هل انتصرت إيران بالصمود؟.. الحرب التي كسرت قواعد الحسم السريع

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث


هل انتصرت إيران بالصمود؟.. الحرب التي كسرت قواعد الحسم السريع

في الحروب الحديثة، لا تقاس الانتصارات دائمًا بعدد المدن التي سقطت أو بعدد الطائرات التي أُسقطت، بل أحيانًا يكون معيار النصر هو: هل استطعت أن تمنع خصمك من تحقيق هدفه الأساسي؟

منذ عقود، اعتمدت United States في حروبها على نموذج شبه ثابت: ضربات خاطفة وقاسية لمراكز القيادة والسيطرة، إنهاك الدولة المستهدفة نفسيًا وعسكريًا، ممارسة ضغط هائل على القيادات، استثمار الانقسامات الداخلية، تحفيز الخيانات، ثم إسقاط النظام واستبداله بنظام أكثر توافقًا مع المصالح الأمريكية.

هذا النموذج نجح في تجارب عديدة، أو على الأقل حقق أهدافًا كبيرة في مراحل مختلفة. بل إن دولًا تمتلك جيوشًا قوية ومؤسسات كبيرة تعرضت لاهتزازات عنيفة عندما أصيبت مراكز القيادة أو ظهرت انقسامات داخلية أو تعرضت السلطة لضغوط مركزة.

لكن وفق هذا التصور، كانت Iran تتحرك منذ عقود بعقلية مختلفة تمامًا.

لم تبنِ نموذجها على فكرة العاصمة التي إذا سقطت سقط كل شيء، ولم تعتمد على مركز قيادة واحد يمكن استهدافه وإنهاء المعركة بضربة حاسمة. على مدى نحو 45 عامًا، عملت على بناء منظومة معقدة متعددة المستويات، تستفيد من الطبيعة الجغرافية والجبال والتضاريس الصعبة، لكنها لم تتوقف عند الجغرافيا فقط.

فبحسب هذا الطرح، جرى بناء بنية تحتية عسكرية موزعة، وشبكات أصول ممتدة، ومسارات بديلة للتمويل والتحرك والإمداد. كما تشكلت شبكات إقليمية وأذرع متعددة جعلت حركة الموارد العسكرية والمالية أكثر تعقيدًا وأصعب على الرصد والتعطيل.

حتى عندما تم استهداف نفوذها في بعض الساحات الإقليمية مثل سوريا، كان هناك — بحسب هذا التصور — تحرك سريع لإعادة التموضع ونقل الأصول وتغيير مراكز الثقل.

المفارقة أن هذا الغموض ذاته الذي وُجهت له انتقادات كثيرة أصبح — من وجهة النظر المطروحة — عنصر حماية للنظام نفسه. فتعقيد طبيعة السلطة وتعدد مراكزها جعل عملية تفكيكها أكثر صعوبة.

ورغم الحديث عن شبكات استخبارات واسعة ودعم إقليمي وتصورات بإمكانية اختراق مستويات عليا داخل الدولة، فإن النتيجة — وفق هذا الطرح — كانت صدمة مختلفة: التقدير بأن النظام "لقمة سهلة" اصطدم بواقع أكثر تعقيدًا.

وعند النظر إلى أي نزاعات محتملة لاحقًا في المنطقة، تظهر مقارنات مختلفة. فمثلًا، يرى هذا التصور أن دولًا مثل Turkey تمتلك معادلات مختلفة، حيث قد تؤثر ملفات داخلية أو تحركات مثل الملف الكردي على استقرار المشهد بشكل يختلف جذريًا عن الحالة الإيرانية، وهو ما يفسر — وفق هذه القراءة — توجهات نحو تحالفات وتفاهمات دفاعية أوسع.

وفي المقابل، يظهر عامل آخر في المشهد: الخوف الأمريكي من التورط في مواجهة جديدة واسعة قد تؤدي إلى استنزاف النفوذ الإقليمي نفسه، وتؤثر على صورة الحماية والردع التي ارتبطت بها واشنطن لعقود.

وفي زاوية أخرى من المشهد، تبدو China — وفق هذا التصور — كمن يجلس في آخر قاعة السينما يراقب بصبر شديد. لا تدخل مباشرة، لا تستعجل، بل تنتظر أن يؤدي الاستنزاف الطويل إلى إضعاف خصومها بأقل تكلفة ممكنة.

وفي الوقت نفسه تستمر في إعادة إحياء مشاريع الربط التجاري الكبرى وإعادة تشكيل مسارات التجارة البرية والاقتصادية، في وقت كانت بعض هذه المشاريع تُواجَه سابقًا بالرفض أو التشكيك، ثم بدأت تفرض نفسها تدريجيًا كواقع جديد.

الخلاصة هنا أن العالم — وفق هذه الرؤية — لم يعد كما كان. فالصورة التي تشكلت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عن الهيمنة الأمريكية المطلقة تعرضت لاختبار قاسٍ.

وفي هذا التصور، لم يعد السؤال: من أسقط الآخر؟

بل أصبح السؤال:

هل نجحت القوة الأكبر في تحقيق الضربة القاضية التي دخلت من أجلها؟

فإذا كان الهدف هو الحسم السريع، ثم مر الوقت دون حسم… فهناك من يرى أن مجرد الصمود أصبح في حد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار.


تعليقات

عدد التعليقات : 0