الحلقة الخامسة: أين ينتهي العلم... وأين تبدأ المعجزة؟
لو وقفت يومًا أمام ساحر، ثم وقفت في اليوم التالي أمام عالم فيزياء، ثم قرأت بعد ذلك قصة موسى عليه السلام، فقد يبدو لك أن الثلاثة يفعلون الشيء نفسه؛ جميعهم يأتون بأمور يعجز عامة الناس عن تفسيرها، ولكن هذا التشابه في الصورة هو الذي أوقع كثيرًا من الناس في الخلط، لأنهم حكموا على الأفعال من ظاهرها، ولم يسألوا عن مصدرها وحدودها.
إن الإنسان بطبيعته يحكم على النتائج قبل أن يبحث في الأسباب. فإذا رأى أمرًا غير مألوف قال: هذا سحر، أو قال: هذه معجزة، دون أن يسأل السؤال الذي يجب أن يسبق كل حكم: من أين جاءت هذه القدرة؟
فالنتائج قد تتشابه، أما المصادر فلا.
تخيل أن رجلين يقفان أمام جبل شاهق. الأول يحمل أدوات التسلق، ويقضي ساعات يصعد خطوة بعد خطوة حتى يصل إلى القمة. أما الثاني، فيحمله طائر إلى القمة في لحظات ثم يعود به إلى الأرض.
النتيجة واحدة؛ كلاهما وقف على قمة الجبل.
لكن هل الطريق واحد؟
بالطبع لا.
الأول وصل باستعمال الأسباب التي أودعها الله في الكون، وبذل جهدًا وتعلم مهارة واستفاد من القوانين التي تحكم الحركة والتوازن. أما الثاني فلم يصل بمهارته، وإنما وصل بمعونة خارج قدرته.
وهذا هو الفرق الجوهري الذي يغفل عنه كثير من الناس.
العلم يتحرك داخل الأسباب التي أذن الله للإنسان أن يكتشفها ويتعلمها ويكررها.
أما المعجزة فلا تأتي نتيجة بحث بشري، ولا ثمرة تجربة، ولا يمكن اكتسابها بالتعليم أو التدريب، وإنما يجريها الله تأييدًا لنبيه في وقت معين ولحكمة معينة.
ولهذا لم يقل موسى يومًا لقومه: "تعالوا أعلمكم كيف تصنعون العصا التي تبتلع ما صنع السحرة."
ولم يفتح مدرسة لتعليم المعجزات.
ولم يورث هذه القدرة لتلاميذه.
ولو كانت المعجزة علمًا مكتسبًا، لانتقلت كما تنتقل بقية العلوم.
لكنها لم تنتقل.
انتهت بانتهاء الحاجة إليها، لأنها لم تكن ملكًا لموسى، بل كانت آية من الله.
وهنا تظهر علامة فارقة بين العلم والمعجزة.
العلم يمكن أن يتكرر.
بل إن قيمته الحقيقية تقوم على إمكانية تكراره.
فالفيزيائي إذا أعلن عن اكتشاف جديد، فإن أول ما يفعله العلماء هو إعادة التجربة. فإذا نجحت مرة بعد مرة، عُدَّ الاكتشاف صحيحًا، وأصبح جزءًا من المعرفة الإنسانية.
أما إذا لم تتكرر، سقط الادعاء.
العلم إذن لا يخاف من التكرار، بل يعيش به.
أما المعجزة فلا تقوم على هذا الأساس أصلًا.
لم يقل أحد من الأنبياء: "أعيدوا التجربة عشر مرات حتى تتأكدوا."
ولم تكن المعجزات خاضعة لمعامل الاختبار، لأنها ليست قوانين يملكها الأنبياء، وإنما آيات يجريها الله متى شاء وكيف شاء.
وهنا قد يعترض معترض فيقول:
إذا كانت المعجزة لا تخضع للتكرار، فكيف نميزها من السحر؟
والجواب أن السحر - مهما بلغ - يبقى محكومًا بحدود الإنسان.
إنه يحتاج إلى تعلم، وإلى ممارسة، وإلى أدوات، وإلى زمن.
وقد ينجح مرة ويفشل أخرى.
وقد يوجد من هو أمهر منه.
أما المعجزة فلا تدخل أصلًا في باب المنافسة.
ولذلك لم يقل السحرة بعد ما رأوا آية موسى:
"أعطونا وقتًا حتى نتدرب أكثر."
ولم يقولوا:
"لدينا حيلة أخرى أقوى."
بل انتهت المنافسة في اللحظة نفسها.
لأنهم أدركوا أن المقارنة كانت خاطئة منذ البداية.
إنهم كانوا يقيسون ما جاء به موسى بمقياس مهنتهم، ثم اكتشفوا أن المقياس نفسه لا يصلح.
ويضرب الواقع أمثلة كثيرة تساعد على فهم هذه الفكرة.
فالإنسان يستطيع أن يصنع جناحين ويطير بطائرة، لكنه لا يستطيع أن يطير بجسده كما يطير الطائر.
ويستطيع أن يصنع جهازًا يحفظ نبض القلب، لكنه لا يستطيع أن يخلق قلبًا من العدم.
ويستطيع أن يزرع بذرة في الأرض، لكنه لا يستطيع أن يمنحها سر الحياة.
إن العلم يكتشف كيف تعمل السنن، ويستفيد منها، ويعيد توظيفها، لكنه لا يخلق السنن نفسها.
ولهذا ظل الإنسان، رغم كل ما وصل إليه، عاجزًا عن أبسط سؤال: ما الحياة؟
يستطيع أن يدرس آثارها.
ويصف مظاهرها.
ويفهم كثيرًا من قوانينها.
أما حقيقتها، فما زالت سرًا من أسرار الله.
ومن هنا يتبين أن العلم كلما تقدم، لم يلغِ الحاجة إلى الإيمان، بل كشف للإنسان اتساع ما يجهله.
ولهذا كان كبار العلماء أكثر تواضعًا من غيرهم؛ لأنهم كلما فتحوا بابًا من المعرفة، وجدوا خلفه أبوابًا أخرى لا نهاية لها.
أما المعجزة، فهي لا تأتي لتملأ فراغًا علميًا، ولا لتوقف رحلة البحث، وإنما تأتي لتثبت صدق الرسول الذي يحمل رسالة الله.
فلو كانت غاية المعجزات تعليم الفيزياء أو الطب أو الكيمياء، لتحولت رسالات الأنبياء إلى جامعات، لكن الله لم يبعث الأنبياء ليعلموا الناس صناعة السفن أو استخراج المعادن، وإنما بعثهم ليهدوهم إلى الحق، فجعل المعجزة دليلًا على صدق الرسالة، لا بديلًا عن العلم.
ومن هنا نستطيع أن نرسم الحدود الفاصلة.
العلم يبحث عن السنن.
والسحر يوظف ما خفي من السنن أو ما يظنه الناس كذلك لتحقيق التأثير والفتنة.
أما المعجزة، فهي ليست ثمرة بحث ولا مهارة، وإنما آية يجريها الله لتكون برهانًا على صدق رسوله.
وعندما تختلط هذه الحدود، يضيع الفرق بين الباحث، والساحر، والنبي.
وعندما تتضح، ندرك أن القرآن لم يكن في صراع مع العلم، بل كان في صراع مع توظيف المعرفة في التضليل، وفي الوقت نفسه يبين أن آيات الأنبياء لا تُقاس بمهارات البشر، لأنها ليست من جنسها.
لكن يبقى سؤال أخير، وهو أخطر ما في هذا البحث كله:
إذا كان العلم يكشف السنن، والسحر قد يستغل ما خفي منها، والمعجزة تأييد إلهي، فأين يقع هاروت وماروت في هذا التصنيف؟ وهل كانا يعلمان السحر، أم يعلمان علمًا تحول إلى فتنة بسبب طريقة استعماله؟
هذا السؤال سيكون محور الحلقة السادسة، لأنه الحلقة التي تربط بين قصة موسى، وقصة سليمان، وقصة هاروت وماروت، وتكشف العلاقة بين العلم والابتلاء والمسؤولية.