"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية."
بعد أن تناولنا في العددين السابقين فلسفة اختيار القيادات، وأهمية الشفافية كضمانة لسلامة الإجراءات، وقد ناقشنا أيضاً أحد أهم المبادئ التي لا تكتمل منظومة الاختيار إلا به، وهو "تكافؤ الفرص". فهذا المبدأ ليس مجرد شعار إداري أو نص تنظيمي، بل هو الأساس الذي تتحول به الشفافية من فكرة إلى ممارسة، وتصبح الكفاءة هي الفيصل الحقيقي بين المتنافسين.
ومن هنا، فإن أي حديث عن بناء قيادات قادرة على صناعة المستقبل لا يمكن أن يتجاوز هذا المبدأ، لأنه البوابة التي تعبر منها الكفاءات إلى مواقع المسؤولية، بعيدًا عن المحاباة، وقريبًا من معايير العدالة والاستحقاق.
أو بصياغة أخرى:
إذا كانت الشفافية تضمن أن تُفتح الأبواب أمام الجميع، فإن تكافؤ الفرص يضمن أن يعبر منها الأجدر.
وبين المبدأين تتشكل العدالة الإدارية التي تبحث عنها المؤسسات الحديثة، وتُبنى الثقة التي تمنح العاملين يقينًا بأن الاجتهاد ليس طريقًا مسدودًا، وأن الكفاءة قادرة على أن تجد مكانها متى توافرت منظومة عادلة للاختيار.
ومن هذا المنطلق، نواصل في هذا العدد قراءة الرسائل العميقة التي حملها خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية، لنتوقف أمام أحد أهم مرتكزات الإدارة الرشيدة: الرؤية التطويرية والقيادة واتخاذ القرارات.
الرؤية التطويرية... لماذا لا تبحث المؤسسات الحديثة عن مدير يدير الواقع، بل عن قائد يصنع المستقبل؟
من العبارات التي تستحق الوقوف أمامها طويلًا في الخبر الصادر عن مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، ما أكده الأستاذ الدكتور حموده عيد الجزار وكيل وزارة الشئون الصحية بالدقهلية من أن "المرحلة الحالية تتطلب قيادات تمتلك الفكر الإداري والرؤية التطويرية، والقدرة على اتخاذ القرار، وإدارة الموارد البشرية والمالية بكفاءة، والتعامل مع التحديات التشغيلية". وهذه العبارة ليست مجرد وصف للصفات المطلوبة في المرشح، وإنما تمثل انتقالًا واضحًا من مفهوم الإدارة التقليدية إلى مفهوم القيادة الاستراتيجية، وهو انتقال فرضته طبيعة العصر، وتعقيد المؤسسات، وتسارع المتغيرات، وازدياد توقعات المواطنين من الخدمات العامة، وفي مقدمتها الخدمات الصحية.
لقد كان المدير في الماضي يُقاس غالبًا بقدرته على المحافظة على سير العمل، وضبط الحضور والانصراف، وتنفيذ اللوائح، والتأكد من استمرار الأداء اليومي دون اضطراب.
وكان يُنظر إلى نجاحه من خلال قدرته على منع وقوع المشكلات، أو التعامل معها بعد حدوثها. أما اليوم، فقد تغيرت الصورة تمامًا.
فالمؤسسات الناجحة لم تعد تبحث عن مدير يحافظ على الواقع، وإنما عن قائد يمتلك رؤية تجعله يرى ما لا يراه الآخرون، ويتوقع ما قد يحدث قبل وقوعه، ويخطط للمستقبل قبل أن يفرض نفسه على الحاضر.
إن الفرق بين المدير التقليدي والقائد التطويري يشبه الفرق بين من يقود مركبة بالنظر إلى المرآة الخلفية، ومن يقودها وهو يراقب الطريق الممتد أمامه.
الأول ينشغل بما حدث، أما الثاني فيركز على ما سيحدث، ويستعد له قبل أن يتحول إلى أزمة.
ولهذا جاء في الخبر التأكيد على الرؤية التطويرية، لأن تطوير المؤسسات الصحية لم يعد يتحقق بمجرد الحفاظ على مستوى الأداء الحالي، بل يتطلب التفكير الدائم في كيفية تحسين الخدمة، وتقليل الهدر، ورفع كفاءة الموارد، وزيادة رضا المواطنين، والاستعداد للتحديات المستقبلية.
والرؤية التطويرية ليست أمنيات تُقال في المقابلات الشخصية، ولا شعارات تُكتب في الخطط السنوية، وإنما هي قدرة عقلية ومنهج إداري يبدأ بطرح سؤال بسيط، لكنه بالغ الأهمية:
كيف يمكن أن تصبح المؤسسة أفضل مما هي عليه اليوم؟
هذا السؤال هو نقطة البداية لكل مشروع تطوير ناجح.
فالقائد الذي يمتلك رؤية لا ينظر إلى المشكلة باعتبارها نهاية الطريق، وإنما يراها بداية للتغيير. ولا يعتبر نقص الإمكانات مبررًا للفشل، بل يتعامل معه باعتباره تحديًا يستدعي التفكير والإبداع وإعادة ترتيب الأولويات.
ولهذا فإن الرؤية التطويرية لا تنفصل عن القدرة على الابتكار، لأن الابتكار في الإدارة لا يعني دائمًا اختراع وسائل جديدة، وإنما قد يعني إعادة تنظيم الموارد، أو تبسيط الإجراءات، أو تحسين أسلوب تقديم الخدمة، أو استثمار الإمكانات المتاحة بصورة أكثر كفاءة.
وفي القطاع الصحي تحديدًا، تصبح الرؤية التطويرية أكثر أهمية؛ لأن المؤسسة الصحية تعمل في بيئة تتغير باستمرار.
فهناك تطور متواصل في أساليب العلاج، والتكنولوجيا الطبية، ومتطلبات الجودة، ومعايير الاعتماد، ونظم المعلومات الصحية، وتوقعات المرضى.
ومن ثم فإن القائد الذي يكتفي بإدارة الحاضر سرعان ما يجد مؤسسته متأخرة عن ركب التطور.
ومن هنا نفهم لماذا لم يتحدث الخبر عن الخبرة وحدها، وإنما أضاف إليها الفكر الإداري والرؤية التطويرية.
فالخبرة تُخبرك بما حدث في الماضي، أما الرؤية فتقودك إلى ما ينبغي أن يحدث في المستقبل.
وليس المقصود بالرؤية أن تكون خطة ضخمة مليئة بالشعارات، بل أن تكون تصورًا واقعيًا قابلًا للتنفيذ، يبدأ من معرفة دقيقة بواقع المؤسسة، ويحدد أهدافًا واضحة، ويرسم خطوات عملية للوصول إليها، مع القدرة على قياس النتائج وتصحيح المسار كلما دعت الحاجة.
والرؤية الناجحة لها خصائص تميزها عن غيرها.
فهي أولًا واضحة، بحيث يستطيع العاملون فهمها والالتفاف حولها.
وهي ثانيًا واقعية، فلا تبني أهدافها على الأمنيات، وإنما على الإمكانات المتاحة وكيفية تنميتها.
وهي ثالثًا مرنة، تستجيب للمتغيرات دون أن تفقد اتجاهها.
وهي رابعًا قابلة للقياس، بحيث يمكن معرفة ما تحقق منها وما يحتاج إلى مراجعة.
ومن الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الرؤية التطويرية مسؤولية القائد وحده.
والحقيقة أن القائد لا يطور المؤسسة بمفرده، وإنما يصنع بيئة تدفع الجميع إلى المشاركة في التطوير.
فكل طبيب، وكل ممرض، وكل فني، وكل إداري، يمكن أن يكون شريكًا في التحسين إذا وجد قيادة تستمع، وتشجع، وتكافئ الأفكار الجيدة، وتحول المبادرات الفردية إلى نجاحات مؤسسية.
ولهذا جاءت العبارة الأخيرة في الخبر ذات دلالة عميقة عندما أكدت أن "القيادة مسؤولية تستوجب الكفاءة والقدرة على الإنجاز والعمل بروح الفريق".
فالعمل بروح الفريق ليس شعارًا إداريًا، بل هو الترجمة العملية للرؤية التطويرية.
لأن أي رؤية، مهما كانت عظيمة، ستظل حبرًا على ورق إذا بقيت حبيسة عقل قائد واحد.
أما عندما تتحول إلى قناعة مشتركة بين العاملين، فإنها تصبح ثقافة مؤسسية تدفع الجميع في اتجاه واحد.
ولذلك فإن القائد الحقيقي لا يُعرف من عدد القرارات التي يصدرها، بل من عدد الأشخاص الذين استطاع أن يجعلهم يؤمنون بهدف واحد، ويعملون من أجل تحقيقه.
وهنا تتجلى إحدى أهم الرسائل التي حملها الخبر؛ فاختيار القيادات لم يكن بحثًا عن مدير يجلس على مقعد إداري، وإنما عن قائد يمتلك فكرًا، ورؤية، وقدرة على تحويل الإمكانات المتاحة إلى نتائج، وتحويل الخطط إلى واقع، وتحويل المؤسسة من مكان يؤدي خدمة، إلى مؤسسة تتطور باستمرار، وتتعلم باستمرار، وتسعى كل يوم لأن تكون أفضل مما كانت عليه بالأمس.
وهذه هي القيادة التي لا تكتفي بإدارة الحاضر، بل تكتب مستقبل المؤسسة بقراراتها، ورؤيتها، وإيمانها بأن التطوير ليس مشروعًا له نهاية، وإنما رحلة مستمرة لا تتوقف.
والآن نصل إلى عبارة أعتبرها من أكثر العبارات عمقًا في الخبر، لأنها نقلت الحديث من المبادئ العامة إلى جوهر القيادة الفعلية، وهي قول مدير المديرية: "القيادة مسؤولية تستوجب الكفاءة والقدرة على الإنجاز والعمل بروح الفريق".
وهذه العبارة تستحق أن تُقرأ ببطء، لأنها تختصر فلسفة القيادة الحديثة في كلمات قليلة.
القيادة مسؤولية... وليست امتيازًا
من أكثر الأخطاء التي وقعت فيها بعض المؤسسات لعقود طويلة، أنها تعاملت مع المناصب القيادية باعتبارها نهاية رحلة الموظف، أو مكافأة على سنوات الخدمة، أو تتويجًا لمسيرة وظيفية، بينما تنظر المؤسسات الناجحة إلى المنصب القيادي باعتباره بداية مرحلة أكثر صعوبة، لا نهاية طريق.
ولهذا جاءت عبارة الخبر حاسمة حين أكدت أن "القيادة مسؤولية".
ولم يقل الخبر إن القيادة سلطة.
ولم يقل إنها امتياز.
ولم يقل إنها مكانة اجتماعية.
بل وصفها بأنها مسؤولية.
وهنا يكمن الفارق بين مفهومين مختلفين تمامًا.
فهناك من يرى المنصب بوصفه حقًا يكتسبه صاحبه، وهناك من يراه أمانة يحملها أمام الله، ثم أمام الدولة، ثم أمام العاملين، ثم أمام المواطنين الذين ينتظرون خدمة أفضل.
إن السلطة تمنح الإنسان حق إصدار القرار، أما المسؤولية فتُلزمه بتحمل نتائج هذا القرار.
ولهذا فإن أول اختبار للقائد لا يكون عند جلوسه على مقعد الإدارة، وإنما عند أول أزمة تواجه مؤسسته.
فالمنصب قد يمنحك صلاحيات... لكن المسؤولية تفرض عليك واجبات.
وقد تستطيع أن توقع عشرات القرارات في يوم واحد، لكن التاريخ لن يتذكر عدد القرارات التي وقعتها، وإنما سيتذكر أثرها.
فكم من قائد أصدر مئات القرارات ولم يتغير شيء... وكم من قائد اتخذ قرارًا واحدًا غيّر مسار مؤسسة كاملة.
المسؤولية تعني أن النجاح لا يُنسب إلى القائد وحده... والفشل لا يجوز أن يُلقى على الآخرين.
من السهل أن ينسب الإنسان النجاح إلى نفسه.
ومن الأسهل أن ينسب الإخفاق إلى الظروف. لكن القيادة الحقيقية تعرف طريقًا مختلفًا. فالقائد الحقيقي عندما ينجح فريقه يقول: "لقد نجحنا".
وعندما يتعثر العمل يقول: "أين أخطأت أنا حتى لم أمنع ذلك؟".
ولهذا فإن أعظم القادة في التاريخ كانوا أكثر الناس استعدادًا لتحمل المسؤولية، وأقلهم ميلًا للبحث عن المبررات.
فالمؤسسات لا تنهض بكثرة الأعذار... بل بكثرة الحلول.
لماذا قرن الخبر المسؤولية بالكفاءة؟
لأن حسن النية وحده لا يكفي. قد يكون الإنسان مخلصًا للغاية... وقد يعمل ليل نهار... لكن إذا كان يفتقد أدوات الإدارة، فإن اجتهاده قد يقوده إلى نتائج عكسية.
ولهذا فإن الإدارة الحديثة لا تكتفي بالنوايا الحسنة، وإنما تبحث عن الكفاءة التي تحول هذه النوايا إلى إنجاز.
فالمسؤولية بلا كفاءة قد تؤدي إلى الفوضى.
والكفاءة بلا مسؤولية قد تتحول إلى استبداد.
أما اجتماع الاثنين، فهو الذي يصنع القيادة الرشيدة.
ثم أضاف الخبر شرطًا آخر...
"القدرة على الإنجاز"
وهنا تتغير زاوية التقييم تمامًا.
فالقيادات لا تُقاس بعدد الاجتماعات التي تعقدها.
ولا بعدد التعليمات التي تصدرها.
ولا بعدد ساعات العمل التي تقضيها داخل المكتب.
بل تقاس بما يتحقق على أرض الواقع.
فالإدارة ليست نشاطًا ذهنيًا فقط. وليست فن الخطابة.
وليست مهارة في كتابة المذكرات.
الإدارة في النهاية نتائج.
ولهذا أصبحت المؤسسات الحديثة تتحدث عن إدارة قائمة على النتائج أكثر من حديثها عن إدارة قائمة على الإجراءات.
فالناس لا تسأل:
كم اجتماعًا عقد المدير؟
ولكنها تسأل:
- هل تحسن الأداء؟
- هل انخفضت الشكاوى؟
- هل أصبحت الخدمة أسرع؟
- هل ارتفع رضا المواطنين؟
- هل أصبح العاملون أكثر استقرارًا؟
هذه هي الأسئلة التي تقيس الإنجاز الحقيقي.
الإنجاز ليس السرعة... بل الوصول إلى الهدف الصحيح.
هناك من يخلط بين النشاط والإنجاز.
وقد يتحرك الإنسان طوال اليوم... ويعود دون أن يحقق شيئًا.
وقد يتخذ قائد قرارًا واحدًا مدروسًا يختصر سنوات من المعاناة.
ولهذا فإن الإنجاز في الإدارة لا يُقاس بكمية الحركة... وإنما بقيمة الأثر.
فالمدير المنشغل ليس بالضرورة مديرًا ناجحًا.
أما المدير المنتج فهو الذي يجعل كل جهد يبذله ينعكس على المؤسسة.
ثم جاءت العبارة التي تُعد خلاصة القيادة الحديثة كلها...
"العمل بروح الفريق"
ولو حذفنا هذه العبارة من الخبر لفقد جزءًا كبيرًا من فلسفته.
لأن زمن القائد الفرد انتهى.
ولم تعد المؤسسات الكبرى تُدار بعقل واحد مهما بلغت قدراته.
فالمنظومة الصحية، على سبيل المثال، لا تقوم على الطبيب وحده.
ولا على المدير وحده.
ولا على المحاسب وحده.
ولا على مسؤول الجودة وحده.
بل تقوم على منظومة متكاملة، إذا اختل أحد أجزائها تأثر الجميع.
ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يسأل:
من يعمل عندي؟
بل يسأل:
كيف أجعل الجميع يعملون معي؟
وهذا الفارق بين الكلمتين يصنع الفارق بين مؤسسة ناجحة وأخرى متعثرة.
القائد الذي يصنع فريقًا... يبقى أثره بعد رحيله
قد ينجح مدير في إدارة مؤسسة اعتمادًا على مجهوده الشخصي.
لكن بمجرد انتقاله تتوقف عجلة العمل.
أما القائد الحقيقي، فإنه يبني نظامًا لا يعتمد عليه وحده.
- يبني كوادر.
- ويفوض السلطات.
- ويُعلّم.
- ويُدرّب.
- ويُخرج قيادات جديدة.
ولهذا لا تتأثر المؤسسة برحيله، لأن ثقافة العمل أصبحت أقوى من الأشخاص.
ومن هنا نفهم لماذا اختتم الخبر بالحديث عن إعداد صف ثانٍ من القيادات، فالقائد الذي يحتكر المعرفة يضعف مؤسسته، أما الذي ينقل خبرته إلى غيره فإنه يبني مستقبلها.
القيادة ليست أن تكون أمام الناس...
بل أن تجعل الناس قادرين على السير حتى لو لم تكن معهم.
ولهذا فإن العبارة التي وردت في الخبر:
"القيادة مسؤولية تستوجب الكفاءة والقدرة على الإنجاز والعمل بروح الفريق".
ليست جملة بروتوكولية تُقال في المناسبات، بل تمثل معادلة متكاملة للقيادة الرشيدة؛ فالمسؤولية تمنح القيادة معناها الأخلاقي، والكفاءة تمنحها قدرتها المهنية، والإنجاز يمنحها قيمتها العملية، والعمل بروح الفريق يمنحها الاستدامة. وعندما تجتمع هذه العناصر في قائد واحد، لا يصبح المنصب غاية في ذاته، بل يتحول إلى وسيلة لخدمة المؤسسة، والارتقاء بالعاملين، وتحسين جودة الخدمات التي ينتظرها المواطن.
وهذا هو المعيار الذي تبقى به القيادات في ذاكرة المؤسسات، لا بعدد السنوات التي شغلت فيها المنصب، وإنما بما تركته من أثر باقٍ وإنجاز مستدام.
والآن نصل إلى نقطة أراها من أكثر النقاط تميزًا في الخبر، وهي أن الخبر لم يتحدث عن القيادة فقط، بل تحدث عن القدرة على اتخاذ القرار.
وهذه ليست مهارة عادية، وإنما هي قلب العملية القيادية كلها.
اتخاذ القرار... اللحظة التي يُولد فيها القائد الحقيقي
من بين جميع الصفات التي عددها الخبر، جاءت عبارة "القدرة على اتخاذ القرار" لتؤكد أن القيادة لا تُقاس بما يمتلكه الإنسان من معلومات فحسب، وإنما بما يستطيع أن يفعله بهذه المعلومات عندما تحين لحظة الاختيار.
فليس هناك قائد لم يواجه مواقف معقدة، أو تحديات متشابكة، أو ظروفًا لا تقدم له حلولًا جاهزة.
بل إن جوهر القيادة يبدأ عندما تنتهي الحلول التقليدية، ويصبح القرار مسؤولية شخصية يتحمل صاحبها نتائجها.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يضع الخبر القدرة على اتخاذ القرار إلى جوار الكفاءة والرؤية التطويرية وإدارة الموارد.
فهذه العناصر لا تعمل منفصلة، بل تتكامل في لحظة واحدة، هي لحظة اتخاذ القرار.
ولعل أخطر ما يواجه المؤسسات ليس القرار الخاطئ فقط، وإنما غياب القرار.
فكثير من الأزمات لا تتفاقم لأن المسؤول اتخذ قرارًا سيئًا، بل لأنه تردد طويلًا، أو أجل الحسم، أو ترك المشكلة تكبر حتى أصبحت أكثر تعقيدًا وأعلى تكلفة.
ولهذا يقول علماء الإدارة إن القرار المتأخر قد يكون أخطر من القرار غير الكامل، لأن الزمن عنصر أساسي في الإدارة، وما يصلح اليوم قد لا يصلح غدًا، وما يمكن احتواؤه في بدايته قد يتحول إلى أزمة إذا تُرك دون معالجة.
وفي القطاع الصحي تزداد خطورة القرار؛ لأن أثره لا يقتصر على الأوراق أو الأرقام، بل يمتد إلى المرضى، والعاملين، وسلامة المنشآت، واستمرارية تقديم الخدمة.
فقد يكون قرار توزيع الأطباء، أو توفير دواء، أو إعادة تنظيم قسم، أو مواجهة عطل مفاجئ، قرارًا يحدد قدرة المؤسسة على أداء رسالتها في لحظة حرجة.
ومن هنا فإن القائد الصحي مطالب بأن يجمع بين سرعة القرار وسلامة القرار، وهي معادلة ليست سهلة.
فالاندفاع قد يقود إلى أخطاء، والتردد قد يقود إلى خسائر، أما القيادة الرشيدة فهي التي تعرف متى تستمع، ومتى تناقش، ومتى تحسم.
ومن المفاهيم التي تؤكدها الإدارة الحديثة أن اتخاذ القرار لا يعني الانفراد بالرأي.
فالقائد الحكيم يستمع إلى أصحاب الخبرة، ويستفيد من المعلومات، ويوازن بين البدائل، لكنه في النهاية لا يتهرب من مسؤوليته.
فالقرار الجماعي في مرحلة الدراسة لا يلغي أن هناك شخصًا يتحمل مسؤولية الحسم.
ولهذا فإن وجود لجنة متعددة التخصصات، كما ورد في الخبر، يعكس أهمية تنوع الرؤى في تقييم المرشحين، لكنه في الوقت نفسه يبرز أن من سيُختار في النهاية يجب أن يكون قادرًا على اتخاذ القرار عندما يصبح في موقع المسؤولية، لأن اللجان لا تدير المؤسسات يومًا بيوم، وإنما يديرها القادة الذين يقع على عاتقهم اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
هناك فارق دقيق بين اتخاذ القرار وإصدار القرار.
فإصدار القرار قد يكون مجرد توقيع على ورقة، أما اتخاذ القرار فهو عملية عقلية تبدأ بجمع المعلومات، وتحليل الواقع، وتقدير المخاطر، ومقارنة البدائل، ثم اختيار المسار الذي يحقق أفضل مصلحة ممكنة في ضوء الإمكانات المتاحة.
ولهذا فإن القرار الإداري الرشيد لا يقوم على الحدس وحده، ولا على الخبرة وحدها، ولا على النصوص وحدها، وإنما يقوم على توازن بين المعرفة، والخبرة، والقانون، والواقع، والمصلحة العامة.
ومن الأخطاء الشائعة أن يعتقد بعض المديرين أن التراجع عن قرار ثبت عدم صوابه يُعد ضعفًا.
بينما تؤكد الإدارة الحديثة أن التمسك بالقرار الخاطئ بعد ظهور خطئه هو الضعف الحقيقي.
فالقائد الناجح ليس من يدّعي العصمة، وإنما من يمتلك الشجاعة لمراجعة قراراته، وتصحيح مساره، والتعلم من التجربة.
وهنا تتجلى أهمية الرؤية التطويرية التي أشار إليها الخبر؛ فالقائد الذي يمتلك رؤية لا يخشى مراجعة أدواته، لأنه يدرك أن الهدف هو نجاح المؤسسة، لا إثبات صحة رأيه.
ولا يمكن الحديث عن اتخاذ القرار دون الإشارة إلى البعد الأخلاقي فيه.
فالقرار القيادي ليس مجرد اختيار بين بديلين، بل هو أمانة تتعلق بحقوق الناس، وعدالة توزيع الموارد، ومصلحة العاملين، وجودة الخدمة المقدمة للمواطنين.
وكلما اتسعت دائرة تأثير القرار، ازدادت مسؤولية صاحبه في أن يكون مبنيًا على الحقائق، لا على الانطباعات، وعلى المصلحة العامة، لا على الاعتبارات الشخصية.
ولذلك فإن المؤسسات الناجحة لا تبحث عن الشخص الذي يعرف الإجابة عن كل سؤال، بل عن الشخص الذي يعرف كيف يتخذ القرار الصحيح عندما لا تكون الإجابة واضحة، وكيف يتحمل مسؤوليته بثبات، وكيف يحول القرار من مجرد إجراء إداري إلى خطوة تدفع المؤسسة نحو مزيد من الكفاءة والاستقرار والتطوير.
ومن هنا، فإن تأكيد الخبر على القدرة على اتخاذ القرار لم يكن وصفًا إضافيًا ضمن قائمة الصفات، بل كان إشارة إلى جوهر القيادة نفسها.
فالقيادة تبدأ عندما تتعدد الخيارات، وتتعارض المصالح، وتشتد الضغوط، ويظل القائد قادرًا على أن يتخذ القرار الذي يخدم المؤسسة، ويحافظ على رسالتها، ويصون ثقة العاملين بها، ويضع مصلحة المواطن في مقدمة أولوياته.
وهكذا يصبح القرار ليس مجرد توقيع على مستند، بل لحظة تتجسد فيها شخصية القائد، وخبرته، ونزاهته، ورؤيته، وشجاعته، وقدرته على تحمل تبعات ما يختار، وهي اللحظة التي تُفرّق بين من يشغل المنصب، ومن يستحق أن يقود المؤسسة.
وفي العدد القادم سوف نقوم بتحليل ما جاء بالخبر عن:
"الاستثمار في القيادات المؤهلة هو الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين."
.jpg)

