القائمة الرئيسية

الصفحات

 


العقدة القديمة، الأسطورة، والسياسة الحديثة: قراءة نفسية للتاريخ

منذ بداية الوعي الجمعي اليهودي بعد السبي البابلي، بقيت مصر القديمة حاضرة في اللاوعي بشكل مزدوج:

  1. الإعجاب العميق بالحضارة المصرية: حكمة الفراعنة، الدين، الدولة المنظمة، الفنون، ونظام العدالة.
  2. الخوف والعقدة النفسية: شعور بالنقص، وأن أي تقليد أو مواجهة مع القوة المصرية يضعهم تحت سلطة أب لم يتمردوا عليه بالكامل، وأن محاولتهم السيطرة على مصيرهم هي محاولة لنفي هذا النفوذ الأكبر تاريخيًا وروحيًا.

هذه الثنائية تظهر في الأساطير التوراتية نفسها: إبراهيم عليه السلام وأحفاده ورثوا جذور التوحيد من مصر، لكن اليهود حاولوا كبت هذه الصلة، مع الإصرار على كونهم المختارين والمميزين، وليس تحت سلطة أي حضارة أعظم منهم. مصر هنا تمثل الأب المتمرد، القوة التاريخية، التي لا يمكن تجاهلها، بينما إسرائيل تعتبر نفسها الابن المتمرد الذي يريد الحرية والسيادة الكاملة.


الأسطورة كأداة نفسية وسياسية

عبر استدعاء سفر إستير، الأمم السبعة، والعماليق، أصبحت الأساطير أداة لتفريغ العقدة النفسية، وتأطير السياسة:

  • حرب إسرائيل ضد إيران، وربطها بعيد بوريم، ليست مجرد استراتيجيّة عسكرية، بل إعادة إنتاج لنمط تاريخي نفسي: مواجهة قوة أكبر من منظور اللاوعي الجماعي، حيث إيران تمثل الفرس، والتهديد الوجودي، وهي امتداد لتاريخ مواجهة القوى العظمى التي كانوا يشعرون بأنها تفوقهم بمستوى حضاري وروحي.
  • الفلسطينيون يُصوَّرون كأعداء متكررين، امتداد للكنعانيين، ليس فقط للأرض، بل كرمز للعداء التاريخي الذي يختبر الأمة المختارة.
  • التدخل الإلهي، كما في قصة إستير، هو حيلة نفسية للتأكيد على الحق الإلهي في النصر، ولتهدئة شعور النقص أو العجز أمام قوة أكبر.

عطالله والنبوءة: المواجهة مع السلطة الأكبر

في هذا السياق، يُنظر إلى عطالله اي نتنياهو كشخصية رمزية تمثل القوة الحقيقية والمطلقة التي تتجاوز الدولة الإسرائيلية الحديثة. كل محاولة لإسقاط نبوءة أو فرض حكم على الواقع المعيشي أو سد النهضة، هي محاولة من اللاوعي الجماعي اليهودي لمواجهة الأب الأعظم، والتأكيد على الاستقلال والسيادة، رغم أن الواقع يثبت العكس.

  • النبوءات، مثل نبوءة إشعيا، تُستعاد لتفسير كل حدث في السياسة: من الحروب، إلى الاتفاقات الدولية، إلى أي تهديد وجودي.
  • إسرائيل تُحاول فرض سيطرتها على التاريخ والمستقبل، لكنها في العمق، وفق هذا التحليل النفسي، تواجه شعورًا مستترًا بالنقص أمام حضارة أكبر وأقدم.

السياسة والحرب كأساطير حية

كل حرب حديثة، من فلسطين إلى إيران، ليست مجرد صراع على الأرض أو النفوذ، بل سردية متجددة لتاريخ اللاوعي:

  • عيد بوريم يذكّر الشعب بالنجاة من الفرس، ويحوّل الحرب إلى امتداد لأسطورة النجاة والانتقام المشروع.
  • كل عدو يُصوَّر كامتداد للأمم السبعة أو العماليق، لتفريغ الرهبة التاريخية وتحويلها إلى شرعية للسيطرة أو الحرب.
  • التدخل الإلهي المتوقع يعكس الاعتماد على قوة أكبر من الذات، وهي محاولة رمزية لتجاوز العقدة التاريخية.

خلاصة فلسفية

اللاوعي الجمعي اليهودي يعيد إنتاج التاريخ بأسلوب أسطوري وسياسي متشابك، حيث:

  1. الأساطير القديمة (استير، الأمم السبعة، العماليق) تتحول إلى خارطة لفهم السياسة الحديثة.
  2. كل حرب أو صراع يتم تفسيره على أنه امتداد للقداسة التاريخية، مع تدخل إلهي لضمان النصر.
  3. مصر القديمة تمثل الأب الأعظم، الذي يثير الإعجاب والخوف في الوقت نفسه، والتجسيد المعاصر لهذه السلطة الكبرى، التي لم تستطع إسرائيل تجاوزها بالكامل.
  4. العقدة النفسية تؤكد على الاختيار الإلهي للأمة، وتبرير أي حرب أو توسع، مع شعور ضمني بأنهم يتنافسون مع حضارة أقدم وأعظم.

بهذه الطريقة، يصبح التاريخ والأسطورة والسياسة والحرب نمطًا مستمرًا من الصراع النفسي والجمعي، حيث كل حدث معاصر يعيد إنتاج الأساطير القديمة، ويكشف عن عمق العقد النفسية، والرهانات التاريخية الكبرى.



تعليقات