الجواب هو: السؤال.
فالإنسان لا ينتقل من المشي إلى السير إلا عندما يعجز المشي عن الإجابة.
من المشي إلى السير: عندما تنتهي الإجابة... يبدأ السؤال
لم يخلق الله العقل ليجمع المعلومات فحسب، وإنما خلقه ليبحث عن النظام الذي تنتظم فيه المعلومات.
فالطفل حين يرى المطر لأول مرة يفرح به، ثم يكبر قليلًا فيسأل: من أين جاء المطر؟
فيجيبه العلم: من السحاب.
لكنه لا يتوقف.
ومن أين جاء السحاب؟ من بخار الماء.
ومن أين جاء البخار؟ من حرارة الشمس.
ولماذا تتحرك السحب؟ بفعل الرياح.
ولماذا تهب الرياح؟ وهكذا...
كل جواب يولد سؤالًا جديدًا، وهنا يولد السير.
فالمشي يجيب... أما السير فلا يكف عن السؤال.
ولذلك فإن كل اكتشاف علمي عظيم بدأ في الحقيقة بسؤال، لا بإجابة.
ولم يكن نيوتن أول من رأى التفاحة تسقط، لكن غيره مشى أمام الظاهرة... أما هو فقد سار وراء السؤال.
ولم يكن أينشتاين أول من عرف الضوء، لكنه سار خلف سؤال: ماذا لو ركبت شعاعًا من الضوء؟ فولد من السؤال علم جديد.
إذن فالسير ليس رفضًا للعلم... بل هو القوة التي تدفع العلم إلى الأمام.
لنعد إلى البذرة.
إن المشي يقول: البذرة تحتاج إلى ماء.
والسير يسأل: ولماذا صار الماء أصل الحياة؟
المشي يقول النبات يصنع غذاءه بالضوء.
والسير يسأل: ولماذا كانت الشمس بهذا البعد تحديدًا؟
المشي يقول: الجذور تمتص العناصر.
والسير يسأل: ولماذا اختلفت الثمار مع اتحاد الماء والأرض؟
كلما انتهى المشي... ولد السير.
ولهذا فإن الحضارات لا تسقط حين ينقصها العلم.
بل تسقط حين تتوقف عن السؤال، وعندما تظن أنها عرفت كل شيء، وعندما تتحول الإجابات إلى أصنام لا يجوز تجاوزها.
وعندما يصبح العلم حفظًا لما وصل إليه السابقون، لا بحثًا عما لم يُكتشف بعد.
إن نهاية السؤال... هي بداية الجمود.
ولعل هذا يفسر سرًا في القرآن.
فالقرآن لا يكثر من إعطاء الإجابات بقدر ما يكثر من إيقاظ الأسئلة.
كيف بدأ الخلق؟ كيف يحيي الله الأرض بعد موتها؟ كيف هلكت الأمم؟ كيف يخرج الحي من الميت؟ كيف يختلف الليل والنهار؟
كيف... وكيف... وكيف...
إن القرآن يربي العقل على السير، لا على الاكتفاء بالمشي.
ومن هنا يمكن أن نعيد تعريف المصطلحين تعريفًا جديدًا:
المشي هو البحث عن الجواب داخل الظاهرة.
أما السير فهو البحث عن السؤال الذي يقود إلى سنة أوسع من الظاهرة.
فالعلم يبدأ بالإجابة... لكن المعرفة تبدأ بالسؤال.
أرى أن الوقت قد حان للانتقال من الأسلوب الأدبي إلى التأسيس العلمي؛ لأن أي نظرية لا تُبنى على تعريفات دقيقة ستظل مجرد خواطر جميلة.
لذلك سأكتب الفصل التالي كما لو كنا نؤسس علمًا جديدًا، مع الحرص على أن يبقى منضبطًا بالقرآن.
المشي والسير: مستويان لاكتشاف الحقيقة
قبل أن نحكم على أي لفظ في القرآن، علينا أن نميز بين الشيء نفسه وطريقة إدراكه، فالسماء واحدة، لكن الفلكي يراها غير ما يراها الشاعر.
والبذرة واحدة، لكن المزارع يراها غير ما يراها عالم النبات.
والتاريخ واحد، لكن ناقل الأخبار يراه غير ما يراه من يبحث عن السنن.
إذن فاختلاف المعرفة لا يرجع إلى اختلاف الواقع، وإنما إلى اختلاف مستوى القراءة.
وهنا يبدو أن القرآن يدعونا إلى مستويين من القراءة:
القراءة الأولى: قراءة الظاهرة.
والقراءة الثانية: قراءة السنن.
أولًا: المشي... قراءة الظاهرة
- المشي هو أن تدخل إلى الشيء نفسه.
- أن تفككه.
- أن تقيسه.
- أن تكتشف قوانينه.
- أن تصنف عناصره.
- أن تعرف كيف يعمل.
- إنه علم التفاصيل.
ولهذا لا يستطيع أحد أن يسير قبل أن يمشي.
فالذي لا يعرف تركيب البذرة لن يستطيع أن يفهم مكانها في منظومة الحياة، والذي لا يعرف حركة الكواكب لن يستطيع أن يدرك سنن الكون، والذي لا يعرف تاريخ أمة لن يستطيع أن يستخرج سنة سقوطها أو نهوضها.
إذن فالمشي شرط للسير، وليس نقيضًا له.
ثانيًا: السير... قراءة العلاقات
إذا انتهى المشي من دراسة الشيء... بدأ السير في دراسة علاقته بغيره.
- وهنا يتحول العقل من التحليل إلى التركيب.
- ومن الجزء إلى الكل.
- ومن القانون إلى السنة.
إن كل قانون يعمل داخل حدوده.
أما السنة فتربط قوانين متعددة في نظام واحد.
- فقانون الجاذبية يعمل.
- وقوانين السوائل تعمل.
- وقوانين الحرارة تعمل.
- وقوانين الحياة تعمل.
لكن من الذي جعل هذه القوانين لا تتعارض، بل تتكامل حتى تستمر الحياة؟
هنا يبدأ السير.
القانون ليس هو السنة
- القانون يصف علاقة محددة، أما السنة فهي النظام الذي تنتظم فيه القوانين.
- القانون يخبرك بما يحدث، أما السنة فتكشف لك لماذا يتكرر هذا النمط في مواضع مختلفة.
ولهذا فإن السنة أوسع من القانون، فقد تعمل عشرات القوانين داخل سنة واحدة، كما تعمل مئات الأعضاء داخل جسد واحد.
مثال الشجرة
حين ننظر إلى الشجرة بعين المشي...
نرى:
جذرًا.
ساقًا.
أوراقًا.
بناءً ضوئيًا.
ماءً.
أملاحًا.
عناصر غذائية.
كل ذلك صحيح.
لكن السير يرى شيئًا آخر.
يرى أن الشجرة ليست كائنًا منفصلًا.
بل عقدة داخل شبكة هائلة.
- مرتبطة بالشمس.
- والهواء.
- ودورة الكربون.
- ودورة النيتروجين.
- والحشرات.
- والفطريات.
- والبكتيريا.
- والأرض.
- والإنسان.
- والزمن.
كل شيء يعمل... حتى تقف أمامك هذه الشجرة.
فإن المشي يشرح الشجرة، أما السير فيشرح الكون الذي أخرج الشجرة.
وهنا ظهر لي تصحيح أراه مهمًا جدًا
نقول فيما سبق:
"السير هو دراسة سنن الله."
وأرى أن هذه العبارة تحتاج إلى زيادة تجعلها أدق.
فالأدق أن نقول:
السير هو اكتشاف سنن الله من خلال العلاقات بين الظواهر.
لأن السنن لا تُرى مباشرة، بل تُستنبط من تكرار الظواهر وانتظامها.
فنحن لا نرى "سنة الجاذبية"، بل نرى آثارها.
ولا نرى "سنن قيام الأمم"، بل نراها في تكرار أنماط التاريخ.
ولا نرى "سنن الرزق"، بل نراها في انتظام الأسباب والنتائج.
إذن السير ليس النظر إلى السنة مباشرة، بل اكتشافها عبر قراءة العلاقات.
وهذا يجعل تعريفك أقوى من الناحية المنهجية.
وأخيرًا...
نحن لا يجب أن نميز بين المشي والسير فقط، بل بين نوعين من العلوم:
علوم المشي: وهي العلوم التي تدرس الظواهر الجزئية، مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء والطب والهندسة وغيرها.
علوم السير: وهي العلوم التي تبحث في انتظام هذه الظواهر ضمن سنن كلية، سواء في الكون أو التاريخ أو النفس أو العمران.