة.

لقد دخل السحرة الساحة وهم واثقون من أنفسهم. لم يترددوا، ولم يظهر عليهم خوف، بل طلبوا الأجر قبل أن يبدأوا، لأنهم كانوا يعلمون قيمة ما يمتلكونه من خبرة، ويثقون في قدرتهم على التأثير في أعين الناس وعقولهم.

قالوا لفرعون:

﴿أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ﴾

إنها لغة أصحاب الحرفة، لا لغة أصحاب الوهم.

ولو كانوا مجرد دجالين لا يصدقون ما يفعلون، لما تحدثوا بهذه الثقة. 

فكانوا يعلمون أن لديهم معرفة، وأن لهذه المعرفة قوانين يتقنونها بالممارسة والخبرة، ولذلك وقفوا أمام موسى مطمئنين.

ثم بدأوا العرض.

يصف القرآن المشهد بقوله:

﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ﴾

تأمل هذا التعبير.

لم يقل: غيّروا الحقيقة.

ولم يقل: حوّلوا الحبال إلى حيات.

بل قال: سحروا أعين الناس.

فالتركيز هنا ليس على الحبال، بل على الإدراك.

إن أول ميدان يعمل فيه السحر هو عقل الإنسان، لا المادة نفسها.

وهذا يفتح بابًا واسعًا للتأمل.

فالإنسان لا يعيش الواقع كما هو، بل كما تدركه حواسه. 

وإذا أمكن التأثير في إدراكه، أمكن تغيير الصورة التي يراها دون أن تتغير الحقيقة نفسها.

ألا يحدث هذا كل يوم؟

انظر إلى السراب في الصحراء.

الماء الذي يراه المسافر ليس موجودًا، ومع ذلك يراه بعينيه، ويجري نحوه بكل يقين.

فهل خلق السراب ماءً؟

أم غيّر طريقة إدراك العين؟

وانظر إلى العصا إذا وضعتها في الماء.

ستراها منكسرة، مع أنها مستقيمة.

فهل انكسرت العصا؟

أم أن الضوء هو الذي أوصل إلى عينك صورة مختلفة؟

وانظر إلى القمر.

كل إنسان يراه كأنه يسير معه، أينما ذهب.

فهل يتحرك القمر مع كل واحد منا؟

أم أن زاوية الرؤية صنعت هذا الإحساس؟

بل انظر إلى السينما.

إنك تجلس ساعتين كاملتين تبكي، وتضحك، وتغضب، وتخاف، مع أنك تعلم أن ما تراه ليس إلا صورًا ثابتة تُعرض بسرعة معينة فتخدع العين فتراها حركة متصلة.

هل غيرت الشاشة الواقع؟

أم غيرت طريقة استقبال العقل للواقع؟

إذن فالتأثير في الإدراك ليس أمرًا غريبًا، بل هو جزء من السنن التي أودعها الله في خلق الإنسان.

ولهذا لم يكن وصف القرآن دقيقًا عبثًا، بل وجّه الانتباه إلى أن السحرة تعاملوا مع إدراك الناس قبل أن يتعاملوا مع الأشياء نفسها.

لكن هنا يقع كثير من الناس في خطأ آخر.

فيظنون أن السحر لا يعدو أن يكون خداعًا بصريًا.

وهذا تبسيط لا يساعد على فهم النص القرآني.

فالإنسان لا يدرك العالم بعينيه فقط، بل بعينيه وأذنيه وذاكرته ومشاعره وتوقعاته ومخاوفه. ولهذا يمكن التأثير في إدراكه بوسائل كثيرة، وليس بالخداع البصري وحده.

ألا ترى كيف تستطيع كلمة واحدة أن تغيّر نظرتك إلى شخص كنت تحبه؟

وألا تستطيع إشاعة كاذبة أن تثير الذعر في مدينة كاملة؟

وألا يمكن لصورة مفبركة أن تغيّر رأيًا عامًا؟

إن المادة لم تتغير.

الذي تغير هو ما استقر في العقول.

ولهذا فإن أخطر أنواع التأثير ليست التي تغيّر الأشياء، بل التي تغيّر تفسير الإنسان للأشياء.

وهنا نقترب من جوهر القصة.

فالسحرة كانوا يتحركون داخل دائرة السنن التي يعرفونها، ويؤثرون في إدراك الناس بما أتقنوه من وسائل. 

أما موسى عليه السلام، فلم يدخل معهم في منافسة داخل الدائرة نفسها.

لم يحاول أن يكون "أمهر ساحر".

ولم يأتِ بخدعة أكبر.

بل جاء بآية قلبت ميزان المقارنة كله.

ولهذا كانت أول من أدرك الحقيقة هم السحرة أنفسهم.

ولماذا؟

لأن الخبير هو أول من يعرف حدود فنه.

فالنجار يميز الخشب الطبيعي من الصناعي أسرع من غيره.

والطبيب يكتشف الخطأ الطبي قبل عامة الناس.

ومهندس البرمجيات يرى ما لا يراه مستخدم الحاسوب.

وكذلك السحرة.

لقد عرفوا فورًا أن ما حدث ليس امتدادًا لما يمارسونه، لأنهم يعرفون حدود الأدوات التي يعملون بها، ويعرفون أين تنتهي قدرتهم.

ولهذا لم يناقشوا، ولم يطلبوا إعادة التجربة، ولم يتهموا موسى بأنه أكثر مهارة منهم.

بل سجدوا مباشرة.

إن هذه السجدة ليست مجرد إعلان إيمان، بل شهادة خبراء.

شهادة أناس قضوا أعمارهم في هذا المجال، ثم وقفوا أمام حدث أدركوا أنه لا ينتمي إلى الباب الذي يعرفونه.

ولهذا كانت شهادتهم أقوى من شهادة الجمهور.

فالجمهور رأى النتيجة.

أما هم، فرأوا الفرق في المصدر.

ومن هنا تتضح قاعدة جديدة:

ليس كل ما يعجز الإنسان عن تفسيره معجزة، وليس كل ما يؤثر في الناس سحرًا، ولكن الخبير هو أول من يدرك متى يكون الحدث تطبيقًا لسنن يعرفها البشر، ومتى يكون آية يؤيد الله بها رسله بما يعجز البشر عن الإتيان بمثله.

وهذا يقودنا إلى السؤال التالي، وهو أخطر أسئلة هذا البحث كله:

إذا كان السحر يعمل ضمن سنن الله، وإذا كانت المعجزة أيضًا تقع بإذن الله، فما الحد الفاصل بين السنّة التي يكتشفها الإنسان، والآية التي يجريها الله على يد نبي؟

هذا السؤال سيكون محور الفصل الخامس، لأنه يمثل المفتاح الذي يزيل الخلط بين العلم، والسحر، والمعجزة، ويضع كل واحد منها في موضعه الصحيح.

تعليقات

عدد التعليقات : 0