الحياة الصادمة: أربعة أنماط في مواجهة الواقع
إن الحياة صادمة بطبيعتها، والصدمات فيها ليست استثناءً عارضًا، بل تكاد تكون هي القاعدة.
فالإنسان لا يعيش في واقع مستقر يضمن له الأمان، وإنما في واقع يضعه باستمرار أمام الفقد، والخذلان، والرفض، والعجز، والخوف، وخيبة التوقعات.
ولهذا فإن الجميع يحاول أن يتأقلم مع حقيقة الحياة، لكن ليس الجميع يتأقلم بالطريقة نفسها.
ومن هنا يمكن أن نرى أربعة أنماط رئيسية في التعامل مع صدمات الحياة:
النوع الأول: من تبتلعه الصدمة
وهو الشخص الذي لا يستطيع أن يستوعب الصدمة نفسيًا، فتتحول الصدمة من حدث عابر إلى حالة داخلية مستمرة.
يظل أسيرًا لرد فعله تجاه ما حدث، فيعيش الغضب بعد انتهاء سببه، والحزن بعد انقضاء الموقف، والخوف حتى بعد زوال مصدره.
وبدل أن يعيد بناء نفسه بعد الصدمة، يصبح جزءًا منها.
وهذا هو الخاسر الأكبر؛ لأنه لا يخسر أمام الحدث فقط، وإنما يخسر أمام الطريقة التي ظل يحمل بها الحدث داخله.
النوع الثاني: من يهرب من الواقع إلى واقع بديل
وهو الشخص الذي يعجز عن مواجهة قسوة الحياة، فيبحث عن عالم آخر يحميه منها.
قد يجد هذا العالم في جماعة، أو فكرة، أو عقيدة، أو تصور مثالي عن الذات والعالم، وقد يتوهم أنه أصبح من فصيل مختلف عن بقية البشر؛ كأنه خارج القاعدة التي يخضع لها الآخرون.
وهنا تتحول الفكرة من وسيلة لفهم الحياة إلى آلية دفاع ضد الحياة.
فيعتزل الواقع بدل أن يواجهه، ويصنع لنفسه عالمًا يبرر انسحابه منه.
وقد يصبح رفضه للحياة في ظاهره تمردًا عليها، بينما يكون في عمقه محاولة للهروب من ألم مواجهتها.
إنه لا ينتصر على الصدمة، وإنما يغير المسرح الذي تحدث فيه الصدمة.
النوع الثالث: من يدرك طبيعة الحياة ويتحرك
وهو النوع النادر.
ذلك الذي يصل إلى قدر من الوعي يجعله يدرك أن الحياة لن تعتذر له، وأن انتظار اعتذارها قد يكون طريقة أخرى لإضاعة العمر.
لا يعني ذلك أنه لا يتألم، ولا أنه أكثر صلابة من البشر، وإنما يعني أنه لا يسمح للألم بأن يصبح هويته.
يتلقى الصدمة، يفهم أثرها، يعيد ترتيب نفسه، ثم يتحرك.
لا ينتظر أن تصبح الحياة عادلة حتى يبدأ، ولا ينتظر أن يتوقف الآخرون عن إيذائه حتى يعيش، ولا يشترط على الواقع أن يتغير كي يستطيع الاستمرار.
إنه ببساطة يدرك حقيقة الحياة، ثم يتحرك إلى الأمام دون أن ينتظر منها أن تعتذر.
النوع الرابع: صانعو صدمات الحياة
وهذا هو النوع الأكثر تعقيدًا وخطورة.
فهو لا يكتفي بالتكيف مع صدمات الحياة، وإنما يتخذ من صناعة الصدمة وسيلة للسيطرة على الآخرين.
يستنزفهم ماليًا ومعنويًا، يصنع لهم خوازيق الحياة، ويترك وراءه سلسلة من الخسائر والاضطرابات، ثم يرتدي قناعًا يخفي به ما يفعل.
إنه يتلحف بجلود الحية؛ يبدو متكيفًا، باردًا، شديد الاحتمال، وكأن شيئًا لا يمسه، بينما يكون في الوقت نفسه شديد الحساسية تجاه أي محاولة لكشفه.
جلده سميك أمام آلام الآخرين، لكنه يصبح شديد الحساسية عندما يشير أحد بإصبعه إلى ما يفعل.
وهنا تظهر مفارقة نفسية لافتة:
هو قادر على إيذاء الآخرين دون أن يبدو عليه الاضطراب، لكنه ينتفض بشدة عندما يشعر أن صورته أمام الآخرين مهددة.
فحين يُكشف، لا يتعامل دائمًا مع كشف الحقيقة باعتباره نقدًا لسلوك معين، وإنما قد يراه تهديدًا لصورته ومكانته وسيطرته.
وعندها تبدأ الحرب على من كشفه.
وقد لا يخوضها وحده؛ بل يعلن النفير العام، ويستدعي من حوله، ويعيد توزيع الأدوار، ويحوّل من فضحه إلى المشكلة، ومن فعل الأذى إلى من تكلم عن الأذى.
وهنا تبدأ دائرة أخرى أكثر خطورة.
وقود صانع الصدمات
المشكلة ليست في وجود هذا النوع وحده، وإنما في أولئك الذين يطوفون حوله باستمرار.
فبعض الناس يقتربون منه بحجة مجاراة شره أو استرضائه أو معرفة نواياه لاتقاء أذاه.
ويظنون أنهم بذلك يحسنون إدارة الخطر.
لكن الاقتراب المستمر من صانع الصدمات قد يؤدي تدريجيًا إلى التماهي معه.
فمنهم من يتحول إلى تابع يلهث خلفه، ويصبح جزءًا من منظومته، بل وقد يتلذذ هو الآخر بصناعة مصائب الحياة للآخرين، وكأن القرب من مصدر القوة يمنحه حصانة من أن يكون ضحيته.
ومنهم من يتخذ موقع المتشفي.
يراقب كل مصيبة تقع لصانع الصدمات، ثم يسارع إلى نقلها للآخرين، مظهرًا التعاطف، ومخفيًا شماتته، وكأنه ينتظر سقوطه أكثر مما ينتظر نجاته.
ومنهم من يدخل الدائرة بحسن نية، معتقدًا أنه يستطيع الاقتراب دون أن يتأذى، أو أنه يستطيع فهم نواياه، أو أنه يستطيع تجنب شره بالذكاء والحذر.
ثم يخرج في كل مرة خالي الوفاض إلا من مصيبة جديدة.
والحقيقة أن هؤلاء، رغم اختلاف دوافعهم، يؤدون في النهاية وظيفة واحدة:
إنهم جميعًا وقود لاستمرار النوع الرابع.
فصانع الصدمات لا يعيش فقط على قدرته على إيذاء الآخرين، وإنما يعيش أيضًا على من يمنحونه الانتباه، ومن يخافونه، ومن ينافقونه، ومن يراقبونه، ومن يدخلون في معاركه، ومن يحاولون كشفه، ومن يعودون إليه بعد كل أذى.
وبذلك تصبح الدائرة مكتملة:
واحد يصنع الصدمة، وآخر يهرب منها، وثالث يتألم بسببها، ورابع يتعلم كيف يتجاوزها؛ بينما يستمر صانع الصدمات في الحياة ما دام يجد حوله من يمده بالوقود.
وربما تكون الحكمة الأهم هنا أن الإنسان لا يستطيع منع الحياة من أن تصدمه، لكنه يستطيع أن يختار موقعه منها:
إما أن تبتلعك الصدمة، أو تهرب منها، أو تتعلم كيف تمضي رغمها، أو تتحول أنت نفسك إلى صانع لها.
والفارق الحقيقي ليس في غياب الصدمة، وإنما في ما الذي تفعله الصدمة بك بعد أن تحدث.