ليلة أصفهان: العملية التي أرادت إنهاء الحرب… فتحولت إلى مأزق استراتيجي

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 



في واحدة من أكثر ليالي الصراع توترًا في الشرق الأوسط، شهدت المنطقة تصعيدًا عسكريًا غير مسبوق، وصفه وزير الحرب الأمريكي بأنه الأشد منذ بداية المواجهة. ففي تلك الليلة، كانت الخطة الأمريكية-الإسرائيلية تهدف إلى تنفيذ عملية دقيقة وسريعة في العمق الإيراني، وتحديدًا في مدينة أصفهان، حيث يعتقد بوجود كميات من اليورانيوم المخصب تبلغ نحو 450 كيلوجرامًا.

عملية الكوماندوز: خطة “انتهاء الصلاحية”

وفق تسريبات وتحليلات عسكرية متداولة، اعتمدت الخطة على إنزال قوة كوماندوز خاصة داخل أصفهان بهدف الاستيلاء على اليورانيوم المخصب ونقله خارج إيران. وقد أُطلق على العملية اسم كودي يشير إلى مفهوم “انتهاء الصلاحية”، في إشارة إلى محاولة إنهاء أحد أخطر الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي الإيراني بضربة واحدة.

ولتنفيذ هذه العملية، كان من المفترض أن توفر الطائرات الأمريكية والإسرائيلية غطاءً ناريًا كثيفًا عبر قصف مركز يستهدف مواقع دفاعية ومنشآت قريبة، بهدف إرباك منظومات الرد الإيرانية ومنح القوة الخاصة الوقت الكافي للوصول إلى الهدف وإتمام عملية النقل.

غير أن ما جرى على الأرض لم يتطابق مع السيناريو المخطط له.

الرد الإيراني: كثافة نارية غير مسبوقة

بدلًا من حدوث انهيار سريع في الدفاعات الإيرانية، واجهت العملية ردًا عسكريًا كثيفًا وصفه مراقبون بأنه الأكثر كثافة منذ بداية المواجهة.

فقد أطلقت إيران موجات متتالية من الضربات الصاروخية والطائرات المسيرة، مستهدفة مواقع وقواعد عسكرية أمريكية وإسرائيلية في المنطقة، في محاولة لتعطيل الغطاء الجوي ومنع استمرار العملية.

ووفق تقديرات متداولة في بعض التحليلات العسكرية، فإن نحو 17 قاعدة أمريكية في المنطقة تعرضت لضربات أو عمليات استهداف بدرجات متفاوتة خلال تلك المرحلة من التصعيد.

هذا الرد السريع والمكثف أدى عمليًا إلى تعقيد تنفيذ السيناريو الأول للعملية، ودفع المخططين العسكريين إلى البحث عن خيارات بديلة.

سيناريو الضغط الداخلي

مع تعثر العملية العسكرية المباشرة، ظهرت دعوات سياسية وإعلامية من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب – وفق بعض التحليلات – تحث على خروج احتجاجات داخلية في الشارع الإيراني.

كان الرهان في هذا السيناريو أن يؤدي الضغط الداخلي إلى إرباك الأجهزة الأمنية الإيرانية وفتح ثغرات في النظام الدفاعي، ما قد يسمح بإعادة محاولة تنفيذ العملية أو تحقيق أهداف مشابهة بطرق غير مباشرة.

في هذه الحالة، كان من الممكن أن تعلن واشنطن تحقيق هدفها الأساسي: الوصول إلى مخزون اليورانيوم المخصب، وبالتالي إعلان نهاية الحرب بانتصار سياسي واستراتيجي.

لكن حتى هذه اللحظة، لا توجد مؤشرات واضحة على تحقق هذا السيناريو.

سلسلة من الأهداف المتغيرة

المثير في مسار هذه الحرب هو تغير أهدافها المعلنة مع مرور الوقت.

ففي البداية، أشارت تحليلات عديدة إلى أن الهدف الأساسي للولايات المتحدة وإسرائيل كان إسقاط النظام الإيراني عبر استهداف قيادته العليا، وعلى رأسها المرشد الأعلى، على غرار سيناريوهات تغيير الأنظمة التي حدثت في دول أخرى.

لكن هذا الهدف بدا بعيد المنال مع استمرار تماسك مؤسسات الدولة الإيرانية.

بعد ذلك، تحولت الأهداف إلى كسر النظام وإجباره على الاستسلام السياسي أو القبول بشروط جديدة تتعلق بالبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي.

ومع استمرار الصراع دون تحقيق اختراق حاسم، جرى – وفق قراءات تحليلية – خفض سقف الأهداف مرة أخرى ليصبح الهدف الأكثر واقعية هو الاستيلاء على مخزون اليورانيوم المخصب أو تعطيله.

حتى هذا الهدف، بحسب هذه التحليلات، ما زال يواجه صعوبات كبيرة في التنفيذ.

لغز تسريب الخطة

من النقاط المثيرة للجدل في هذه التطورات ظهور تكهنات تشير إلى احتمال تسريب تفاصيل الخطة العسكرية قبل تنفيذها.

بعض التحليلات تذهب إلى فرضية غير مألوفة مفادها أن جهات داخل إسرائيل نفسها قد تكون وراء التسريب، سواء نتيجة صراعات سياسية داخلية أو خلافات بين الأجهزة الأمنية.

هذه الفرضية لا تزال في إطار التكهنات، لكنها تعكس حجم التعقيد السياسي والأمني الذي يحيط بالملف.

حشد عسكري إسرائيلي على الحدود الشمالية

في موازاة هذه التطورات، أفادت تقارير بأن إسرائيل قامت بحشد نحو 100 ألف من قوات الاحتياط في المناطق القريبة من حدودها الشمالية.

ويُنظر إلى هذا التحرك على أنه استعداد لاحتمالات توسع الصراع ليشمل جبهات أخرى في المنطقة.

كما لفتت بعض التقارير إلى استخدام رمزية دينية في التعبئة العسكرية، حيث تم نفخ البوق في طقوس مرتبطة بتعبئة معنوية لدى بعض الأوساط الدينية داخل إسرائيل.

صراع مفتوح على احتمالات متعددة

ما تكشفه هذه التطورات هو أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث لم تعد المواجهة مجرد ضربات متبادلة، بل تحولت إلى معركة متعددة المستويات تشمل العمليات العسكرية الخاصة، والحرب الاقتصادية، والضغط السياسي، والحرب النفسية.

وفي ظل هذا المشهد المتشابك، تبدو نتائج المواجهة بعيدة عن الحسم السريع، بينما يستمر الشرق الأوسط في العيش على وقع واحدة من أخطر لحظات التصعيد في تاريخه الحديث.


تعليقات

عدد التعليقات : 0