يوميات رأس الحيّة – اليوم الثاني : غزو الوعي… وابتلاع التوكسيك

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


يوميات رأس الحيّة – اليوم الثاني

عنوان الحلقة: غزو الوعي… وابتلاع التوكسيك

أشرقت شمس اليوم الثاني، ورأس الأفعى قد نفثت سمّها عبر الأثير في ليلة البارحة، وباتت تترقب النتائج بعينٍ ترقبُ الفريسة. لم يكن هدفها مجرد إثارة الفتن، بل السيطرة التامة على "عش الدبابير" (المكان الذي تعمل فيه).

نظرت إلى المرآة، وتأملت أنيابها الخفية، وقالت بصوتٍ هامسٍ يحمل وعيداً: "اليوم، سنروّض الأسد.. أو بالأحرى، سنركبُ القطة التي تظن نفسها أسداً."

ارتدت قناعها الملاكّي، وتعطرت بعطر البراءة المزيف، وتوجهت إلى مكتب التوكسيك. دخلت، لا كعامة الناس، بل كقدرٍ محتوم. بادرت بابتسامةٍ "عريضة" (كما العادة)، وألقت تحيةً معسولة تٌخفي خلفها نيةً مسمومة.

جلس الطيب الساذج المهاود التوكسيك في حقيقة الأمر (في نظرها)، يستمع إليها وكأنه يستمع لتراتيل سماوية. بدأت "رأس الأفعى" نسج خيوط السحر الإداري.


الخطوة الأولى: سحر الكلام 

راحت "رأس الأفعى" تملأ أذن التوكسيك بعبارات المديح والتملق، تُعظّم من إنجازاته "الوهمية"، وتُقنعه بأن لا أحد يفهمه، ولا أحد يقدر عبقريته الفذة.. سواها هي، بالطبع.

قالت له بنبرةٍ ناصحة: "يا سيدي التوكسيك، أنت جوهرة نادرة في هذا المكان القاحل. لكن، للأسف، هناك من حولك من لا يقدّر قيمتك، بل يتآمر عليك في الخفاء."

نظر إليها، وقد تملكته الدهشة والخوف (المُصطنع): "من هم؟ هل تقصدين..؟"


الخطوة الثانية: "هشيل كل أعداءك".. بقنبلة "الهمز واللمز"

ابتسمت رأس الأفعى ابتسامة خبيثة، وقالت: "نعم، إنهم أولئك الذين يُسمّون أنفسهم 'كفاءات'. أولاد اللذينا، يظنون أن علمهم وخبرتهم تمنحهم الحق في منافستك، أو حتى تجاوزك. إنهم ينتقدون قراراتك الحكيمة في الخفاء، ويسخرون من عبقريتك في المجالس الخاصة."

وبدأت تسرد له قصصاً مؤلفة (من مهنتها العتيقة في الفتن) عن تآمر "الكثير"، وكيف أنهم يخططون للإطاحة به والاستيلاء على كرسييه. لم تكن تحتاج لتقديم دليل، فكلماتها المعسولة وسمّها الإداري كانا كافيين لزرع الشك والريبة.

أخذ التوكسيك نفساً عميقاً، وقد تملكته الغيرة والخوف على منصبه: "إذن، ماذا تنصحينني أن أفعل؟"


الخطوة الثالثة: تعيين "المهاود" و"العبيط"

أجابت رأس الأفعى، ونبرتها تحمل كل خبث الدنيا: "المرء لا يقاتل الأفاعي بالكفاءات، بل المطيعة. نحتاج لمن يسمع ويطيع، دون نقاش أو اعتراض. نحتاج لمن يرى فيك الإله، ويركع لعظمتك دون سؤال."

واقترحت عليه أسماءً .. أسماءً كانت قد "مهدت لها" و"هادتها" بكلماتٍ خفية "سخية"، لتصبح "لعبة في يدها طرية"، ودمىً تحركها كيفما تشاء. ومن بين هذه الأسماء، لم تنسَ ذكر "صاحبتها العبيطة"، التي أثبتت ولائها المطلق (عن غباء).

أومأ التوكسيك برأسه موافقاً، وكأنه ينفذ وحياً سماوياً: "نعم، هذا هو الحل. سأخلص المكان من هؤلاء المتآمرين، وأملأه بالمخلصين والمطيعين."


الخطوة الرابعة: الترهيب.. وبث السمّ في كل زاوية

لم تكتفِ رأس الأفعى بإقصاء وتعيين الأتباع، بل راحت تبث سمّها في كل زاوية من زوايا المكان. كانت تمر بين الزملاء، تلقي بكلماتٍ "هامسة" تحمل تهديداً مبطناً، تُلمح بقرب "تصفية الحسابات" و"انتقام التوكسيك".

قالت لأحد الزملاء (الذي لم يكن مطيعاً بما يكفي): "لقد سمعت التوكسيك يتحدث عنك بسوء.. يبدو أن أيامك هنا معدودة. احذر."

فبثت الرعب في قلوب الجميع، وأصبح كل زميل ينظر إلى الآخر بعين الشك والريبة، وتوقف الجميع عن التعبير عن آرائهم أو تقديم أي اقتراحات أو إبداع، خوفاً من غضب "رأس الأفعى" وانتقام التوكسيك.


وهكذا، بمرور الساعات والأيام، تحول المكان الذي كان يزخر بالكفاءات والإبداع إلى "غابة" يسودها الخوف والمحسوبية، وتُسيطر عليها "رأس الأفعى" بسمّها الإداري وخبث حيلتها.

لكن، كما في اليوم الأول، نسيت "رأس الأفعى" أن كل شيء تحت مراقبة عين وميزان الحقيقة.. وأن الصياد، يمكن أن يكون هو ذاته هو الطُعم، والشبكة، والسنارة.. وأن الليمان (السجن) قد يكون مصيرها في النهاية..

فسوف تأتي المفاجأة.......
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحليل الشخصيات في سطور:

  • رأس الأفعى: شخصية تلاعبية نفعية، تعتمد على الإغواء النفسي (مديح/تخويف) للسيطرة، وتستخدم الآخرين كأدوات. دافعها الأساسي السلطة وإقصاء المنافسين، مع ازدواجية واضحة بين المظهر والجوهر.
  • التوكسيك: شخصية ضعيفة من الداخل، تبحث عن التعظيم الخارجي، يسهل اختراقها عبر التملق، ويقودها الخوف على المنصب لاتخاذ قرارات غير عقلانية.
  • العبيطة/المهاود: نماذج تابعة، منخفضة الوعي، يسهل توجيهها مقابل القبول أو المصلحة، وتُستخدم كأذرع تنفيذ دون إدراك للعواقب.
  • باقي الكفاءات: ضحايا بيئة سامة، يتم إقصاؤهم عبر التشويه والترهيب، مما يؤدي إلى شلل الإبداع وانتشار الخوف.

الخلاصة: الصراع ليس بين أشخاص فقط، بل بين نموذج سيطرة قائم على التلاعب ونموذج كفاءة قائم على العمل، وغالباً ما ينهار الأول عند ظهور الحقيقة أو المساءلة.

تعليقات

عدد التعليقات : 0