ترد قصة ملكة سبأ في سياق إظهار الفرق بين سلطان المادة المحدود وسلطان العلم الذي آتاه الله لسليمان. والآيات لا تركز فقط على الحوار السياسي أو الديني، بل تعرض مشهداً معرفياً عميقاً يكشف حدود إدراك الإنسان عندما يواجه نظاماً علمياً يتجاوز ما يعرفه.
قال تعالى:
{قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَن سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُّمَرَّدٌ مِّن قَوَارِيرَ}
(النمل: 44)
هذا المشهد ليس مجرد وصف لموقف عابر، بل هو لحظة انكشاف معرفي انتقلت فيها الملكة من تصور إلى تصور آخر.
سبأ وسيطرة العلم على المادة
تشير الرواية القرآنية إلى أن قوم سبأ بلغوا مستوى متقدماً من السيطرة على عالم المادة. فقد كانوا أهل عمران وتنظيم وعلوم مرتبطة بالطبيعة والموارد، حتى صار لهم نظام حضاري متكامل.
ومن هذا المنظور يمكن فهم أن حضارتهم بلغت مرحلة متقدمة في التعامل مع خصائص المادة وتحويلها، بحيث أصبحوا قادرين على إظهار صورة من بيئة أو محيط ما في مكان آخر.
وهذا المعنى يقارب – من حيث الفكرة – ما يعرف في عصرنا بقدرة الإنسان على نقل صورة الواقع من مكان إلى مكان آخر، كما يحدث في تقنيات البث المرئي أو نقل المشهد عبر الوسائط الحديثة.
فالمشهد لا يُنقل مادياً، بل يُظهر أثره أو صورته خارج محيطه الأصلي.
لماذا قالت الآية: "وكشفت عن ساقيها"؟
القرآن يميز بدقة بين الألفاظ المرتبطة بالجسد.
فكلمة الرِّجل استُخدمت في مواضع متعددة للدلالة على العضو المعروف الذي يُمشى به، مثل:
- {ولا يضربن بأرجلهن ليُعلم ما يخفين من زينتهن}
- {ألهم أرجل يمشون بها}
بينما كلمة الساق في القرآن تأتي غالباً بمعنى جانب الشيء أو عموده أو موضع قوته.
ومن أمثلة ذلك:
{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ}
(القيامة: 29)
حيث يفهم من السياق أن لحظة الموت هي لحظة التقاء عالمين: عالم الدنيا وعالم الآخرة، وكأن جانباً من الوجود يلتف بجانب آخر.
فالساق هنا تشير إلى الجانب أو الحد الفاصل بين حالتين.
كشف الساق في الصرح
عندما دخلت ملكة سبأ الصرح رأت ما يشبه الماء، فتصورت أنها أمام بحيرة. لكن ما كانت تراه في الحقيقة هو بناء زجاجي شديد الصفاء يعكس المشهد بطريقة تجعل الواقع يبدو مختلفاً عما هو عليه.
في هذه اللحظة كشفت عن ساقيها.
وفق هذا الفهم يمكن قراءة المشهد بوصفه لحظة انكشاف لحدّين من الإدراك:
- جانب ما تراه في بيئتها الأصلية حيث الماء يعني الغمر.
- وجانب ما تراه في بيئة سليمان حيث المادة قد شُكّلت بطريقة تغيّر إدراك العين.
فكشف الساقين يمكن فهمه كإظهار الحد الفاصل بين تصورين للواقع:
- تصورها السابق المبني على خبرتها.
- والتصور الجديد الذي فرضه العلم المتقدم في مملكة سليمان.
الصرح بوصفه عرضاً لقوة العلم
لم يكن الهدف من بناء الصرح مجرد إبهار بصري، بل كان عرضاً لقوة العلم الذي سُخِّر لسليمان.
فالصرح المصنوع من القوارير يكشف قدرة على تطويع المادة بحيث تغيّر إدراك الإنسان لما يراه.
وبذلك أدركت الملكة أن ما تملكه حضارتها من معرفة ليس هو نهاية العلم، وأن هناك مستوى أعلى من الفهم والقدرة.
ولهذا كان ختام المشهد إعلانها الإيمان:
{قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}
فلم يكن التحول مجرد اقتناع سياسي، بل كان تحولاً معرفياً بعد أن رأت مستوى من العلم يتجاوز ما اعتادته حضارتها.
خلاصة الفكرة
قصة سبأ في القرآن تقدم نموذجاً لانتقال الإنسان من حدود المعرفة البشرية إلى الاعتراف بالمصدر الأعلى للعلم.
فالصرح كشف للملكة أن السيطرة على المادة مهما بلغت لا تعني امتلاك الحقيقة الكاملة. وعندما انكشف لها هذا الحد بين معرفتها ومعرفة سليمان، أدركت أن وراء هذا العلم مصدرًا أعلى هو الله رب العالمين.
.jpg)
تعليقات
إرسال تعليق