الحلقة السادسة: هاروت وماروت... هل علَّما الناس السحر أم كشفا لهم علمًا فصار فتنة؟
كلما ذُكرت قصة هاروت وماروت، انصرف الذهن مباشرة إلى كلمة واحدة: السحر. حتى أصبحت القصة عند كثير من الناس مرادفة لتعليم السحر، وانتهى الأمر عند هذا الحد. لكن إذا قرأنا الآيات بهدوء، وتركنا جانبًا ما اعتدنا سماعه، سنكتشف أن القرآن يدفعنا إلى طرح أسئلة لم يلتفت إليها كثيرون.
فإذا كان الله قد أرسل هاروت وماروت، فهل يعقل أن تكون مهمتهما نشر الشر بين الناس؟ وهل ينسجم ذلك مع عدل الله وحكمته؟ وكيف يجتمع التعليم مع التحذير في موضع واحد؟
هذه الأسئلة لا ينبغي الهروب منها، لأنها هي التي تفتح الباب لفهم القصة.
فالقرآن يقول:
﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾
توقف قليلًا عند ترتيب الكلمات.
لم تبدأ الآية بالتعليم.
ولم تبدأ بالعلم.
بل بدأت بالتحذير.
وكأن التحذير جزء من العلم نفسه، لا شيئًا منفصلًا عنه.
ولو كان المقصود مجرد نشر السحر، فما معنى هذا التحذير المتكرر قبل كل تعليم؟
إن هذا وحده يدل على أن القضية أعقد من الصورة الشائعة.
فالإنسان لا يُحذَّر من الجهل، وإنما يُحذَّر من سوء استعمال المعرفة.
وهذه سنة نراها في حياتنا كل يوم.
فالطبيب الذي يدرّس طلابه علم الجراحة يعلمهم كيف يفتحون جسد الإنسان، لكنه يحذرهم في الوقت نفسه من استعمال هذه المعرفة في غير موضعها.
وأستاذ الكيمياء يعلم طلابه المواد المتفجرة، لكنه لا يفعل ذلك ليعلمهم صناعة الدمار، بل ليعرفوا خصائصها وكيف يتعاملون معها.
ومهندس الأمن السيبراني يشرح لطلابه طرق اختراق الأنظمة، ليس ليصبحوا قراصنة، وإنما ليعرفوا كيف يحمون الشبكات من الاختراق.
إذن، ليست كل معرفة بخطرٍ ما دعوة إلى ممارسته، بل قد يكون كشف الخطر هو الطريق إلى الوقاية منه.
وهنا نبدأ في الاقتراب من معنى كلمة الفتنة.
فالفتنة في القرآن ليست مرادفة للشر دائمًا، وإنما هي الاختبار.
والامتحان لا يكون بالجهل، وإنما يكون بالعلم.
لا يمتحن الله الإنسان بما لا يملكه، وإنما يمتحنه بما أُعطي.
فالمال فتنة.
والسلطة فتنة.
والقوة فتنة.
والعلم كذلك فتنة.
ولذلك لم يقل هاروت وماروت: إنما نحن شر.
ولم يقولا: إنما نحن سحر.
بل قالا:
﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾.
أي إن وجود هذه المعرفة بين أيديكم سيكشف حقيقة نفوسكم؛ هل ستستعملونها في الإصلاح أم في الإفساد؟
وهنا يتغير اتجاه القصة كله.
فبدل أن يكون السؤال: ماذا كانا يعلمان؟
يصبح السؤال:
كيف استعمل الناس ما تعلَّموه؟
وهذا هو السؤال الذي يطرحه القرآن مباشرة بعد ذلك.
فلم يقل إن الناس تعلموا الخير.
ولم يقل إنهم تعلموا الشر.
بل قال:
﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾.
لاحظ أن الآية لم تقل إنهما كانا يأمران الناس بالتفريق، وإنما قالت إن الناس تعلموا ما استعملوه في التفريق.
وهنا يظهر الفرق الكبير بين المعرفة والمقصد.
فالسكين التي يستخدمها الجراح لإنقاذ الحياة، يمكن أن يستخدمها مجرم في القتل.
والسكين لم تتغير.
الذي تغير هو الإنسان.
وكذلك الذكاء الاصطناعي اليوم.
يمكن لطبيب أن يستخدمه لاكتشاف الأورام في مراحلها الأولى، فينقذ آلاف المرضى.
ويمكن لشخص آخر أن يستخدم التقنية نفسها لصناعة صور مزيفة، أو نشر الأكاذيب، أو الاحتيال على الناس.
فهل نقول إن الذكاء الاصطناعي شر؟
أم نقول إن الشر فيمن وجّه الأداة إلى غير غايتها؟
إن الفرق بين الأمرين هو الفرق بين تحميل المسؤولية للأداة، وتحميلها للإنسان.
وهذا ما تؤكده سنن الحياة كلها.
النار تطهو الطعام، وتحرق البيوت.
والماء يروي الزرع، ويغرق المدن.
والدواء يشفي، وقد يقتل إذا أسيء استعماله.
ولم يقل أحد إن النار شر لأنها تحرق، أو إن الماء شر لأنه يغرق.
لأن العقل يدرك أن الحكم لا يكون على الأداة وحدها، بل على طريقة استخدامها.
ومن هنا يبدو أن القضية في قصة هاروت وماروت ليست في وجود المعرفة، بل في الأمانة الأخلاقية لحامل المعرفة.
ولهذا كان التحذير يسبق التعليم.
وكان الامتحان يسبق القدرة.
وكانت المسؤولية تسبق الفعل.
وهنا تظهر سنة تتكرر في القرآن كله.
كلما اتسعت قدرة الإنسان، اتسعت مسؤوليته.
فالذي يملك كلمة يؤثر بها في الناس، ليس كمن لا يملكها.
والذي يملك مالًا، ليس كمن لا يملكه.
والذي يملك علمًا، ليس كمن يجهله.
ولهذا كان العلم من أعظم مواطن الابتلاء، لأنه يمنح صاحبه قدرة على التأثير في حياة الآخرين.
ولعل هذا هو السبب في أن الحضارات لا تنهار حين تفتقر إلى المعرفة، بقدر ما تنهار حين تنفصل المعرفة عن القيم.
فقد تمتلك أمة أعظم العلوم، ثم تستخدمها لصناعة أسلحة الإبادة.
وقد تمتلك أمة أخرى العلم نفسه، ثم تستخدمه لعلاج الأمراض وإطعام الجائعين.
العلم واحد.
لكن الإنسان ليس واحدًا.
ومن هنا لا يعود السؤال: هل المعرفة خير أم شر؟
بل يصبح السؤال: أي إنسان يحمل هذه المعرفة؟
وهذا يقودنا إلى باب جديد، هو أخطر أبواب هذا البحث.
فإذا كان العلم قد يتحول إلى فتنة عندما ينفصل عن الأخلاق، فكيف كان ملك سليمان عليه السلام مختلفًا؟ وكيف اجتمع عنده العلم والسلطان والقدرة، ولم يتحول ملكه إلى أداة فساد؟
هذا هو السؤال الذي سنبدأ به الحلقة السابعة، لأنه يربط بين قصة هاروت وماروت، وقصة سليمان عليه السلام، ويكشف أن المشكلة لم تكن يومًا في امتلاك القوة، وإنما في الغاية التي تُسخَّر لها القوة.