زمن المظاهر.. مبروك، بقيت مستهلك قبل ما تكون بني آدم!

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


الواقع في مصر والعالم لا يتغير عشوائياً، بل يعيد تشكيل نفسه لمواكبة أدوات العصر التي تم فرضها على المجتمع

فقد تحولنا من الحداثة الصلبة إلى الحداثة السائلة:

ففي العالم السائل كل شيء مؤقت فالعلاقات سريعة التفكك والقيم متغيرة حسب المصلحة والنزعة الاستهلاكية تحكم السلوك البشري فالإنسان أصبح مستهلكاً قبل أن يكون مواطناً

تغيير السلوك الذي حدث في مجتمعاتنا محكوم بمثلث أساسي:

1- الاقتصاد الاستهلاكي والذي أصبحت القيمة فيه مستمدة بما تملكه وتستهلكه وتُظهره للعلن وليس أخلاقك أو مكانتك الثقافية.

2- الفردية المفرطة حيث تراجع دور الأسرة والعائلة والشارع والمؤسسة الدينية لصالح الأنا الرقمية.

3- تعدد مصادر التنشئة من الأب والأم والمدرسة بزراعتهم للقيم إلى خوارزميات تيك توك والفيس بوك والتي تشكل وجدان وسلوك الأجيال الجديدة وتحدد لهم ما هو مقبول وما هو مرفوض فأصبحت فوضى للقيم والقيم المعكوسة وقبول ما كان مرفوض.

وأهم الدراسات في هذا المجال

قد أفصحت الدراسات السوسيولوجية والنفسية التي ترصد التغيير المجتمعي تغييرات جذرية في مصر والعالم ولا يسمونه مجرد تغير بل سيولة قيمية أو تحولات هيكلية في الشخصية القومية

فالمجتمع المصري، تاريخياً، كان يُصنف كـ "مجتمع مستقر" يعتمد على قيم الجماعة، والتدين الفطري، والروابط الأسرية الممتدة. لكن الواقع المعاصر يعيش مخاضاً مختلفاً تماماً.

1- انتقال المجتمع من "القيم التشاركية" إلى "القيم الفردية والاستهلاكية".  حيث تشير الدراسات إلى أن ضغوط "التكيف الهيكلي" والوضع الاقتصادي أجبرت أرباب الأسر على الانخراط في أعمال متعددة، مما أضعف دور الأسرة في "إعادة إنتاج الثقافة والتربية"، فحدث ما يسميه الباحثون "تهتك النسيج الأسري التقليدي".

2- "أثر المنصات الرقمية والسوشيال ميديا" حيث تحولت "وسائل التواصل" من أداة ترفيهية إلى "بديل للتفاعل الاجتماعي الواقعي" في القرية والمدينة على حد سواء، وأن هذه الوسائل عززت قيم "العزلة الفردية" و"الاستهلاك" والمقارنات الطبقية القاسية، مما ولد سلوكيات عدوانية أو لاذعة لم تكن معهودة في الشخصية المصرية القديمة.

3- "التحولات القيمية والثقافية" فإن مصر عبر 60 عاماً، تحولت أولويات المواطن فيها من قيم "العدالة الاجتماعية والمساواة" (في الخمسينيات والستينيات) إلى "قيم الانفتاح والتفرد والتميز الطبقي" (منذ السبعينيات وحتى الآن)، وصولاً إلى صدمة التكنولوجيا المعاصرة التي خلقت فجوة جيلية عميقة داخل البيت الواحد.

وإذا كان هذا يحدث في مصر، فالعالم كله يتحرك في نفس الاتجاه برتم أسرع، وهناك نظريات شهيرة تفسر ذلك:

  • نظرية "السيولة" لـ زيجمونت باومان (Liquid Modernity): هذا السوسيولوجي البولندي هو الأهم في تفسير ما نعيشه اليوم. يرى باومان أننا انتقلنا من "الحداثة الصلبة" (حيث المؤسسات مثل الأسرة، والوظيفة، والقيم مستقرة وواضحة) إلى "الحداثة السائلة". في العالم السائل، كل شيء مؤقت: العلاقات سريعة التفكك، القيم متغيرة حسب المصلحة، والنزعة الاستهلاكية تحكم السلوك البشري. الإنسان أصبح "مستهلكاً" قبل أن يكون "مواطناً".
  • مشروع دراسة القيم العالمية (World Values Survey - WVS): هذا أضخم مشروع بحثي عالمي يستمر لعقود (ويغطي مصر في موجاته البحثية). يرصد المشروع تحول المجتمعات من "قيم البقاء والتقليد" (التي تركز على الأمن الاقتصادي والدين والأسرة الممتدة) إلى "قيم التعبير عن الذات والعقلانية العلمانية" في الدول الصناعية، أو إلى "حالة من التخبط القيمي" في الدول النامية التي تعيش بين إرثها القديم وضغط العولمة.

خلاصة ما تقوله الدراسات عن السلوك الحالي:

تتفق الدراسات على أن التغير السلوكي والقيمي في مصر والعالم محكوم بمثلث:

1.    الاقتصاد الاستهلاكي: القيمة أصبحت تُستمد مما "تملكه وتستهلكه" وتظهره للعلن، وليس من "أخلاقك أو مكانتك الثقافية".

2.    الفردانية المفرطة: تراجع دور "العائلة الكبيرة" و"الشارع" و"المؤسسة الدينية" لصالح "الأنا الرقمية".

3.    تعدد مصادر التنشئة: قديماً كان الأب والأم والمدرسة هم من يزرعون القيم؛ اليوم، خوارزميات (تيك توك وفيس بوك) هي من تشكل وجدان وسلوك الأجيال الجديدة وتحدد لهم ما هو "مقبول" وما هو "مرفوض".

الواقع لا يتغير عشوائياً، بل يعيد تشكيل نفسه لمواكبة أدوات العصر، وهذا ما تجده موثقاً في أروقة مراكز البحوث الاجتماعية لمن يريد قراءة الأرقام والإحصاءات الميدانية خلف هذه الظواهر.

والسؤال هنا عن "العلاج" هنا هو السؤال الأصعب والأهم، لأننا لا نتعامل مع مرض بيولوجي له دواء حاسم، بل مع "سيولة هيكلية" جرفت العالم خلفها.

ومادام التغيير قد تم عبر "هندسة السلوك" بواسطة أدوات العصر (الاقتصاد الرقمي والخوارزميات)، فإن العلاج لا بد أن يكون عبر "هندسة مضادة".

فعلماء الاجتماع والنفس يطرحون الحلول ليس من باب "إعادة الزمن إلى الوراء" (لأن هذا مستحيل)، بل من باب "توطين الإنسان داخل السيولة" وحمايته من الغرق.

وينقسم العلاج إلى ثلاثة مستويات:

1. العلاج على المستوى الفردي (حصانة الذات)

بما أنك لا تستطيع إطفاء الإنترنت أو تغيير النظام الاقتصادي العالمي، فالحل يبدأ من "التحكم في المدخلات":

  • الوعي الرقمي الصارم (Digital Minimalism): فالمقاومة تبدأ بوعي الفرد بأنه مستهدف.

والعلاج هنا هو تقنين التعامل مع الخوارزميات، والتحول من "مستهلك مفعول به "إلى "مستخدم واعٍ".

ووضع حدود صارمة لوقت الشاشات يقلل من تدفق الجرعات الاستهلاكية والمقارنات الطبقية التي تثير السخط السلوكي.

  • إعادة تعريف "النجاح والمكانة": فالتمرد الفردي على فكرة أن قيمتك تشتق مما تملكه وبناء "تقدير ذاتي" داخلي يعتمد على الإنجاز الحقيقي، بالمعرفة، والأثر الإنساني، وليس على عدد الإعجابات (Likes) أو المظاهر الاستعراضية.
  • تفكيك المفاهيم (الفهم اللغوي والدلالي): فعندما يفهم الإنسان المعاني الحقيقية للكلمات والمفاهيم التي يتم تسييلها (مثل الحرية، المتعة، السعادة) ويعيد ربطها بأصولها الثابتة، يستطيع مقاومة "القيم المعكوسة" التي تفرضها المنصات الرقمية.

2. العلاج على مستوى الأسرة (المؤسسة الصلبة الأخيرة)

الأسرة هي خط الدفاع الأخير ضد السيولة، ولإنقاذها يقترح خبراء الاجتماع:

  • استعادة "المجال العام المصغر": خلق مساحات داخل البيت خالية تماماً من التكنولوجيا (مثل وقت الطعام، أو ساعة نقاش يومية).

وهنا الهدف هو إعادة الروح "للتفاعل الاجتماعي الواقعي" والإنصات المتبادل لكسر "العزلة الفردية" داخل المسكن الواحد.

  • التربية بالقيم البديلة (التربية النقدية): فلا يكفي أن تمنع الأبناء من منصة معينة، بل يجب تدريبهم على "التفكير النقدي" لما يعرض عليهم.

وصياغة وعيهم بحيث يسألون أنفسهم تلقائياً: "لماذا تعرض عليّ الخوارزمية هذا المقطع الآن؟ وما هي القيمة التي تحاول صبها في عقلي؟"

  • إحياء الروابط الممتدة (ولو بالحد الأدنى): من خلال مقاومة النزعة الفردية بالتمسك بالصلات العائلية والاجتماعية الواقعية، ومشاركة الأبناء في أنشطة جماعية وتطوعية تزرع فيهم "القيم التشاركية" بدلاً من "الأنا الرقمية".

3. العلاج على المستوى المؤسسي والمجتمعي (دور الدولة والمجتمع المدني)

  • أنسنة التعليم: فيجب أن يتحول التعليم من مجرد حشو للمعلومات (التي أصبحت متاحة بضغطة زر) إلى "بناء للشخصية القومية".

والتركيز على الفلسفة، الأخلاق، الفنون، والعلوم الإنسانية، لأنها الأداة الوحيدة التي تمنح الطالب "عمقاً ثقافياً" يمنعه من الانجراف وراء التسطيح الرقمي.

  • دعم "المساحات الثقافية والرياضية الواقعية": فتوفير مراكز شباب، قصور ثقافة، ونوادي مجتمعية بأسعار مدعومة ومتاحة للجميع. عندما يجد الشاب مكاناً واقعياً يفرغ فيه طاقته ويتحقق فيه اجتماعياً، سيتراجع اعتماده على "البديل الرقمي السلوكي".
  • صناعة "المحتوى الموازن": فلا يمكن مجابهة التطور التكنولوجي بالمنع، بل بتقديم بديل رقمي يملك نفس الجاذبية البصرية والتقنية لكنه يحمل قيماً صلبة وبناءة، تخاطب وجدان الأجيال الجديدة بلغتهم وعصرهم دون وعظ مباشر منفر.

خلاصة الدواء:

العلاج يتلخص في كلمة واحدة: "الجذور".

ففي عالم سائل يعصف بكل شيء، كلما كانت جذور الفرد الفكرية، والأسرية، والروحية أعمق، كلما استطاع أن يطفو فوق سطح هذه السيولة دون أن تذوب هويته أو يتشوه سلوكه.

إنها معركة وعي يومية تبدأ من الفرد وتمر بالأسرة لتصنع فارقاً في المجموع.

فهل تظن أن مؤسساتنا التقليدية (كالمدرسة والمسجد والكنيسة) تمتلك حالياً الأدوات واللغة المناسبة لخوض هذه المعركة، أم أنها بحاجة لإعادة هيكلة شاملة لتستطيع مخاطبة "جيل الخوارزميات"؟


تعليقات

عدد التعليقات : 0