أرذل العمر.. هل أخطأنا فهم الآية أربعة عشر قرنًا؟
في القرن الكريم ليس أن العمر =
السنوات، وإنما أن العمر هو ما راكمته السنوات من أثرٍ في النفس والعقل
والعمل.
ويمكن صياغته على النحو التالي:
العُمُر:
هو تراكم ما يكتسبه الإنسان أو الأمة عبر طول المقام
في الدنيا من علم، وتجربة، وتطبيق، حتى تتحول هذه التراكمات إلى بصيرة تُمكِّنه من
الربط بين الوقائع والأسباب والنتائج، فينشأ عنها تمييز أعمق مما كان عليه في
بدايات الأمر.
فالعمر في دلالته ليس مجرد امتداد الزمن،
وإنما الحصيلة التي أنتجها هذا الامتداد بحسب سياق الآية.
وبهذا الفهم يمكن قراءة الآيتين.
أولًا: قوله تعالى:
﴿وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا
فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾
فليس المقصود مجرد أن الزمن طال عليهم، بل
إن تلك القرون عاشت أزمانًا متتابعة، فتراكمت لديها الخبرات والمعارف والتجارب،
وانتقلت علوم السابقين إلى اللاحقين، حتى أصبحت تلك الحصيلة جزءًا من واقعهم الذي
يتحركون به.
فـ تطاول العمر هنا هو تطاول
أثر الزمن بما حمله من تراكمات معرفية وعملية، لا مجرد زيادة عدد السنين.
ثانيًا: قوله تعالى:
﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ
حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾
أي أن الله أمدهم بأسباب الحياة، واستمر
هذا الإمداد جيلاً بعد جيل، فتراكمت عليهم النعم والخبرات والتجارب والقدرات.
لكن هذا التراكم لم يقدهم إلى البصيرة، بل
أورثهم الغفلة والاغترار.
فالعمر هنا أيضًا ليس عدد السنين، وإنما الرصيد
المتراكم الناتج عن طول التمتع في الدنيا.
ويمكن تلخيص الدلالة هكذا:
العمر
هو مقدار ما راكمه الإنسان أو الأمة من آثار طول المقام في الدنيا، من علوم وتجارب
وأعمال وتطبيقات، وما نتج عن ذلك من بصيرة وقدرة على الربط والتمييز، أو من غفلة
واستكبار، بحسب السياق الذي يرد فيه اللفظ.
أو
بتعبير أكثر دقة:
العمر: هو تراكم آثار طول المقام في
الدنيا وما ينتج عنه من خبرة وعلم وتجربة وبصيرة أو غفلة، بحيث يصبح الإنسان أو
الأمة قادرين على الربط بين ما عاشوه من أحداث وأحوال وما انتهوا إليه من نتائج،
وفق السياق الذي يرد فيه اللفظ.
بهذه الصياغة يبقى المفهوم صالحًا في
المواضع التي يكون فيها طول العمر سببًا للهداية، كما يبقى صالحًا في المواضع التي
يكون فيها سببًا للغفلة، دون أن يقتصر على أحد الجانبين.
والآن نستعرض معنى أرذل العمر:
قال تعالى:
{وَاللهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ
الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}
(سورة النحل 70)
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ
مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ
لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى
ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى
وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ
بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا
الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (سورة الحج
5)
بعد أن استعرضنا معنى كلمة العمر البناء
الذي وصلنا إليه أصبح أكثر اتساقًا، لكن إذا أردنا أن يكون التأويل منضبطًا
فلا ينبغي أن نجمع معاني الحروف جمعًا ميكانيكيًا، بل يجب أن نسأل:
ما الحركة الواحدة التي تنتج من تفاعل هذه
الحروف؟
لأن الكلمة ليست مجموع الحروف، وإنما حركة
تنشأ من ترتيب الحروف.
لنركبها خطوة خطوة.
أولًا: الألف (أ): بداية العملية بتأليف
وجمع المتفرق وضبطه في كيان واحد، أي أن هناك حصيلة أو منظومة أصبحت متماسكة نتيجة
تراكم طويل.
ثانيًا: الراء (ر): بعد اجتماعها، تُربط هذه
المنظومة ببعضها وتحافظ على اتزانها، وتصبح عناصرها متصلة اتصالًا يجعلها تعمل
كوحدة واحدة.
إذن أصبح لدينا منظومة مترابطة من
الخبرات أو العلوم أو الأحوال.
ثالثًا: الذال (ذ): وهنا يحدث التحول.
فالذال هو: الطرف،
أو الأثر الباقي، أو أدنى صورة بعد اكتمال الأصل.
إذن الذال لا يهدم المنظومة، وإنما يدفعها
إلى أطرافها الأخيرة، فلا يبقى من الأصل إلا أثره.
وهذا يتفق مع قوله تعالى:
﴿لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا﴾
فالعلم لم يُمحَ من الوجود، وإنما لم يبق
منه إلا أثر ضعيف.
رابعًا: اللام (ل): ثم تأتي اللام لتنقل هذه
الحالة الجديدة وتجعل الإنسان متلبسًا بها.
أي أن هذا الأثر الضعيف يصبح هو الحالة
الجديدة الملازمة لصاحبه.
إذن الحركة الكاملة لكلمة (أرذل)
ليست: الرداءة.
بل هي: منظومة
كانت مؤلفة مترابطة مكتملة، ثم انحسر تماسكها تدريجيًا حتى لم يبق منها إلا
أطرافها وآثارها البعيدة، ثم استقر الإنسان في تلك الحالة الجديدة.
وعند إضافتها إلى (العمر)
في السياق العمر: الحصيلة
المتراكمة من الخبرة والتطبيق والمعرفة الناتجة عن طول المقام.
فإن:
أرذل العمر ليس آخر السن، وإنما المرحلة
التي تنحسر فيها فاعلية تلك الحصيلة المتراكمة، فلا يبقى منها إلا آثار متفرقة
وأطراف ضعيفة، بعد أن كانت منظومة مترابطة متماسكة، فيصبح الإنسان متلبسًا بهذه
الحالة الجديدة، فيضعف الربط بين علومه وتجارب حياته، فلا يعود قادرًا على
استحضارها أو الانتفاع بها كما كان من قبل.
والآية نفسها تؤيد هذا:
﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم من
بعد علم شيئًا﴾
فالرد ليس إلى سن، وإنما إلى حالة.
ولو كان المراد مجرد الشيخوخة لقال : إلى آخر العمر.
أما قوله أرذل العمر فيشير إلى أن
داخل العمر نفسه توجد مراتب؛ فهناك عمر تزداد فيه الحصيلة، ثم مرحلة تنقلب
فيها هذه الحصيلة من قوة الربط إلى ضعف الربط، ومن حضور العلم إلى بقاء أطرافه فقط.
صياغة تعريفية أدق:
أرذل العمر: هو الحالة التي
تؤول إليها الحصيلة المتراكمة من المقام في الدنيا، بعد أن كانت مؤلفة مترابطة
متماسكة، فتبدأ روابطها الداخلية بالضعف، ولا يبقى منها إلا أطرافها وآثارها
البعيدة، فيصبح الإنسان متلبسًا بهذه الحالة، فيعجز عن استحضار ما كان قد جمعه
وربطه من علم وتجربة وبصيرة، فيصدق عليه قوله تعالى: ﴿لكي لا يعلم من بعد علم شيئًا﴾.
وأرى أن هذه الصياغة أكثر اتساقًا؛ لأنها
تجعل كل حرف يؤدي وظيفة في التحول من الاكتمال إلى بقاء الأثر، بدلاً من
تفسير الكلمة على أنها مجرد "رداءة". وهي أيضًا تفسر لماذا عبّر القرآن
بـ "يُرَدُّ"؛
فالرد هنا هو رجوع المنظومة الإدراكية إلى مرحلة لا يبقى فيها من تراكمها إلا
الأثر الضعيف.