عندما يصبح العالم مسرحاً لصراعٍ لا يبني، وعندما يتحول الإنسان إلى دميةٍ تُحرّكها خيوطٌ غير مرئية
في الأيام الأخيرة، انطلقت عملياتٌ برية كردية من أربيل في العراق، تمهيداً لإيصال أسلحة إلى المعارضة الإيرانية، بهدف تحقيق انتصارٍ إعلامي عبر "سقوط" بعض المدن الإيرانية، وزرع بذور حربٍ أهلية تُضعف النظام من الداخل.
لكنّ ما حدث كان مخيباً للآمال الأمريكية: قوات النخبة الإيرانية تصدّت للتحرك، وأحدثت دماراً في البنية التحتية للمعاقل الكردية.
في المقابل، هدّدت إيران بعملياتٍ برية داخل الكويت، وهي تبني اليوم نموذجاً يُصدّره لدول الخليج: "انظروا إلى من خسر بتحالفه مع أمريكا"— محاولةٌ لإحداث شرخٍ بين دول الخليج، ودفعها للانقسام حول مواجهتها لإيران، وتحديد موقفها من الحرب المقبلة.
🎭 الخليج بين يدي الأمريكيين: تاريخ من التحالفات المؤقتة
لكنّ المتتبع للتاريخ الحديث يجد حقيقةً مُرّة: اليد الأمريكية هي التي تمسك بعصا التوجهات في الخليج، لا العكس.
كان الخليج حليفاً لشاه إيران، ما دام الشاه حليفاً أمريكياً.
ثم أصبح حليفاً لصدام حسين، حين أرادت أمريكا حرباً عراقيةً ضد إيران، وكانت تُسمّيه "المجاهد".
ثم انقلبوا عليه حين أرادت أمريكا غزو العراق. وفي المقابل، حققت إيران مكاسب سياسيةً ضخمة داخل العراق بسياستها الناعمة، بينما انخرط الخليج في السياسة الأمريكية المرتبطة ببزوغ داعش وجبهة النصرة وغيرها.
تلك الجماعات أحدثت شرخاً كبيراً داخل توجهات الشعوب السنية، حين برّرت جزءاً كبيراً من ممارساتها الداعشية بإطارٍ ديني، مما أحدث فتنةً ما زالت تجد صداها، خاصةً في منطقة الشام.
👁️ إلهٌ من دون الله: من يرى الحقيقة بعينٍ خارجية؟
تخيّل معي: قادمٌ من خارج كوكب الأرض، مجردٌ من كلّ التبريرات البرمجية التي حدثت خلال هذه الحقبة.
ماذا سيرى؟
سيجد "إلهاً أمريكياً من دون الله" يوجّه الأمور حيث يشاء، ينصاع له الجميع لصياغة توجهاته دون اعتراض.
فهل يستيقظ الوعي الإنساني من غفوته؟
أم سيظل داخل كبوته حتى يفقد حتى "الزرع والماء"، ليجد نفسه مستجداً متذللاً لنظامٍ عالمي حوّل كلّ شيء إلى "كبسولة"؟
كبسولةٌ يقولون لك إنها علاج مرضك، ليسلبوا مالك.
وصولاً إلى كبسولةٍ في زمنٍ قادم تستجدي بها طعامك.
فالمستقبل الذي يرسمونه للبشرية ليس بالمصادفة.
كلّ شيء مخطّط له مسبقاً.
🕸️ آلة الصراع: متاهة الاقتصاد العالمي
داخل هذا الوهم، أوجدوا آلةً عملاقةً تحرّك الأمور في جنونٍ مستمر:
- فرض الحرب المستمرة
- إثارة النزاعات المذهبية تارةً
- والحدودية تارةً
- والعصبية القومية تارةً
ويتوسط هذه التروس احتلالٌ حاسم على المنطقة، نجحوا من خلاله في فرض الولاء الاقتصادي والسياسي لهذا الكيان، عبر ربط المناصب الدولية بمقدار دعم هذا الكيان.
مفردات هذه المنظومة وتشابكها أخرج الجميع من منطقة الوعي إلى عالمٍ موازٍ، يعيش فيه الإنسان كآلةٍ قد تمّ برمجتها لتعمل داخل خياراتٍ جميعها شيطانية، ومؤداها أن تنتمي لصراعٍ لا يبني، ولكن يهدم فقط.
🧠 أنت أيضاً داخل المتاهة
لو ظننت أنك في حدودك الخاصة لست جزءاً من هذه البرمجة، فأنت واهم.
أنت في صراعٍ أسريٍ دائم بين:
- متطلبات الرفاهية المزعومة
- ومقومات القيم التي تمّ هدمها داخل الأسرة
مضطرٌ أن تستجيب لآليات النظام العالمي الذي طحَن القيم مقابل المادة، وأعلاها فوق كلّ قيمة.
وأنت في صراعٍ داخل عملك:
- من منافسيك في العمل
- والانحطاط القيمي الذي تمّ ترسيخه حتى أصبحت نماذج البيئات المسمومة والفساد داخل العمل جزءاً لا يتجزأ من البنية الأساسية وجدت لها نصيراً ومؤيداً في شبكات الأعمال، وصولاً لصراعٍ أكبر بين مؤسسات العمل الدولية والشركات الكبرى.
فكيف لمثل هذا العالم أن يبقى دون أن يديره شيطانٌ أعظم؟
😈 الشيطان الأعظم وشياطينه التابعين
فوّض شياطين تابعين ليديروا عنه حتى الآن صراعاً فيما بينهم: أيهم أحقّ بإدارة النظام الشيطاني؟
هل أمريكا؟ أم الصين؟ أم يستظلان معاً ويشتركان في خدمة هذا الشيطان؟
وتبتسم إسرائيل في الخلفية، كونها ترى أن هذا الصراع في نهايته سوف تسقط التفاحة في يدها — في حالة قدرتها على تحقيق حلمها من النيل إلى الفرات، والتحكم في ملتقى القارات والبحار.
🌀 متاهة لا خروج منها
هذا مجمل الأمور، مجرداً من أيّ زيفٍ أو تعقيد.
لكنّ التفاصيل الصغيرة والكثيرة تتشابك في ملتها لتدخلنا في متاهة لا خروج منها.
فأين النموذج المضاد الذي يمكن أن ينجح للخروج من هذا؟
إنّ الدجال العالمي داعب حتى أحلام الشعوب باليقظة، حين طرح لهم "الحلول" في رفع سقف التشدد الديني:
- بدايةً من الإخوان المسلمين
- ثم السلفيين
- وصولاً للجماعات الإسلامية وداعش وغيرها
وقبلهم الصراع المذهبي المسيحي، وصولاً للكنيسة الإنجيلية والكنائس الشيطانية.
هذه الحقيقة المجردة: حتى بزوغ نموذجٍ يخرج عن هذه المنظومة، يقدّم للبشرية ما فقدته من قدرة التعايش بدون صراعٍ مدار، لم يعد مطروحاً.
❓ السؤال الأخير
هل يستفيق الوعي الإنساني من جديد؟
ومن هو الشعب الذي يستطيع أن يقدّم هذا النموذج للعالم في زمن الدجال؟
فحتى من يتكلم عن نبوءات عن شخص يمكن أن يقود المرحلة ضد الدجال فهذا يستحيل أن يكون بدون شعب يعطي النموذج الصحيح ليصدره للعالم.
فالخروج من النظام العالمي المبني على فرض القوة لا يصلحه فرض قوة أخرى، كما يراه البعض، فمنظومة القيم الصحيحة لا تعمل داخل المجتمعات المقهورة، ولكن في مجتمعات إختارت هذه القيمة ورسختها وجعلتها أساس التقييم الإنساني.
ففي زمنٍ تحوّل فيه كلّ شيء إلى كبسولة، يبقى السؤال الوحيد الذي لا يُعبّأ في كبسولة: هل نحن حقاً نختار، أم أنّ خياراتنا قد تمّت برمجتها منذ زمن؟