الفصل الأول: المشي والسير في الأرض

كامل محمدكامل السيد عشري
المؤلف كامل محمدكامل السيد عشري
تاريخ النشر
آخر تحديث

 


في هذه السلسلة سوف نفتح باباً يسيراً لكيفية قراءة كلمات القرآن وكأنك لم تقرأها من قبل وهنا سوف نحاكي الفرق بين المشي والسير في الأرض وكم هي كلمات دقيقة وكلاً منها وظيفتها والفرق بين من إكتفى بالمشي ومن جمع بين المشي والسير فتابعونا 

مدخل إلى نظرية المعرفة القرآنية 

"ليس كل من تحرك في الأرض قد سار، وليس كل من سار قد أدرك." 


منذ أن وطئت قدم الإنسان الأرض وهو يتحرك فوقها، يزرع ويحصد، ويبني ويهدم، يكتشف ويخترع، ويظن أن الحركة وحدها هي المعرفة. 


لكن القرآن يلفت انتباهنا إلى أن الحركة ليست نوعًا واحدًا، بل مستويان مختلفان من الإدراك؛ مشي، وسير. 


ولم يكن هذا التفريق عبثًا في البيان القرآني، فالقرآن لا يستبدل لفظًا بآخر لمجرد التنويع، وإنما يضع كل كلمة في موضعها بدقة، لأن اختلاف اللفظ يدل على اختلاف المعنى والوظيفة. 


ولو تأملنا حياة الإنسان لوجدنا أن أول ما يفعله في أي علم هو أن يمشي. 


يمشي في عالم المادة، فيجمع المعلومات، ويقيس، ويحلل، ويجرب، ويصنف، ويبحث عن العلاقات المباشرة بين الأشياء. 


وهكذا نشأت علوم الفيزياء والكيمياء والأحياء والجيولوجيا والهندسة وغيرها من العلوم التي تفسر الظواهر وفق القوانين التي أودعها الله في الكون. 


ولكن... هل يكفي ذلك؟ 


لنقف أمام بذرة صغيرة. 


يستطيع العلم أن يخبرنا بتركيبها، وأن يشرح آلية امتصاص الماء، وانقسام الخلايا، وتكوين الجذور، وعمل الأوراق، والبناء الضوئي، وانتقال العصارة، حتى تصبح شجرة كاملة. 


كل ذلك صحيح. 


لكن سؤالًا آخر يظل قائمًا: 

- من الذي جعل هذه القوانين تعمل في انسجام؟ 

- كيف ارتبطت الشمس بالمطر؟ 

- والمطر بالسحاب؟ 

- والسحاب بالرياح؟ 

- والرياح بالجبال؟ 

- والتربة بالكائنات الدقيقة؟ 

- والكائنات الدقيقة بجذور النبات؟ 


ثم اجتمعت هذه السنن كلها في لحظة واحدة لتوقظ الحياة داخل بذرة لا تكاد ترى بالعين؟ 


هنا ينتهي المشي... ويبدأ السير.


 فالسير لا ينظر إلى البذرة وحدها، بل إلى المنظومة التي جعلت البذرة تنبت. 


ولا يدرس قانونًا منفردًا، بل يكتشف كيف تتشابك القوانين داخل شبكة من السنن الإلهية التي لا يعمل جزء منها بمعزل عن الآخر. 

- إن المشي يكشف الأجزاء. 

أما السير فيكشف النظام. 

- المشي يفسر الظاهرة. 

أما السير فيفسر ترابط الظواهر. 

- المشي يجيب عن سؤال: كيف حدث هذا؟ 

- أما السير فيسأل: لماذا جرى بهذا النظام؟ 

وكيف ارتبطت السنن حتى وقع هذا الحدث؟ 


ولهذا كان الإنسان إذا اكتفى بالمشي امتلك أدوات المادة، وربما بلغ بها مبلغًا عظيمًا، لكنه قد يضل إذا ظن أن المادة هي أصل كل شيء. 


أما إذا جمع بين المشي والسير، فإنه يدرك أن كل قانون كوني هو جزء من سنة إلهية، وأن الكون ليس تجمعًا عشوائيًا من الأسباب، بل بناء محكم يشهد بوحدة الخالق وحكمته. 


ومن هنا نفترض أن القرآن يميز بين المشي والسير تمييزًا مقصودًا، وأن لكل منهما وظيفة معرفية مختلفة. 


لكن هذه الفرضية لا تكفي وحدها، بل يجب أن تُختبر بالنص القرآني نفسه. 


ولذلك ستكون رحلتنا في هذا الفصل القادم قائمة على استقراء جميع الآيات التي ورد فيها المشي والسير، لنكتشف: 


- هل يؤيد القرآن هذا الفهم؟ 

- أم يقودنا إلى فهم أعمق لم نكن نتوقعه؟ 


فإذا وافق الاستقراء هذه الرؤية، أمكن أن نعدها لبنة في بناء نظرية المعرفة القرآنية، حيث لا يكون المشي والسير مجرد حركتين في الأرض، بل مستويين مختلفين في إدراك الإنسان للكون، والسنن، والخالق سبحانه وتعالى. 

#قرآن

تعليقات

عدد التعليقات : 0