المشي في الأرض: الحركة داخل عالم الشهادة
إذا تتبعنا مادة (مشى) في القرآن، نجد أنها تكاد تدور حول محور واحد، هو الحركة المباشرة داخل العالم المشهود. فالقرآن يتحدث عن الإنسان وهو يمشي، وعن الناس في أسواقهم، وعن مشيتهم، وعن طريقة سير أقدامهم، وعن سعيهم في معاشهم، وعن هيئة المشي نفسها.
ومن أول ما يلفت النظر أن القرآن لا يجعل المشي مقصودًا لذاته، بل يجعله دائمًا وسيلة لتحقيق غاية تقع داخل عالم الأسباب.
فالإنسان يمشي ليبلغ مقصدًا، أو ليطلب رزقًا، أو ليباشر عملًا، أو ليظهر خلقًا من أخلاقه؛ ولذلك ارتبط المشي كثيرًا بأحوال الإنسان وسلوكه.
تأمل مثلًا قوله تعالى:
﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾.
فالحديث هنا ليس عن قطع المسافات، وإنما عن كيفية الحركة، وما تعكسه من تواضع واتزان.
وفي موضع آخر:
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.
فالقرآن هنا يعالج هيئة الإنسان أثناء حركته، لأن المشية تعكس ما في القلب من كبر أو تواضع.
وفي موضع ثالث:
﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾.
هنا يرتبط المشي مباشرة بطلب الرزق، أي بالحركة داخل شبكة الأسباب التي أذن الله بها.
إذن فالمشي في هذه المواضع لا يتجاوز عالم المباشرة؛ فهو تعامل مع الواقع كما هو، ومع الوسائل التي جعلها الله بين يدي الإنسان.
ومن هنا يمكن أن نضع ملاحظة أولية:
المشي في القرآن يرتبط غالبًا بالفعل المباشر داخل عالم الشهادة، حيث يباشر الإنسان الأسباب التي خلقها الله له.
وليس معنى ذلك أن المشي أمر يسير أو قليل القيمة، بل على العكس.
فلولا المشي ما قامت العلوم، ولا نشأت الحضارات، ولا اكتشف الإنسان قوانين الكون.
- فالعالم في مختبره يمشي.
- والمهندس في مصنعه يمشي.
- والطبيب في معمله يمشي.
- والمزارع في حقله يمشي.
كلهم يتحركون داخل الظاهرة نفسها، يحللونها، ويقيسونها، ويبحثون عن قوانينها.
إنها حركة تحليلية.
تبدأ بالكل...
ثم تفككه إلى أجزاء.
وتبدأ بالمشهد...
ثم تبحث عن عناصره.
وتبدأ بالنتيجة...
ثم تعود إلى أسبابها القريبة.
وهذه الحركة هي أساس المنهج العلمي الحديث.
لكنها، مع أهميتها، تبقى قاصرة إذا انفصلت عن مستوى آخر.
فالمختبر يستطيع أن يشرح لك كيف تنبت البذرة.
لكنه لا يجيب وحده عن سبب انتظام الكون كله بحيث يسمح لهذا الإنبات أن يحدث أصلًا.
وهنا يفتح القرآن بابًا آخر...
ليس باب المشي...
بل باب السير.
السير في الأرض : الرحلة إلى سنن الله
إذا كان المشي هو الحركة داخل عالم الأشياء، فإن السير هو الحركة عبر عالم السنن.
ولهذا لم يكن من قبيل المصادفة أن يأتي الأمر الإلهي متكررًا:
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا...﴾
فالقرآن لا يدعو الإنسان إلى التجوال لمجرد الانتقال، ولا إلى السفر لمجرد مشاهدة البلاد، وإنما يدعوه إلى رحلة عقلية وبصيرية، ينتقل فيها من الحدث إلى القانون، ومن القانون إلى السنة، ومن السنة إلى الحكمة.
فالسير في القرآن ليس غايته أن ترى الأرض، بل أن تقرأها.
وليس أن تعبر المسافات، بل أن تعبر من الظاهر إلى الباطن، ومن الجزئي إلى الكلي، ومن الحادثة المفردة إلى السنة المتكررة.
ولهذا فإن السير يبدأ من حيث ينتهي المشي.
فحين يقف المشي عند حدود الظاهرة، يبدأ السير في ربط الظواهر بعضها ببعض.
وحين يكتشف المشي قانونًا، يبحث السير عن موضع هذا القانون داخل المنظومة الكبرى.
وحين يفسر المشي جزءًا من الواقع، يحاول السير أن يفهم كيف تعمل جميع الأجزاء معًا وفق نظام واحد.
ولنعد إلى البذرة.
لقد أخبرنا المشي كيف تمتص الماء، وكيف تنقسم الخلايا، وكيف تتكون الجذور، وكيف تصنع الأوراق غذاءها.
لكن السير يسأل:
- كيف اجتمعت كل هذه الأسباب أصلًا؟
- كيف ارتبطت الشمس بدورة الماء؟
- وكيف ارتبطت دورة الماء بالرياح؟
- وكيف ارتبطت الرياح بالسحاب؟
- وكيف ارتبط السحاب بالأمطار؟
- وكيف ارتبط المطر بالتربة؟
- وكيف ارتبطت التربة بالكائنات الدقيقة؟
- وكيف اجتمعت هذه السنن جميعًا في توقيت بالغ الدقة حتى تستيقظ الحياة في بذرة صغيرة؟
إن السير لا يبحث عن سبب منفرد، بل عن شبكة الأسباب.
- ولا يكتفي بالقانون، بل يبحث عن انتظام القوانين.
- ولا يدرس الحركة، بل يدرس النظام الذي يحكم الحركة.
- ومن هنا فإن السير يفتح أمام الإنسان آفاقًا لا يفتحها المشي وحده.
- فهو لا يقتصر على الطبيعة، بل يمتد إلى التاريخ.
إن المؤرخ قد يصف سقوط أمة بسبب أزمة اقتصادية، أو هزيمة عسكرية، أو صراع سياسي.
لكن السائر في الأرض يسأل سؤالًا آخر:
- هل تكررت هذه الأسباب في أمم أخرى؟
- وهل كان بينها قانون ثابت؟
- وهل توجد سنة تحكم قيام الأمم وسقوطها مهما اختلف الزمان والمكان؟
- وهنا يتحول التاريخ من أخبار متفرقة إلى سنن جارية.
ويمتد السير إلى الإنسان نفسه.
- فالطبيب يدرس المرض.
لكن السائر يتأمل السنن التي جعلت للجسد قدرة على التوازن، وأخرى تؤدي إلى اختلاله، وثالثة تعيده إلى العافية.
ويمتد إلى الاقتصاد.
- فالخبير الاقتصادي يفسر حركة الأسواق.
أما السائر فيبحث عن السنن التي تجعل الظلم سببًا لانهيار المجتمعات، والعدل سببًا لاستقرارها، والأمانة سببًا لازدهارها.
إن السير لا يلغي العلوم، بل يمنحها إطارها الكلي.
ولهذا فإن الحضارة التي تكتفي بالمشي قد تتقدم في الصناعة، لكنها قد تعجز عن إدراك الغاية التي تُسخَّر لها هذه الصناعة.
أما الحضارة التي تجمع بين المشي والسير، فإنها لا ترى في العلم غايةً مستقلة، بل وسيلة لفهم نظام الله في خلقه، وتسخير هذا الفهم في عمارة الأرض.
ومن هنا يمكن أن نقول:
- المشي يجمع أجزاء الحقيقة.
أما السير فيجمع الحقيقة نفسها.
- المشي يكتشف القوانين.
أما السير فيكشف السنن التي تنتظم هذه القوانين.
- والمشي يمنح الإنسان القدرة على التغيير.
أما السير فيمنحه البصيرة التي تهديه إلى حسن استعمال هذه القدرة.
ولعل هذا هو المقصود من تكرار الدعوة القرآنية إلى السير في الأرض؛ لأن اكتشاف السنن هو الذي يحول المعرفة من معلومات متناثرة إلى حكمة، ويحول العلم من قوة مجردة إلى أداة للهداية والإصلاح.
إذن:
"المشي يغلب عليه التعامل مع الظواهر المباشرة، أما السير فيغلب عليه اكتشاف العلاقات والسنن التي تربط الظواهر بعضها ببعض."