اختيار القيادات الصحية بالدقهلية – العدد (4): الاستثمار في القيادات يمثل "الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية"

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية."

على مدار الأعداد الثلاثة الماضية، انطلقت سلسلة "هندسة القيادة الصحية" من قراءة تحليلية لخبر انعقاد لجنة اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية، لتؤكد أن الخبر لم يكن مجرد تغطية لحدث إداري، بل نافذة لفهم فلسفة الإدارة الحديثة.

فتناولنا كيف أصبح اختيار القيادات يقوم على مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص، ثم انتقلنا إلى الحديث عن الرؤية التطويرية، والقيادة بوصفها مسؤولية قبل أن تكون منصبًا، وأهمية القدرة على اتخاذ القرار باعتبارها جوهر العمل القيادي. واليوم نواصل هذه الرحلة الفكرية، لنقف أمام رسالة أخرى حملها الخبر، لا تقل أهمية عما سبق، وهي أن الاستثمار الحقيقي في أي مؤسسة لا يبدأ بالمباني أو الأجهزة، وإنما يبدأ بالاستثمار في الإنسان، وبناء القيادات القادرة على قيادة التغيير وصناعة المستقبل.

فالخبر لم يتحدث فقط عن اختيار الأشخاص، وإنما تحدث عن اختيار من يقود التطوير.

وهنا تظهر عبارة بالغة الأهمية وردت في الخبر: "الاستثمار في القيادات المؤهلة هو الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين"

وهذه العبارة تستحق مقالة كاملة.

الاستثمار في القيادات... لماذا يعد الإنسان أغلى أصول المؤسسة؟

من بين جميع الرسائل التي حملها الخبر الصادر عن مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، تبرز عبارة الأستاذ الدكتور حموده عيد الجزار التي أكد فيها أن "الاستثمار في القيادات المؤهلة هو الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين". وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى مألوفة، لكنها في حقيقتها تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الإدارة الحديثة، التي لم تعد تنظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره تكلفة، بل باعتباره استثمارًا يحقق أعلى عائد للمؤسسة والمجتمع.

لقد اعتادت المؤسسات قديمًا أن تقيس قوتها بما تمتلكه من مبانٍ، وتجهيزات، وأجهزة، وموازنات مالية، وكان يُنظر إلى هذه العناصر باعتبارها رأس المال الحقيقي للمؤسسة.

غير أن التجارب أثبتت أن هذه الإمكانات، مهما بلغت قيمتها، لا تستطيع أن تحقق أهدافها إذا لم تجد من يحسن توظيفها وإدارتها.

فقد تمتلك مستشفى أحدث أجهزة التشخيص، لكنها لا تحقق الاستفادة المرجوة إذا غابت القيادة التي تضع نظامًا لتشغيلها وصيانتها والاستفادة القصوى منها.

وقد تتوافر الموارد المالية، لكن سوء التخطيط قد يؤدي إلى إهدارها في أولويات غير ملحة، بينما تبقى احتياجات أكثر أهمية دون معالجة.

وهنا تتغير النظرة إلى القيادة؛ فالقائد لا يضيف قيمة لأنه يعمل وحده، بل لأنه يجعل كل ما تمتلكه المؤسسة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.

ولذلك أصبحت القيادة في الفكر الإداري الحديث تُعد أصلًا استراتيجيًا، تمامًا كما تُعد التكنولوجيا أو البنية التحتية أو الموارد المالية أصولًا استراتيجية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث في الخبر عن الاستثمار في القيادات لا يعني مجرد اختيار أشخاص لشغل وظائف إدارية، وإنما يعني بناء رأس مال بشري قادر على قيادة التطوير، وتحقيق الاستدامة، ونقل المؤسسة من مرحلة إلى أخرى.

ولعل أجمل ما في هذا المفهوم أنه يغيّر طريقة التفكير في المنصب القيادي.

فالقائد لا يُنظر إليه باعتباره مستهلكًا لموارد المؤسسة، بل باعتباره منتجًا للقيمة.

وكل قرار رشيد يتخذه، وكل أزمة ينجح في احتوائها، وكل مورد يحسن استغلاله، يمثل عائدًا على هذا الاستثمار.

ولهذا فإن المؤسسات المتقدمة لا تبدأ اهتمامها بالقائد عند تعيينه، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات.

فهي تبحث عن العناصر الواعدة، وتتيح لها التدريب، وتكلفها بمهام متنوعة، وتمنحها فرصًا لاكتساب الخبرة، ثم تتابع أداءها وتقوّم نقاط القوة والاحتياج لديها، حتى إذا جاء وقت الاختيار، كانت المؤسسة قد كوّنت صورة متكاملة عن إمكاناتها القيادية.

وهذا ما يجعل اختيار القيادات عملية مستمرة، وليست حدثًا مرتبطًا بإعلان وظيفة أو عقد مقابلة شخصية.

فالمؤسسة التي تنتظر خلو المنصب ثم تبدأ البحث عن قائد، تكون قد تأخرت بالفعل، بينما المؤسسة التي تُعد قياداتها باستمرار، تضمن استقرار العمل واستدامة التطوير مهما تغير الأشخاص.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يربط الخبر بين الاستثمار في القيادات وبين تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين. فالقيمة الحقيقية لأي قائد لا تُقاس بما يحققه داخل مكتبه، وإنما بما ينعكس على المواطن الذي يتلقى الخدمة.

فإذا تحسنت جودة الرعاية الصحية، وتسارعت الإجراءات، وارتفعت كفاءة الأداء، وأصبح استغلال الموارد أكثر رشادة، فإن ذلك يعني أن الاستثمار في القيادة بدأ يؤتي ثماره.

وهنا تظهر حقيقة كثيرًا ما يغفل عنها البعض، وهي أن المواطن قد لا يعرف اسم المدير، لكنه يشعر بقراراته كل يوم.

يشعر بها عندما يجد الخدمة أكثر تنظيمًا، أو عندما تقل فترات الانتظار، أو عندما يلمس احترامًا أكبر لحقوقه، أو عندما تتحسن بيئة العمل داخل المنشأة الصحية.

فهذه النتائج لا تحدث مصادفة، وإنما هي ثمرة قيادة تعرف كيف تحول الإمكانات إلى أداء، والأداء إلى جودة، والجودة إلى رضا وثقة.

ومن زاوية أخرى، فإن الاستثمار في القيادات لا يقتصر على تنمية مهاراتهم الفنية، بل يشمل أيضًا بناء منظومة من القيم المؤسسية؛ مثل النزاهة، والانضباط، واحترام القانون، والقدرة على العمل الجماعي، والإيمان بالتطوير المستمر.

فالقيادة ليست معرفة بالإجراءات فقط، وإنما هي ثقافة تنتقل من القائد إلى فريقه، ثم تتحول مع الوقت إلى جزء من هوية المؤسسة.

ولهذا فإن المؤسسات التي تستثمر في قياداتها لا تضمن نجاح أفراد، بل تضمن بناء ثقافة تنظيمية قادرة على مواجهة التحديات والتكيف مع المتغيرات.

فالقائد يغادر منصبه يومًا ما، أما الثقافة التي يرسخها فقد تبقى لسنوات، وربما لعقود.

وعندما أكد الخبر أن الاستثمار في القيادات يمثل "الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية"، فإنه كان يلفت الانتباه إلى حقيقة أثبتتها التجارب في كل القطاعات: فالإصلاح يبدأ بالإنسان قبل أن يبدأ بالمبنى، ويبدأ بالعقل قبل أن يبدأ بالموازنة، ويبدأ بحسن الاختيار قبل أن يبدأ بحسن التنفيذ. ومن هنا، فإن كل لجنة تُعقد لاختيار قيادة، وكل برنامج يُنفذ لإعداد كوادر جديدة، وكل فرصة تُمنح لاكتشاف المتميزين، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي استثمار في مستقبل المؤسسة نفسها.

لأن القائد الناجح لا يدير يومه فقط، بل يصنع مستقبلًا أفضل للعاملين، وللمؤسسة، وللمواطن الذي ينتظر خدمة صحية تليق به.

وهكذا، فإن الرسالة التي حملها الخبر تتجاوز حدود إعلان نتائج المقابلات أو استكمال مراحل الاختيار؛ إنها تؤكد أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الحجر أو الأجهزة وحدها، وإنما في الإنسان القادر على توجيه هذه الإمكانات، وتحويلها إلى خدمة أفضل، وأداء أكثر كفاءة، ومنظومة صحية أكثر قدرة على تحقيق رسالتها في رعاية الإنسان وصون صحته.

والخبر لم يتحدث فقط عن اختيار الأشخاص، وإنما تحدث عن اختيار من يقود التطوير.

وهنا تظهر عبارة بالغة الأهمية وردت في الخبر: "الاستثمار في القيادات المؤهلة هو الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين". وهذه العبارة تستحق مقالة كاملة.

الاستثمار في القيادات... لماذا يعد الإنسان أغلى أصول المؤسسة؟

من بين جميع الرسائل التي حملها الخبر الصادر عن مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، تبرز عبارة الأستاذ الدكتور حموده عيد الجزار التي أكد فيها أن "الاستثمار في القيادات المؤهلة هو الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية وتحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين".

وهي عبارة تبدو للوهلة الأولى مألوفة، لكنها في حقيقتها تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة الإدارة الحديثة، التي لم تعد تنظر إلى الإنفاق على الإنسان باعتباره تكلفة، بل باعتباره استثمارًا يحقق أعلى عائد للمؤسسة والمجتمع.

لقد اعتادت المؤسسات قديمًا أن تقيس قوتها بما تمتلكه من مبانٍ، وتجهيزات، وأجهزة، وموازنات مالية، وكان يُنظر إلى هذه العناصر باعتبارها رأس المال الحقيقي للمؤسسة.

غير أن التجارب أثبتت أن هذه الإمكانات، مهما بلغت قيمتها، لا تستطيع أن تحقق أهدافها إذا لم تجد من يحسن توظيفها وإدارتها. فقد تمتلك مستشفى أحدث أجهزة التشخيص، لكنها لا تحقق الاستفادة المرجوة إذا غابت القيادة التي تضع نظامًا لتشغيلها وصيانتها والاستفادة القصوى منها.

وقد تتوافر الموارد المالية، لكن سوء التخطيط قد يؤدي إلى إهدارها في أولويات غير ملحة، بينما تبقى احتياجات أكثر أهمية دون معالجة.

وهنا تتغير النظرة إلى القيادة؛ فالقائد لا يضيف قيمة لأنه يعمل وحده، بل لأنه يجعل كل ما تمتلكه المؤسسة أكثر قدرة على تحقيق أهدافها.

ولذلك أصبحت القيادة في الفكر الإداري الحديث تُعد أصلًا استراتيجيًا، تمامًا كما تُعد التكنولوجيا أو البنية التحتية أو الموارد المالية أصولًا استراتيجية.

ومن هذا المنطلق، فإن الحديث في الخبر عن الاستثمار في القيادات لا يعني مجرد اختيار أشخاص لشغل وظائف إدارية، وإنما يعني بناء رأس مال بشري قادر على قيادة التطوير، وتحقيق الاستدامة، ونقل المؤسسة من مرحلة إلى أخرى.

ولعل أجمل ما في هذا المفهوم أنه يغيّر طريقة التفكير في المنصب القيادي.

فالقائد لا يُنظر إليه باعتباره مستهلكًا لموارد المؤسسة، بل باعتباره منتجًا للقيمة.

وكل قرار رشيد يتخذه، وكل أزمة ينجح في احتوائها، وكل مورد يحسن استغلاله، يمثل عائدًا على هذا الاستثمار.

ولهذا فإن المؤسسات المتقدمة لا تبدأ اهتمامها بالقائد عند تعيينه، بل تبدأ قبل ذلك بسنوات.

فهي تبحث عن العناصر الواعدة، وتتيح لها التدريب، وتكلفها بمهام متنوعة، وتمنحها فرصًا لاكتساب الخبرة، ثم تتابع أداءها وتقوّم نقاط القوة والاحتياج لديها، حتى إذا جاء وقت الاختيار، كانت المؤسسة قد كوّنت صورة متكاملة عن إمكاناتها القيادية.

وهذا ما يجعل اختيار القيادات عملية مستمرة، وليست حدثًا مرتبطًا بإعلان وظيفة أو عقد مقابلة شخصية.

فالمؤسسة التي تنتظر خلو المنصب ثم تبدأ البحث عن قائد، تكون قد تأخرت بالفعل، بينما المؤسسة التي تُعد قياداتها باستمرار، تضمن استقرار العمل واستدامة التطوير مهما تغير الأشخاص.

ولم يكن من قبيل المصادفة أن يربط الخبر بين الاستثمار في القيادات وبين تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.

فالقيمة الحقيقية لأي قائد لا تُقاس بما يحققه داخل مكتبه، وإنما بما ينعكس على المواطن الذي يتلقى الخدمة.

فإذا تحسنت جودة الرعاية الصحية، وتسارعت الإجراءات، وارتفعت كفاءة الأداء، وأصبح استغلال الموارد أكثر رشادة، فإن ذلك يعني أن الاستثمار في القيادة بدأ يؤتي ثماره.

وهنا تظهر حقيقة كثيرًا ما يغفل عنها البعض، وهي أن المواطن قد لا يعرف اسم المدير، لكنه يشعر بقراراته كل يوم. يشعر بها عندما يجد الخدمة أكثر تنظيمًا، أو عندما تقل فترات الانتظار، أو عندما يلمس احترامًا أكبر لحقوقه، أو عندما تتحسن بيئة العمل داخل المنشأة الصحية.

فهذه النتائج لا تحدث مصادفة، وإنما هي ثمرة قيادة تعرف كيف تحول الإمكانات إلى أداء، والأداء إلى جودة، والجودة إلى رضا وثقة. ومن زاوية أخرى، فإن الاستثمار في القيادات لا يقتصر على تنمية مهاراتهم الفنية، بل يشمل أيضًا بناء منظومة من القيم المؤسسية؛ مثل النزاهة، والانضباط، واحترام القانون، والقدرة على العمل الجماعي، والإيمان بالتطوير المستمر.

فالقيادة ليست معرفة بالإجراءات فقط، وإنما هي ثقافة تنتقل من القائد إلى فريقه، ثم تتحول مع الوقت إلى جزء من هوية المؤسسة.

ولهذا فإن المؤسسات التي تستثمر في قياداتها لا تضمن نجاح أفراد، بل تضمن بناء ثقافة تنظيمية قادرة على مواجهة التحديات والتكيف مع المتغيرات.

فالقائد يغادر منصبه يومًا ما، أما الثقافة التي يرسخها فقد تبقى لسنوات، وربما لعقود.

وعندما أكد الخبر أن الاستثمار في القيادات يمثل "الركيزة الأساسية لتطوير المنظومة الصحية"، فإنه كان يلفت الانتباه إلى حقيقة أثبتتها التجارب في كل القطاعات: فالإصلاح يبدأ بالإنسان قبل أن يبدأ بالمبنى، ويبدأ بالعقل قبل أن يبدأ بالموازنة، ويبدأ بحسن الاختيار قبل أن يبدأ بحسن التنفيذ.

ومن هنا، فإن كل لجنة تُعقد لاختيار قيادة، وكل برنامج يُنفذ لإعداد كوادر جديدة، وكل فرصة تُمنح لاكتشاف المتميزين، ليست مجرد إجراءات إدارية، بل هي استثمار في مستقبل المؤسسة نفسها.

لأن القائد الناجح لا يدير يومه فقط، بل يصنع مستقبلًا أفضل للعاملين، وللمؤسسة، وللمواطن الذي ينتظر خدمة صحية تليق به.

وهكذا، فإن الرسالة التي حملها الخبر تتجاوز حدود إعلان نتائج المقابلات أو استكمال مراحل الاختيار؛ إنها تؤكد أن الاستثمار الحقيقي لا يكون في الحجر أو الأجهزة وحدها، وإنما في الإنسان القادر على توجيه هذه الإمكانات، وتحويلها إلى خدمة أفضل، وأداء أكثر كفاءة، ومنظومة صحية أكثر قدرة على تحقيق رسالتها في رعاية الإنسان وصون صحته.

والخبر لم يكتفِ بالحديث عن اختيار القيادات، بل أوضح أن اللجنة ناقشت المرشحين في إدارة الموارد البشرية والمالية.

وهذه العبارة في الحقيقة تفرق بين المدير التنفيذي والقائد المؤسسي.

وفي العدد القادم سوف نقوم بتحليل بما جاء بالخبر عن إدارة الموارد وإدارة الأزمات

ملخص مختصر, اختيار القيادات الصحية بالدقهلية
المحورالخلاصة
فكرة الخبراختيار من يقود التطوير
الرسالة الأساسيةالاستثمار في القيادات ركيزة التطوير
مفهوم الإدارةالإنسان أصل استراتيجي لا تكلفة
أثر القيادةجودة أعلى, انتظار أقل, تنظيم أفضل
سمات القائدنزاهة, انضباط, عمل جماعي, تطوير مستمر
الخلاصةالإصلاح يبدأ بالإنسان ثم الأداء

تعليقات

عدد التعليقات : 0