"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية."
لماذا ضمت اللجنة كل هذه التخصصات؟... عندما يصبح
القرار المؤسسي أقوى من القرار الفردي
من يقرأ الخبر الصادر عن مديرية الشئون
الصحية بالدقهلية يلاحظ أن البيان لم يكتف بالإعلان عن انعقاد لجنة اختيار
القيادات، بل حرص على استعراض تشكيلها بالتفصيل، فذكر أن اللجنة ترأسها الأستاذ
الدكتور حموده عيد الجزار مدير مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، وبحضور الأستاذ
عبد الخالق ثابت مدير مديرية التنظيم والإدارة بالدقهلية، وضمّت في عضويتها وكلاء
المديرية، ومدير الشئون المالية والإدارية، ومدير الشئون القانونية، ومدير الموارد
البشرية، وأمين سر اللجنة، كما شارك في أعمالها مدير عام الطب الوقائي، ومدير عام
الطب العلاجي، ومدير إدارة المراجعة الداخلية والحوكمة.
وقد يتساءل البعض:
لماذا كل هذا التنوع؟ ولماذا لم تُترك عملية الاختيار
لشخص واحد أو لعدد محدود من المسؤولين؟
والإجابة تكمن في أحد أهم مبادئ الإدارة
الحديثة، وهو أن القرار كلما اتسعت زوايا النظر إليه، اقترب من الصواب، وكلما
انفرد به شخص واحد، ازدادت احتمالات تأثره برؤيته الفردية مهما بلغت خبرته.
ولهذا لم تعد المؤسسات الكبرى تعتمد على
"الرأي الواحد"، بل أصبحت تبني قراراتها المصيرية على تكامل الخبرات،
لأن كل تخصص يرى ما قد يغيب عن غيره.
فالطبيب ينظر إلى المرشح من زاوية الكفاءة
الفنية وفهم طبيعة العمل الصحي.
والمتخصص في الموارد البشرية ينظر إلى
قدراته القيادية، وأسلوبه في إدارة الفرق، ومهاراته في التواصل والتحفيز.
أما المسؤول المالي، فيقرأ شخصية المرشح
من خلال قدرته على إدارة الموارد وترشيد الإنفاق وترتيب الأولويات.
وينظر المسؤول القانوني إلى مدى إدراكه
للأنظمة والتشريعات، وقدرته على اتخاذ قرارات لا تتعارض مع القانون، لأن حسن النية
وحده لا يحمي القرار إذا خالف النصوص المنظمة.
ثم يأتي دور المراجعة الداخلية والحوكمة،
وهو دور يتجاوز مجرد الرقابة، ليضمن أن تتم العملية كلها وفق قواعد العدالة،
والحياد، والالتزام بالمعايير المعلنة.
وهكذا يصبح كل عضو في اللجنة ممثلًا
لزاوية مختلفة من زوايا القيادة، حتى تتكامل الصورة النهائية للمرشح.
القرار الجماعي... لماذا يكون أكثر قوة؟
لقد أثبتت الدراسات الإدارية أن القرارات
التي تُبنى على تنوع الخبرات تكون غالبًا أكثر دقة من القرارات الفردية، ليس لأن
المجموعة معصومة من الخطأ، ولكن لأن اختلاف وجهات النظر يقلل من احتمال إغفال جانب
مهم.
فالإنسان بطبيعته يرى الأمور من خلال
خبراته وتخصصه وتجربته الشخصية.
أما عندما تجتمع تخصصات متعددة حول طاولة
واحدة، فإن كل فرد يضيف بعدًا جديدًا للنقاش، فتتسع دائرة الفهم، ويصبح القرار
أكثر نضجًا.
ولهذا فإن الإدارة الحديثة لا تحتفي بكثرة
الأعضاء لذاتها، وإنما تحتفي بتنوع الخبرات.
فقد تكون لجنة من خمسة أعضاء أكثر كفاءة
من لجنة تضم عشرين عضوًا إذا كانت خبراتهم متكاملة، بينما قد تتحول اللجنة الكبيرة
إلى عبء إذا تشابهت تخصصاتها أو غابت عنها الرؤية المتنوعة.
وجود مدير التنظيم والإدارة... رسالة تتجاوز
الحضور الشكلي
ومن النقاط التي تستحق التأمل في الخبر،
حضور الأستاذ عبد الخالق ثابت، مدير مديرية التنظيم والإدارة بالدقهلية، في أعمال
اللجنة.
وهذا الحضور يحمل دلالة مؤسسية مهمة، لأنه
يعكس حرصًا على أن تتم عملية الاختيار في إطار من الالتزام بالقواعد التنظيمية
والإدارية، وأن تكون هناك جهة تمتلك خبرة في نظم الوظيفة العامة، والهياكل
التنظيمية، وإجراءات الاختيار.
فوجود جهة خارج الإطار التنفيذي المباشر
للمديرية يضيف بعدًا جديدًا إلى عملية التقييم، ويعزز الثقة في أن الاختيار لا
يقوم على رؤية قطاع واحد، وإنما يستفيد من خبرات أجهزة الدولة المختلفة.
الحوكمة... عندما تصبح الإجراءات جزءًا من
العدالة
ومن أجمل ما ورد في الخبر أيضًا مشاركة إدارة
المراجعة الداخلية والحوكمة في أعمال اللجنة.
وهنا يجب أن نتوقف قليلًا أمام هذا
المصطلح.
فالناس كثيرًا ما يسمعون كلمة
"الحوكمة"، لكنها لا تزال بالنسبة للبعض مفهومًا غامضًا.
والحوكمة ببساطة هي فن إدارة المؤسسة
بطريقة تضمن العدالة، والشفافية، والمساءلة، وحسن استغلال الموارد، ومنع تعارض
المصالح، وتحقيق الثقة في القرارات.
ولهذا فإن وجود الحوكمة داخل لجنة
الاختيار لا يعني مراقبة الأشخاص، وإنما يعني حماية الإجراءات.
لأن قوة أي قرار لا تأتي فقط من سلامة
نتيجته، بل تأتي أيضًا من سلامة الطريق الذي أوصل إليه.
فالنتيجة العادلة تحتاج إلى إجراءات عادلة.
والإجراءات العادلة هي التي تمنح القرار
شرعيته وقبوله.
اللجان لا تلغي مسؤولية القيادة... لكنها تمنح
القرار قوة أكبر
قد يظن البعض أن تشكيل اللجان يعني توزيع
المسؤولية بحيث لا يتحملها أحد، بينما الحقيقة هي العكس تمامًا.
فاللجنة ليست بديلًا عن القيادة، وإنما هي
أداة تساعد القيادة على اتخاذ قرار أكثر توازنًا.
ففي النهاية تبقى القيادة مسؤولة عن
القرار، لكنها تكون قد استندت إلى نقاش علمي، وخبرات متعددة، ورؤى متكاملة.
وهذا هو جوهر العمل المؤسسي.
فالقرار الفردي قد يكون سريعًا...
لكن القرار المؤسسي غالبًا ما يكون أكثر
استقرارًا، وأكثر قبولًا، وأكثر قدرة على الصمود أمام المراجعة والتقييم.
الرسالة الأعمق التي حملها الخبر
عندما حرص الخبر على ذكر أسماء المشاركين
وتخصصاتهم، لم يكن ذلك مجرد بروتوكول إعلامي أو مجاملة لأعضاء اللجنة، بل كان
رسالة واضحة مفادها أن اختيار القيادات مسؤولية جماعية، وأن بناء المستقبل لا
يعتمد على رأي فرد، مهما بلغت خبرته، وإنما على تكامل العقول والخبرات في إطار من
الشفافية والحوكمة والموضوعية.
وهذا هو أحد أهم الفروق بين الإدارة
التقليدية، التي تربط القرار بشخص واحد، والإدارة المؤسسية، التي تجعل القرار
ثمرةً لتكامل الخبرات وتوازن الرؤى.
وعندما تسود هذه الثقافة، لا تصبح اللجان
مجرد اجتماعات تُعقد، بل تتحول إلى أدوات حقيقية لصناعة قرارات أكثر عدلًا، وأكثر
كفاءة، وأكثر قدرة على اختيار القيادات التي تستطيع أن تقود مؤسساتها بثقة
واقتدار، وتترجم مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص إلى واقع ينعكس أثره في النهاية على
جودة الخدمات الصحية التي يتطلع إليها المواطن.
المرحلة النهائية... عندما يتحول التقييم إلى
اختبار حقيقي للقيادة
من العبارات التي تستحق التأمل في الخبر
الصادر عن مديرية الشئون الصحية بالدقهلية، ما أشار إليه البيان من أن أربعة عشر
مرشحًا تأهلوا إلى المرحلة النهائية، حضر منهم ثلاثة عشر مرشحًا، بعد اجتيازهم
جميع مراحل التقييم السابقة وفق الضوابط والمعايير المنظمة لشغل هذه الوظائف.
وقد يمر القارئ على هذه العبارة سريعًا،
بينما تحمل في داخلها دلالة مهمة تتعلق بفلسفة الاختيار نفسها؛ فالوصول إلى
المرحلة النهائية لا يعني مجرد استيفاء أوراق أو استكمال إجراءات إدارية، بل يعني
أن المرشح اجتاز سلسلة من عمليات الفرز والتقييم، حتى أصبح ضمن مجموعة محدودة تمثل
أفضل العناصر المتقدمة وفقًا لما حددته اللجنة من معايير.
وهنا تظهر قيمة التقييم المرحلي.
فالمؤسسات التي تبحث عن قيادات مؤثرة لا
تعتمد عادة على اختبار واحد أو مقابلة واحدة، لأن القيادة قدرة مركبة يصعب الحكم
عليها من زاوية واحدة. فقد يمتلك المرشح مؤهلًا علميًا متميزًا، لكن خبرته
الإدارية محدودة. وقد تكون خبرته طويلة، لكن رؤيته التطويرية ضعيفة. وقد يجيد
العمل الفني، لكنه يفتقر إلى مهارات التواصل أو إدارة الفرق.
ولهذا فإن تعدد مراحل التقييم يهدف إلى
بناء صورة أكثر شمولًا عن المرشح، بحيث لا يُحكم عليه من خلال عنصر واحد فقط، بل
من خلال مجموعة متكاملة من المؤشرات.
لماذا تعد المرحلة النهائية مختلفة؟
هناك فرق كبير بين المراحل الأولية
للتقييم والمرحلة النهائية.
فالمراحل الأولى تركز غالبًا على التأكد
من استيفاء الشروط الأساسية، ومراجعة الخبرات والمؤهلات والسجل الوظيفي.
أما المرحلة النهائية، فهي المرحلة التي
تنتقل فيها اللجنة من السؤال: هل يصلح المرشح للتقدم؟ إلى السؤال الأهم: هل يصلح
المرشح للقيادة؟
وهذا التحول جوهري.
فالقيادة لا تُقاس بالأوراق وحدها، بل
تظهر في طريقة التفكير، والقدرة على التحليل، وسرعة الاستجابة، وإدارة الحوار،
وعرض الرؤية، والتعامل مع الأسئلة غير المتوقعة.
ولهذا أوضح الخبر أن المقابلات النهائية
تناولت موضوعات تتعلق بتطوير الأداء المؤسسي، ورفع كفاءة الخدمات الطبية، وإدارة
الموارد البشرية والمالية، والتعامل مع الأزمات، وتحقيق مؤشرات الأداء، وعرض الخطط
التطويرية المقترحة.
وهذه ليست أسئلة نظرية، بل هي محاور تمس
الواقع اليومي للمستشفيات والإدارات الصحية.
المرحلة النهائية تكشف الفارق بين الحافظ والمفكر
في المراحل التقليدية قد ينجح المرشح لأنه
يحفظ اللوائح أو يمتلك معلومات جيدة، لكن المقابلة النهائية تكشف شيئًا أعمق:
كيف يفكر المرشح عندما يواجه مشكلة؟
كيف يرتب أولوياته؟
كيف يتخذ القرار تحت الضغط؟
هل يملك رؤية واضحة أم يكتفي بالعموميات؟
هل يستطيع تحويل الأفكار إلى خطوات عملية؟
وهنا يظهر الفارق بين من يجيد الحديث عن
التطوير، ومن يملك تصورًا حقيقيًا لكيفية تحقيقه.
التنافس الحقيقي يبدأ عندما تضيق الدائرة
كلما اتسعت دائرة المتقدمين، كان من
الطبيعي أن تختلف مستوياتهم بشكل واضح. أما عندما تصل العملية إلى المرحلة
النهائية، فإن الفروق تصبح أدق وأكثر تعقيدًا.
فجميع المرشحين المتأهلين يمتلكون قدرًا
من الخبرة والكفاءة يؤهلهم للمنافسة، ولذلك تصبح التفاصيل الصغيرة ذات أهمية كبيرة:
- وضوح
الرؤية.
- قدرة
الإقناع.
- ترتيب
الأفكار.
- الوعي
بالتحديات الواقعية.
- القدرة
على تقديم حلول قابلة للتنفيذ.
- التوازن
بين الطموح والإمكانات المتاحة.
- فهم
طبيعة العمل الصحي ومتطلباته.
ومن هنا يمكن فهم لماذا وصف الخبر هذه
المرحلة بأنها المرحلة النهائية لاختيار المرشحين لتسيير الأعمال؛ لأنها تمثل نقطة
الحسم بين مجموعة من العناصر التي اجتازت بالفعل اختبارات متعددة.
دلالة غياب مرشح واحد
قد تبدو الإشارة إلى تغيب مرشح واحد عن
الحضور مجرد تفصيل عابر، لكن ذكرها في الخبر يحمل معنى مهمًا يتعلق بالدقة في
توثيق الإجراءات.
فالإدارة المؤسسية لا تتعامل مع الأرقام
بصورة تقريبية، بل توثق عدد المتأهلين، وعدد الحاضرين، وعدد المتغيبين، حتى تكون
الصورة كاملة وواضحة.
وهذا جزء من ثقافة الشفافية التي
تناولناها سابقًا؛ فكل مرحلة من مراحل الاختيار ينبغي أن تكون موثقة ومحددة بدقة.
المقابلة النهائية ليست مسابقة كلامية
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن النجاح
في المقابلات يعتمد على البلاغة أو حسن الحديث فقط.
والحقيقة أن اللجان المهنية، خصوصًا في
الوظائف القيادية، تهتم بما هو أبعد من الأسلوب.
فقد يتحدث المرشح بطلاقة، لكنه لا يقدم
حلولًا عملية. وقد يكون حديثه مرتبًا، لكنه يفتقر إلى فهم التحديات الواقعية.
بينما قد يكون مرشح آخر أقل براعة في العرض، لكنه يمتلك رؤية أكثر نضجًا وخبرة
أعمق في التعامل مع المشكلات.
ولهذا فإن المقابلات القيادية الناجحة
تركز على محتوى التفكير أكثر من شكل العرض، وعلى قدرة المرشح على إدارة الواقع
أكثر من قدرته على وصفه.
الوصول إلى المرحلة النهائية... شهادة بحد ذاتها
حتى قبل إعلان النتائج النهائية، فإن مجرد
وصول المرشح إلى هذه المرحلة يمثل مؤشرًا على أنه اجتاز بالفعل اختبارات متعددة،
واستوفى قدرًا معتبرًا من معايير التقييم.
ولهذا أشار الخبر إلى أن وصول المرشحين
إلى هذه المرحلة يعكس نجاحهم في اجتياز مراحل التقييم السابقة، وهي رسالة مهمة
تؤكد أن عملية الاختيار لم تكن قائمة على خطوة واحدة، بل على مسار متكامل من الفرز
والتقييم.
الرسالة الأهم التي يحملها هذا الجزء من الخبر
إن الحديث عن المرحلة النهائية لا يتعلق
بعدد المرشحين فقط، بل يتعلق بفلسفة الاختيار ذاتها. فالمؤسسة التي تمرر مرشحيها
عبر مراحل متعددة من التقييم، ثم تناقشهم في قضايا الإدارة والتطوير والموارد
والأزمات، تعلن ضمنيًا أنها لا تبحث عن شاغل منصب، بل عن قائد قادر على تحمل
مسؤولية موقع مؤثر في المنظومة الصحية.
وهنا يصبح الوصول إلى المرحلة النهائية
أكثر من مجرد إجراء إداري؛ إنه لحظة اختبار حقيقية تنتقل فيها المنافسة من مستوى
من يملك الشروط إلى مستوى من يملك القدرة على القيادة وصناعة التغيير.
وهذه هي النقطة التي يبدأ عندها التقييم الحقيقي للقيادات، لأن الأوراق قد تفتح باب المنافسة، لكن الرؤية، والقدرة، والقرار، وحسن إدارة الواقع، هي التي تحدد من يستطيع أن يعبر هذا الباب ليقود مؤسسة مسؤولة عن صحة الناس وجودة حياتهم.
وفي العدد التالي يجب أن يكون من أقوى الأعداد،
لأنه يشرح عبارة تكررت في الخبر أكثر من مرة، وهي "تطوير الأداء المؤسسي". وهذه العبارة تعد اليوم
من أهم مفاهيم الإدارة الحديثة، وخاصة في القطاع الصحي.