الفرق بين الدعاء والنداء

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


بين الدعاء والنداء خيط رفيع وفروق جوهرية ترسمها دلالات الحروف والسياق القرآني. وفي السطور التالية، نسلط الضوء على مفهوم كل منهما من واقع التحليل الاشتقاقي، وكيف تجلت هذه الفروق في مناجاة الأنبياء -كأمثال زكريا ونوح عليهما السلام- بين طلب الغاية المجهولة، والنأي عن الحال الراهن.

الدعاء

أصل الكلمة: دعو .... (102) كلمة مختلفة وعدد كلي (212) مرة  في القرآن الكريم

د: وهي القصد الموجه نحو غاية معلومة ليقوده للتغيير والتحول من حال إلى حال أو نتيجة مغايرة ومحسوسة لما كان عليه سواء كان هذا التغيير المستقر لما هو نفسي أو مادي.

ع: وهذا القصد الموجه والغاية المعلومة هي بغية إدراك الباطن (الوسيلة الباطنة) والوصول إلى ما وراء هذا الظاهر من الغاية التي نعيشها وجوهرها وحقيقتها الخفية بالبصيرة بالانفتاح على المجهول من الأسباب واستيعابها وطلب ارتباط الغاية بالوسيلة المجهولة.

و: وذلك بطلب تحقيق الجمع والوصل والربط بين هذا الظاهر والباطن أي بين الغاية والوسيلة، أي بهدف وقصد تقريب المتباعد وجعل الغاية في انسجام مع الوسيلة.

وهنا نضيف لهذا المعنى العام الحروف حسب الكلمة المختلفة والسياق.

وفي قوله تعالى:

{ هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ } (سورة آل عمران 38)

كان زكريا عليه السلام يقصد الذرية ولكن يجهل الوسيلة فكل ظاهر الأمر يستحيل معه تحقق دعاءه فجاء قول الله تعالى بالإستجابة:

{ فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ } (سورة آل عمران 39)

وهنا سأل عن الوسيلة في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } (سورة آل عمران 40)

فكانت الوسيلة باطنة متعلقة بمشيئة الله لخصها لنا في أول السورة بالحروف المقطعة { كهيعص } (سورة مريم 1) تحمل كامل الأمر الإلهي للتغيير الجسدي الذي حدث.

ولكن مع ذلك طلب وسيلة ظاهرة كآية ظاهرة تدلل على هذا التغيير الباطن في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ } (سورة آل عمران 41)

والكلام هنا في هذا السياق لا يعني القول، ولكن الكلام هو المعنى الكامن في الذات والمقصد كلام الله والوحي والعظة فلا يكلمهم إلا (رَمْزًا) وهي جاءت مرة واحدة فقط في القرآن الكريم في هذا الموضع فقط.

والرمز: ربط وسيطرة واتصال خفي ومتوازن بين المحسوس والبصيرة بين عالم الدنيا وعالم الأمر فيجمع بينهما في مقامه وفي كل ميقاته فيربط بين كل حال بالعظة والوحي والبصيرة فلا يقول إلا كلام الله لمدة ثلاثة أيام، كمن يرد كل سائل بآيات من القرآن لذلك حين خرج على قومه طلب منهم التسبيح:
{ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } (سورة مريم 11)

النداء

أصل الكلمة: ندو .... (31) كلمة مختلفة وعدد كلي (53) مرة في القرآن الكريم.

ن: ينادي بأن ينأى وينفر من حال أو مكان ما وطلب الانتقال من هذا الحال أو المكان لآخر مع طلب الحفاظ على نقاءه، وطلب نتاج التحكم مع الحفاظ على الجوهر والنقاء، أو الانفصال عن الأصل أو عن المجموعة أو عن الملوثات أو إزالتها عنه.

د: فيتوجه بالنداء نحو غاية معلومة ليقوده للتغيير والتحول إلى نتيجة مغايرة ومحسوسة لما كان عليه سواء كان هذا التغيير المستقر لما هو نفسي أو مادي.

و: وذلك بطلب تحقيق الجمع والوصل والربط بين هذا الظاهر والباطن أي بين الغاية والوسيلة، أي بهدف وقصد تقريب المتباعد وجعل الغاية في انسجام مع الوسيلة.

في الآيات السابقة بسورة آل عمران تكلمتنا عن الدعاء ولكمن في قوله تعال:

{ ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (2) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا } (سورة مريم 2 - 3)

في هذا الموضع نادى وهو ينأى مما أصابه من حال وصل إليه في قوله تعالى:

{ قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (4) وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا } (سورة مريم 4 - 5)

هنا النداء حالة مفردة ظهرت بعد دعاء متكرر لظهور حال وهن العظم واشتعال الشيب في رأسه والخوف على مواليه من بعده وأن امرأته عاقر، فقد ظهرت ملوثات جديدة في حالته البدنية والبنيوية حالت وإمكانية ظهور أسباب موضوعية لاستجابة الدعاء فكان النداء الخفي داخل نفسه.

فكان رد الله تعالى على نداءه الخفي الذي حدث به نفسه بعد طول دعاء:

{ يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا } (سورة مريم 7)

ولهذه الاستحالة السببية الدنيوية قال زكريا عليه السلام:

{ قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا } (سورة مريم 8)

فرد عليه الله تعالى بضعف الأسباب الدنيوية الظاهرة أمام مشيئة الله تعالى:
{ قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا } (سورة مريم 9)

وكذلك في قوله تعالى:

{ وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } (سورة هود 45)

هنا لم يدعوا ربه بل ناداه كون انه يعلم أن ابنه غير صالح ولكن نداءه بغية أن يفصله عمن يحق عليهم العذاب بأياً كانت الأسباب الدنيوية المؤهلة لذلك، ولكن جاء رد الله تعالى عليه قاطعاً أنه لا يوجد أسباب تزيل تلك الملوثات التي أصابته في قوله تعالى:

{ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ } (سورة هود 46)

لقد قدمنا قراءة تدبرية تعتمد على التفكيك اللغوي والاشتقاقي لجذور الكلمات (دعو، ندو)، وربطها بالسياق القرآني لقصتي زكريا ونوح عليهما السلام.

بناءً على ما تقدم، يمكن استخراج الفروق الجوهرية بين الدعاء والنداء في الجدول التالي لتسهيل المقارنة:

وجه المقارنة

الدعاء (أصل الكلمة: دَعَوَ)

النداء (أصل الكلمة: نَدَوَ)

دلالة الحرف الأول

د: القصد الموجه نحو غاية معلومة لقيادته نحو التغيير والتحول (نفسياً أو مادياً).

ن: النأي والنفور من حال أو مكان ما، وطلب الانتقال للحفاظ على النقاء والجوهر، أو الانفصال عن الملوثات أو المجموعة.

المعنى الباطني

ع: بغية إدراك الباطن (الوسيلة الباطنة)، والانفتاح على المجهول من الأسباب واستيعابها.

د: التوجه بالنداء نحو غاية معلومة للتحول إلى نتيجة مغايرة ومحسوسة لما كان عليه.

طبيعة الطلب

و: طلب تحقيق الجمع والوصل والربط بين الظاهر والباطن (الغاية والوسيلة) لتقريب المتباعد.

و: طلب تحقيق الجمع والوصل والربط بين الظاهر والباطن لانسجام الغاية مع الوسيلة.

الحالة والدافع في سياق زكريا (ع)

يكون العبد قاصداً للغاية (الذرية) لكنه يجهل الوسيلة؛ لأن ظاهر الأمر مستحيل دنيوياً، فيطلب الأسباب المجهولة من الله.

يكون النداء حالة مفردة تأتي بعد دعاء متكرر، بدافع النأي والنفور مما أصابه من (وهن العظم واشتعال الشيب والخوف من الموالي)، وهي ملوثات بدنية وبنيوية استجدت عليه.

مثال نوح (ع)

(لا يوجد بالسياقات الخاصة بإبنه دعاء).

نادى ربه ليعلم أن ابنه غير صالح، فكان نداءه بغية فصل ابنه وعزله عمن يحق عليهم العذاب وإزالة الملوثات التي أصابته.

خلاصة الفرق بين الدعاء والنداء:

  • الدعاء: هو طلب وتوجّه نحو غاية معلومة مع جهل بالوسيلة الباطنة، ومحاولة لربط الظاهر بالباطن لتحقيق التغيير.
  • النداء: هو رغبة في النأي والإنفكاك أو الانفصال عن حال راهن (كالهرم أو العذاب) أو التخلص من ملوثات معينة، وهو يمثل حالة شعورية باطنة (كالنداء الخفي في النفس).

 

 


تعليقات

عدد التعليقات : 0