اختيار القيادات الصحية بالدقهلية – العدد (7): ودورهم في تطوير الأداء المؤسسي... ومتابعتهم من خلال مؤشرات الأداء

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث


"قراءة تحليلية في مفاهيم الإدارة والحوكمة وبناء القيادات، انطلاقًا من خبر اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية."

تطوير الأداء المؤسسي... عندما يصبح النجاح ثقافة لا إنجازًا عابرًا

لعل من أكثر العبارات حضورًا في الخبر الذي أعلن انعقاد لجنة اختيار القيادات بمديرية الشئون الصحية بالدقهلية، تلك التي أشارت إلى أن المقابلات الشخصية تناولت "تطوير الأداء المؤسسي"، كما أكد الأستاذ الدكتور حموده عيد الجزار أن الهدف من اختيار القيادات هو "إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء، وترسيخ ثقافة التميز المؤسسي داخل القطاع الصحي."

وليس من قبيل المصادفة أن تتكرر هذه المفاهيم في الخبر أكثر من مرة؛ لأن المؤسسات الحديثة لم تعد تقيس نجاحها بعدد القرارات التي تصدرها، ولا بعدد الاجتماعات التي تعقدها، ولا حتى بحجم ما تنفقه من موارد، وإنما أصبحت تقيس نجاحها بقدرتها على تحسين الأداء بصورة مستمرة ومستدامة.

وهنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:

ما المقصود بالأداء المؤسسي؟

وهل يختلف عن أداء الأفراد؟

الإجابة نعم.

فقد يعمل داخل المؤسسة أفراد متميزون للغاية، لكن المؤسسة نفسها قد تعاني من البطء، أو تضارب الإجراءات، أو ضعف التنسيق، أو غياب التخطيط، أو سوء توزيع الموارد.

وبالمقابل، قد لا يكون جميع العاملين عباقرة، ومع ذلك تحقق المؤسسة نتائج متميزة؛ لأنها تمتلك نظامًا إداريًا قويًا يجعل الجميع يعملون وفق منهج واضح.

ومن هنا جاء مفهوم الأداء المؤسسي.

فهو لا يقيس كفاءة الفرد وحده، وإنما يقيس قدرة المؤسسة بأكملها على تحقيق أهدافها من خلال منظومة متكاملة تشمل القيادة، والموارد البشرية، والإجراءات، والتكنولوجيا، والرقابة، والتخطيط، وجودة الخدمات.

ولهذا فإن القيادة الناجحة لا تنشغل فقط بأداء الأشخاص، وإنما تهتم بأداء النظام نفسه.

فالأنظمة القوية تستطيع أن تنتج نتائج جيدة بصورة مستمرة، أما الأنظمة الضعيفة فإنها تظل تعتمد على اجتهادات الأفراد، فإذا غاب أحدهم تراجع الأداء كله.


لماذا أصبح الأداء المؤسسي هو معيار النجاح؟

لأن الإدارة الحديثة أدركت أن الإنجاز الفردي، مهما كان كبيرًا، لا يكفي لبناء مؤسسة ناجحة.

قد يوجد طبيب ممتاز.

وقد يوجد محاسب كفء.

وقد يوجد مدير نشيط.

لكن إذا كانت العلاقة بين هذه العناصر غير منظمة، فلن تصل المؤسسة إلى أفضل نتائجها.

ولهذا أصبح الاهتمام موجهًا إلى بناء المؤسسة نفسها.

أي بناء نظام يجعل الجودة لا تعتمد على وجود شخص معين، وإنما تصبح جزءًا من طريقة العمل اليومية.

وهذا هو الفارق بين المؤسسة التي تنجح بوجود قائد واحد، وتتعثر برحيله، والمؤسسة التي تواصل نجاحها لأنها بنت نظامًا مؤسسيًا قادرًا على الاستمرار.


التطوير ليس إصلاح الأخطاء فقط

من المفاهيم التي رسختها مدارس الإدارة القديمة أن التطوير يبدأ عندما تظهر المشكلة.

أما الإدارة الحديثة فتنظر إلى التطوير بصورة مختلفة.

فهي ترى أن المؤسسة الناجحة تطور نفسها حتى وهي تحقق النجاح.

لأن الوقوف عند مستوى معين يعني أن الآخرين سيتجاوزونها مع مرور الوقت.

ولهذا فإن التطوير المؤسسي عملية مستمرة لا تتوقف.

كل إجراء يمكن تحسينه.

كل خدمة يمكن تبسيطها.

كل وقت انتظار يمكن تقليله.

كل مورد يمكن استثماره بصورة أفضل.

كل مهارة يمكن تنميتها.

ولهذا فإن المؤسسة التي تتوقف عن التطوير تبدأ تدريجيًا في التراجع، حتى وإن بدا وضعها مستقرًا في البداية.


التطوير يبدأ من السؤال الصحيح

القائد التقليدي يسأل:

هل انتهى العمل؟

أما القائد التطويري فيسأل:

هل يمكن أن يصبح العمل أفضل؟

وهذا السؤال هو بداية كل رحلة تطوير.

لأن الرضا الكامل عن الواقع هو العدو الأول للتقدم.

ولهذا فإن القيادات التي تبحث عنها المؤسسات الحديثة ليست تلك التي تكرر ما اعتادت عليه، وإنما تلك التي تمتلك الجرأة على مراجعة الإجراءات، وتحليل النتائج، والبحث عن فرص التحسين.


ماذا يعني "نقلة نوعية" كما ورد في الخبر؟

هذه العبارة من أجمل العبارات التي وردت في البيان.

فالتحسين قد يكون تدريجيًا.

أما النقلة النوعية فهي تغيير يحدث فرقًا واضحًا في طريقة أداء المؤسسة.

قد تكون من خلال إدخال نظام إلكتروني جديد.

أو إعادة هيكلة الخدمات.

أو تحسين رحلة المريض داخل المنشأة الصحية.

أو تقليل زمن تقديم الخدمة.

أو رفع كفاءة استخدام الموارد.

أو بناء نظام جديد للمتابعة والتقييم.

فالنقلة النوعية لا تعني مجرد زيادة في الجهد، بل تعني تغييرًا في طريقة التفكير نفسها.


ثقافة التميز المؤسسي

ولم يكتفِ الخبر بالحديث عن تطوير الأداء، بل أضاف عبارة أكثر عمقًا وهي:

"ترسيخ ثقافة التميز المؤسسي."

وهذه العبارة تكشف أن الهدف ليس تنفيذ مشروع تطوير مؤقت، وإنما بناء ثقافة.

وما الفرق؟

المشروع يبدأ وينتهي.

أما الثقافة فتبقى.

الثقافة تعني أن يصبح البحث عن الجودة عادة.

وأن يصبح التحسين المستمر جزءًا من سلوك العاملين.

وأن يسأل كل موظف نفسه يوميًا:

كيف أستطيع أن أؤدي عملي بصورة أفضل؟

وعندما يصل التفكير إلى هذه المرحلة، فإن المؤسسة لا تحتاج في كل مرة إلى أوامر جديدة، لأن التطوير أصبح جزءًا من هويتها.


العلاقة بين تطوير الأداء واختيار القيادات

وهنا نعود مرة أخرى إلى الخبر.

فإذا كان الهدف هو تطوير الأداء المؤسسي، فمن الطبيعي أن يكون اختيار القيادة هو نقطة البداية.

لأن القائد هو الذي يضع الرؤية.

وهو الذي يبني الفريق.

وهو الذي يحدد الأولويات.

وهو الذي يخلق بيئة العمل.

وهو الذي يتابع التنفيذ.

وهو الذي يقيس النتائج.

فإذا كان القائد مؤمنًا بالتطوير، انتقلت هذه القناعة إلى المؤسسة كلها.

أما إذا كان يرى أن الحفاظ على الوضع القائم يكفي، فإن المؤسسة تتوقف تدريجيًا عن النمو، حتى وإن امتلكت إمكانات كبيرة.


الرسالة التي حملها الخبر

عندما أكد الخبر أن المقابلات تناولت تطوير الأداء المؤسسي، وأن الهدف هو إحداث نقلة نوعية وترسيخ ثقافة التميز المؤسسي، فإنه لم يكن يتحدث عن شعار إداري يُرفع في المناسبات، بل كان يشير إلى فلسفة كاملة تقوم على أن المؤسسة الناجحة ليست هي التي تؤدي عملها كما اعتادت، وإنما هي التي تراجع نفسها باستمرار، وتتعلم باستمرار، وتبحث باستمرار عن طرق أفضل لخدمة المواطن.

وهكذا يصبح اختيار القيادات ليس مجرد شغل وظيفة شاغرة، بل نقطة البداية في مشروع أكبر؛ مشروع يسعى إلى بناء مؤسسة تتطور قبل أن تُجبرها الظروف على التطور، وتسبق التحديات بدلًا من أن تلاحقها، وتجعل من التميز المؤسسي أسلوب عمل دائم، لا هدفًا مؤقتًا ينتهي بانتهاء خطة أو برنامج.

وفي ورد مصطلح تكرر مرتين في الخبر، لكنه في الحقيقة من أكثر المصطلحات حداثة في الإدارة، وهو "مؤشرات الأداء".


مؤشرات الأداء... لغة الأرقام التي لا تعرف المجاملة

من بين المحاور التي ناقشتها لجنة اختيار القيادات مع المرشحين، كما جاء في الخبر، محور "تحقيق مؤشرات الأداء"، وهي عبارة قد تبدو فنية للبعض، لكنها في الحقيقة أصبحت اليوم إحدى أهم أدوات الإدارة الحديثة، بل يمكن القول إنها اللغة التي تتحدث بها المؤسسات الناجحة مع نفسها قبل أن تتحدث بها إلى الآخرين.

لقد انتهى الزمن الذي كان فيه نجاح المؤسسة يُقاس بالانطباعات الشخصية، أو بالأحكام العامة من قبيل "العمل يسير بصورة جيدة"، أو "الأداء مرضٍ"، لأن مثل هذه العبارات، رغم حسن النية، لا تقدم دليلًا يمكن قياسه أو البناء عليه.

أما الإدارة الحديثة، فإنها لا تكتفي بالقول إن الأداء تحسن، وإنما تسأل:

كم تحسن؟

وبأي نسبة؟

وخلال أي فترة زمنية؟

ووفق أي معيار؟

وهنا تظهر أهمية مؤشرات الأداء.

فهي ببساطة مجموعة من المقاييس الرقمية أو الوصفية التي تساعد المؤسسة على معرفة مدى نجاحها في تحقيق أهدافها، وتكشف نقاط القوة التي ينبغي دعمها، ونقاط الضعف التي تحتاج إلى معالجة.


الإدارة بالأرقام... لا بالانطباعات

من أخطر ما قد تواجهه أي مؤسسة أن تعتمد على الانطباعات الشخصية في تقييم الأداء.

فقد يرى مدير أن العمل ممتاز لأنه لا تصله شكاوى.

ويرى آخر أن الأداء ضعيف لأنه يتلقى ملاحظات كثيرة.

لكن الحقيقة قد تكون مختلفة تمامًا.

ولهذا جاءت مؤشرات الأداء لتكون الحكم المحايد الذي لا يتأثر بالأهواء أو العلاقات أو المزاج الشخصي.

فالأرقام لا تعرف المجاملة.

ولا تنحاز لأحد.

ولا تتغير بتغير الأشخاص.

ولهذا أصبحت المؤسسات الكبرى تعتبر أن "ما لا يمكن قياسه، لا يمكن تطويره."

لأنك لا تستطيع تحسين شيء لا تعرف مستواه الحقيقي.


ماذا تقيس مؤشرات الأداء في القطاع الصحي؟

في المؤسسات الصحية لا تقتصر مؤشرات الأداء على جانب واحد، بل تمتد لتشمل مختلف عناصر المنظومة.

فقد تقيس:

  • زمن انتظار المريض قبل تلقي الخدمة.
  • نسبة توافر الأدوية والمستلزمات.
  • معدل الإحالة بين المستويات المختلفة للرعاية.
  • سرعة الاستجابة للطوارئ.
  • نسب الالتزام بمعايير مكافحة العدوى.
  • معدلات رضا المواطنين.
  • نسب تنفيذ خطط التدريب.
  • كفاءة استخدام الموارد.
  • الالتزام بخطط الصيانة.
  • نتائج برامج الجودة والاعتماد.

وهذه المؤشرات لا تُجمع لمجرد إعداد التقارير، وإنما لتصبح أساسًا لاتخاذ القرار.

فالقرار الناجح يبدأ دائمًا بمعلومة صحيحة.


المؤشر ليس رقمًا فقط... بل رسالة

وراء كل رقم قصة.

فإذا ارتفع متوسط زمن انتظار المرضى، فهذا لا يعني مجرد زيادة في الدقائق، بل قد يعني وجود نقص في القوى البشرية، أو خللًا في تنظيم العمل، أو زيادة في أعداد المترددين، أو ضعفًا في توزيع المهام.

وإذا انخفض معدل رضا المواطنين، فليس المهم الرقم وحده، بل فهم الأسباب التي أوصلت إليه.

ولهذا فإن المؤشرات لا تقدم الحلول، لكنها تكشف مكان المشكلة، وتساعد القيادة على توجيه جهودها إلى الموضع الصحيح.


القيادة التي لا تقيس... لا تستطيع أن تطور

القائد الذي يعتمد على الانطباعات قد يعتقد أن مؤسسته تتقدم، بينما تكشف المؤشرات أنها تتراجع.

وقد يظن أن مشكلة معينة أصبحت تحت السيطرة، بينما تظهر البيانات أنها لا تزال قائمة.

ولهذا فإن المؤسسات التي تحقق نجاحًا مستدامًا هي المؤسسات التي تجعل القياس عادة يومية، لا نشاطًا موسميًا.

فالقياس ليس غاية في ذاته، وإنما وسيلة لاتخاذ قرارات أفضل.


المؤشرات والشفافية

هناك علاقة وثيقة بين مؤشرات الأداء وبين الشفافية التي تحدث عنها الخبر.

فالشفافية لا تعني فقط إعلان الإجراءات، وإنما تعني أيضًا إعلان النتائج.

فعندما تُقاس النتائج وفق مؤشرات معلنة، يصبح الجميع قادرين على معرفة ما تحقق، وما لم يتحقق، بعيدًا عن المبالغات أو التقليل.

وهذا يعزز ثقة العاملين، ويمنح متخذ القرار أساسًا موضوعيًا للمحاسبة والمكافأة والتطوير.


لماذا ناقشت اللجنة هذا المحور؟

لأن القائد في العصر الحديث لم يعد يكفيه أن يعرف كيف يدير العمل، بل يجب أن يعرف أيضًا كيف يقيس أثر هذا العمل.

فقد ينفذ خطة كاملة...

لكن هل حققت الهدف؟

وقد ينفق ميزانية كبيرة...

لكن هل انعكس ذلك على جودة الخدمة؟

وقد يعقد عشرات الاجتماعات...

لكن هل تحسن الأداء فعلًا؟

الإجابة عن هذه الأسئلة لا تقدمها الانطباعات، وإنما تقدمها مؤشرات الأداء.


من القياس إلى التحسين المستمر

تكمن القيمة الحقيقية لمؤشرات الأداء في أنها لا تتوقف عند وصف الواقع، بل تدفع إلى تطويره.

فعندما تعرف المؤسسة أين تقف اليوم، تستطيع أن تحدد إلى أين تريد أن تصل غدًا.

وعندما تحقق هدفًا معينًا، فإنها تضع هدفًا أعلى، فتدخل في دائرة التحسين المستمر، وهي الدائرة التي تقوم عليها جميع أنظمة الجودة والاعتماد المؤسسي.


الرسالة التي حملها الخبر

عندما كشف الخبر أن لجنة اختيار القيادات ناقشت المرشحين في تحقيق مؤشرات الأداء، فإنه كان يعلن أن القيادة لم تعد تُقاس بالخبرة وحدها، ولا بالقدرة على إدارة الأفراد فقط، وإنما أصبحت تُقاس أيضًا بقدرتها على تحويل الأهداف إلى نتائج قابلة للقياس، وتحويل الخطط إلى أرقام، وتحويل الأرقام إلى قرارات، وتحويل القرارات إلى واقع يلمسه المواطن في جودة الخدمة الصحية.

وهكذا تصبح مؤشرات الأداء ليست مجرد جداول وإحصاءات وتقارير، بل البوصلة التي تهدي القيادة إلى الطريق الصحيح، والمرآة التي ترى فيها المؤسسة صورتها الحقيقية، والأداة التي تضمن أن يبقى التطوير قائمًا على الحقائق لا على الأمنيات، وعلى النتائج لا على الشعارات.


تعليقات

عدد التعليقات : 0