من باب المندب إلى ليبيا: هل تدير واشنطن شبكة نفوذ روسية تمتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط؟

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 

من باب المندب إلى ليبيا: هل تدير واشنطن شبكة نفوذ روسية تمتد من البحر الأحمر إلى شرق المتوسط؟

مقدمة: السؤال الذي يتجاوز الحوثيين

تبدو أزمة الحوثيين في اليمن للوهلة الأولى صراعاً محلياً أو إقليمياً مرتبطاً بأمن الملاحة في البحر الأحمر والحرب في غزة.

لكن قراءة التطورات خلال عامي 2025 و2026 تكشف أن الجغرافيا أوسع بكثير.

فنحن أمام مجموعة من النقاط المتصلة استراتيجياً:

باب المندب — خليج عدن — البحر الأحمر — السودان — القرن الأفريقي — ليبيا — شرق المتوسط — الخليج العربي — مضيق هرمز.

هذه السلسلة تربط بين أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم، وبين مناطق تتنافس فيها الولايات المتحدة وروسيا وإيران وقوى إقليمية متعددة على النفوذ.

ومن هنا يظهر السؤال الأهم:

هل تتعامل واشنطن مع أزمة الحوثيين باعتبارها مشكلة يجب سحقها عسكرياً، أم باعتبارها عقدة داخل شبكة أكبر يجب إدارتها سياسياً وعسكرياً؟

1. لماذا لم يتحول القصف الأمريكي إلى حرب مفتوحة؟

في مارس 2025 شنت إدارة ترامب حملة عسكرية واسعة ضد الحوثيين، ثم أعلنت في مايو وقف الضربات بعد اتفاق توسطت فيه سلطنة عُمان.

الاتفاق لم يكن تسوية شاملة للحرب اليمنية، ولم ينهِ الصراع بين الحوثيين وإسرائيل، وإنما ركز بصورة أساسية على وقف الاستهداف المتبادل بين الولايات المتحدة والحوثيين، ولا سيما السفن الأمريكية.

هذه النقطة مهمة.

فواشنطن اختبرت القوة العسكرية، ثم انتقلت إلى التفاوض.

وفي سبتمبر 2026، ومع تجدد الأزمة وتصاعد سيطرة الحوثيين على أجزاء من ساحل البحر الأحمر، عادت الاتصالات الأمريكية مع الحوثيين في مسقط.

وهذا يعني أن السياسة الأمريكية لا يمكن وصفها ببساطة بأنها «تردد في استخدام القوة».

الأدق أنها تجمع بين:

الردع العسكري + حماية الملاحة + الضغط السياسي + قنوات التفاوض.

2. عُمان: لماذا أصبحت مسقط أكثر أهمية؟

عُمان تمتلك موقعاً جغرافياً بالغ الحساسية.

فهي تطل على بحر العرب وتشرف على الجانب العماني من منطقة مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه احتفظت تاريخياً بقنوات اتصال مع إيران والولايات المتحدة وأطراف إقليمية متعارضة.

ولهذا أصبحت مسقط قناة مهمة في ملفات شديدة الحساسية.

فقد استضافت في 2025 الوساطة التي أدت إلى وقف القصف الأمريكي للحوثيين.

وفي 2026 استضافت اتصالات أمريكية–حوثية، كما استضافت مشاورات مرتبطة بالملف الإيراني.

وبالتالي، فإن أهمية عُمان ليست في «السيطرة على الملاحة» بالمعنى العسكري المباشر، وإنما في موقعها الجغرافي والدبلوماسي الذي يجعلها نقطة اتصال بين القوى المتنافسة.

3. أين تدخل روسيا؟

هنا تبدأ الصورة الأكثر تعقيداً.

روسيا لا تحتاج إلى امتلاك كل ميناء حتى تؤثر في حركة الملاحة.

يكفيها أحياناً أن تكون قادرة على بناء علاقات عسكرية وسياسية مع أطراف تقع على امتداد هذه الممرات.

وفي إفريقيا، طورت موسكو خلال السنوات الماضية حضوراً في ليبيا والسودان ومناطق أخرى.

وفي ليبيا تحديداً، كان الوجود الروسي أحد عناصر الصراع حول مستقبل البلاد.

والأهم أن مسؤولين عسكريين أمريكيين تحدثوا بعد تراجع الوجود الروسي في سوريا عن بحث موسكو عن بدائل تسمح لها بالحفاظ على قدرتها على العمل في البحر المتوسط.

وهنا تظهر ليبيا باعتبارها جغرافيا ذات قيمة استثنائية.

4. لماذا شرق ليبيا مهم؟

شرق ليبيا ليس مجرد منطقة نفطية أو ساحة للصراع الداخلي الليبي.

إنه يقع على مسافة استراتيجية من:

  • جنوب أوروبا.
  • وسط البحر المتوسط.
  • مصر.
  • شرق المتوسط.
  • شمال إفريقيا.
  • طرق الهجرة والطاقة.

ولهذا فإن أي وجود روسي طويل الأمد في ليبيا يمكن أن يمنح موسكو خيارات إضافية في المتوسط.

وفي المقابل، تعمل الولايات المتحدة وحلفاؤها على الحفاظ على إمكانية الوصول والتأثير.

وفي هذا السياق، جاء التعاون العسكري الأمريكي مع الأطراف الليبية من الشرق والغرب ضمن ترتيبات تدريبات Flintlock 2026.

ولا يعني ذلك وجود «قاعدة أمريكية دائمة» في ليبيا؛ لكن وجود انخراط أمريكي عسكري متزايد يجعل ليبيا جزءاً مهماً من معادلة التنافس على الوصول إلى شمال إفريقيا والبحر المتوسط.

5. وماذا عن البحر الأحمر؟

هنا تصبح الصورة أكثر حساسية.

إذا امتلكت قوة كبرى علاقات قوية في:

شرق ليبيا + السودان + القرن الأفريقي

فإنها تصبح أقرب إلى واحد من أهم الممرات البحرية في العالم.

وفي الاتجاه الآخر، يمثل باب المندب نقطة اختناق استراتيجية بين البحر الأحمر وخليج عدن.

لذلك فإن الأزمة الحوثية تمنح هذه المنطقة أهمية إضافية.

فالحوثيون أثبتوا أن جماعة غير حكومية تستطيع التأثير في حركة السفن التجارية باستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة.

وهذا يجعل باب المندب ليس مجرد مضيق جغرافي، بل أداة ضغط استراتيجية.

6. هل سلحت روسيا الحوثيين فعلاً؟

هنا يجب الحذر.

ظهرت خلال السنوات الماضية تحذيرات ودراسات بشأن احتمال نقل روسيا تقنيات أو أسلحة متقدمة إلى الحوثيين، وخصوصاً أنظمة مضادة للسفن.

كما ناقشت بعض الدراسات فكرة أن موسكو يمكن أن تستفيد من رفع تكلفة الوجود الأمريكي في البحر الأحمر.

لكن حتى الآن ينبغي التمييز بين:

احتمال أو مخاوف من تسليح روسي متقدم

وبين:

إثبات أن شحنات روسية محددة وصلت فعلاً إلى الحوثيين.

وهذا التفريق مهم جداً إذا أردنا بناء تحليل سياسي يمكن الدفاع عنه، لا مجرد رواية جذابة.

كما أن التطورات الأخيرة تشير إلى أن الحوثيين أنفسهم أصبحوا أكثر قدرة على تطوير أسلحتهم، بما في ذلك استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في بعض عمليات التصميم والتطوير.

وهذا يعني أن العلاقة بين القدرات الحوثية والدعم الخارجي أصبحت أكثر تعقيداً من نموذج «السلاح يأتي من الخارج ثم يستخدم محلياً».

7. هل تريد واشنطن إلهاء روسيا عن شرق المتوسط؟

هذه هي الفرضية الأكثر إثارة.

لكن لا توجد، في المصادر العلنية التي يمكن التحقق منها، وثيقة أمريكية تقول إن ترامب وضع خطة لإشغال روسيا في عدة جبهات بهدف إضعافها في أوكرانيا.

لذلك ينبغي تقديمها باعتبارها قراءة استراتيجية محتملة لا حقيقة مثبتة.

ومع ذلك، فإن المنطق الاستراتيجي للفكرة قابل للنقاش.

فروسيا تواجه مصالح وتحديات في:

أوكرانيا
القطب الشمالي
البحر الأسود
الشرق الأوسط
ليبيا
السودان
الساحل الأفريقي
البحر الأحمر

وفي المقابل تحاول الولايات المتحدة المحافظة على انتشارها وقدرتها على الحركة في أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا.

وبالتالي فإن كل منطقة إضافية تحتاج فيها موسكو إلى موارد دبلوماسية وعسكرية وأمنية تمثل تكلفة إضافية.

لكن هذا لا يعني بالضرورة أن واشنطن «صنعت» هذه الأزمات.

الأدق أن نقول:

القوى الكبرى تحاول استثمار الأزمات الموجودة بالفعل وتحويلها إلى أوراق تفاوضية في صراع أوسع على النفوذ.

8. إثيوبيا: الحلقة التي تحتاج إلى تدقيق

من السهل بناء سردية تقول إن واشنطن تريد تحويل إثيوبيا إلى قاعدة أمريكية جديدة لتطويق روسيا.

لكن الأدلة العلنية المتاحة لا تكفي لهذه النتيجة.

ما نعرفه بصورة أوضح هو أن إثيوبيا، الدولة الحبيسة، تعتبر الوصول إلى البحر الأحمر قضية استراتيجية، وأن علاقاتها مع إريتريا شهدت توترات حادة بسبب هذا الملف.

وبالتالي فإن إثيوبيا أصبحت جزءاً مهماً من معادلة القرن الأفريقي.

لكن هذا لا يعني تلقائياً أن الولايات المتحدة تملك مشروعاً معلناً لتحويلها إلى مركز عسكري أمريكي ضد روسيا.

والفارق بين الأمرين كبير.

9. البحر الأحمر والبحر المتوسط أصبحا مسرحاً واحداً

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأهم.

كان من المعتاد التعامل مع:

اليمن باعتباره ملفاً خليجياً.

ليبيا باعتبارها ملفاً متوسطياً.

السودان باعتباره ملفاً أفريقياً.

أوكرانيا باعتبارها ملفاً أوروبياً.

لكن التطورات الحالية تجعل هذه الملفات أكثر ترابطاً.

فالممرات البحرية والطاقة والقواعد العسكرية والطائرات المسيرة والأسلحة والموارد الطبيعية والهجرة والتجارة كلها تتداخل.

وبالتالي يمكن أن يصبح:

ميناء في ليبيا

مرتبطاً بـ

قاعدة أو نقطة نفوذ في البحر الأحمر

والاثنان مرتبطان بـ

أمن المتوسط

والجميع مرتبطون بصورة أو بأخرى بـ

التنافس الأمريكي–الروسي العالمي.

10. بوتين لا ينتظر واشنطن

ومن الخطأ أيضاً تصور أن روسيا مجرد طرف يتلقى الضربات الاستراتيجية.

موسكو لديها مصلحة في استخدام نقاط الضعف الأمريكية نفسها.

فكلما انشغلت واشنطن في الشرق الأوسط، احتاجت إلى موارد عسكرية وسياسية إضافية.

وكلما ارتفع تهديد الملاحة في البحر الأحمر أو هرمز، ارتفعت تكلفة حماية التجارة والطاقة.

وكلما اتسعت المنافسة في إفريقيا، أصبحت الولايات المتحدة أمام معادلة انتشار أكثر تعقيداً.

وهكذا يمكن أن يتحول البحر الأحمر إلى ورقة ضغط روسية حتى دون أن تدخل روسيا الحرب بصورة مباشرة.

11. المعادلة الحقيقية

يمكن اختصار الصراع الحالي في أربعة مستويات:

المستوى الأول: الملاحة

باب المندب وهرمز وقناة السويس.

المستوى الثاني: النفوذ

اليمن، السودان، القرن الأفريقي، ليبيا وسوريا.

المستوى الثالث: القوى الكبرى

الولايات المتحدة وروسيا والصين، مع الدور الإيراني.

المستوى الرابع: الحرب غير المباشرة

الصواريخ، المسيرات، الوكلاء المحليون، العقوبات، الموانئ والقواعد وشبكات التجارة.

ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي:

من يستطيع التحكم في تكلفة الحركة عبر هذه الجغرافيا؟

ليس بالضرورة من يملك أكبر جيش.

الخلاصة

قد يكون من الخطأ قراءة سياسة ترامب تجاه الحوثيين باعتبارها مجرد تردد أو خوف من حرب جديدة.

المعلومات المتاحة تشير إلى أن واشنطن اختبرت القوة، ثم استخدمت التفاوض، ثم عادت إلى الضغط عندما تغيرت الظروف.

وفي المقابل تتحرك روسيا في بيئة أوسع، من ليبيا إلى إفريقيا والبحر الأحمر، بينما تحتفظ إيران بعلاقاتها مع الحوثيين.

لذلك فإن الصراع لا يدور فقط حول اليمن.

إنه يدور حول من يملك القدرة على التأثير في الممرات التي تربط المتوسط بالخليج والمحيط الهندي وإفريقيا.

وربما لهذا السبب فإن أخطر ما في أزمة البحر الأحمر ليس الصاروخ الذي يُطلق اليوم.

بل الشبكة الجغرافية التي تتشكل خلفه.

فمن باب المندب إلى هرمز، ومن السودان إلى ليبيا، ومن القرن الأفريقي إلى شرق المتوسط، تتشكل تدريجياً خريطة جديدة للتنافس الدولي.

والسؤال المفتوح ليس:

هل ستضرب أمريكا الحوثيين؟

بل:

هل تستطيع واشنطن أن تمنع تحول البحر الأحمر وشرق المتوسط إلى مساحة نفوذ روسية–إيرانية متصلة، من دون أن تنجر إلى حرب مفتوحة؟


تعليقات

عدد التعليقات : 0