الإركاس في القرآن الكريم
قراءة تأويلية في ضوء منهج التأويل بالحرف
القرآني
قال تعالى:
﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ
فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُوا
مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ ۖ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾.
وقال تعالى:
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن
يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ ۚ كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
منهج التأويل بالحرف القرآني ينطلق من أن
الكلمة ليست مجموعة أصوات متجاورة، وإنما بناء دقيق، لكل حرف فيه شخصية ووظيفة، ثم
تتآلف الحروف لتنتج المعنى النهائي.
لذلك فإن فهم لفظ (أركس) لا يبدأ من البحث عن معناه المعجمي،
وإنما يبدأ من التعرف إلى شخصية الحروف التي كوّنته، ثم دراسة طريقة اجتماعها داخل
الكلمة، ثم إسقاط ذلك على السياق القرآني.
فالجذر )ركس)
يتكون من ثلاثة حروف:
الراء، والكاف، والسين،
وكل واحد منها يؤدي وظيفة مستقلة، ثم تتكامل هذه الوظائف لتنتج صورة الإركاس كما
أرادها القرآن.
إن أول حروف الكلمة هو الراء، والراء
رمز الربط والسيطرة والاتصال الخفي، وهو القوة التي تجمع بين الأضداد،
وتحافظ على التوازن، وتمسك أطراف المعنى حتى لا يتشتت. وهو كذلك الحرف الذي يربط
السبب بنتيجته، والفعل بأثره، والظاهر بباطنه، فيبقى الاتصال قائمًا بين جميع
المراحل.
كما أن عمله يدور حول الربط والتوازن
والتحكم والانسياب المتصل، فهو ليس مجرد وصل، بل وصل حي يجعل العلاقة قائمة
ومؤثرة باستمرار.
ولذلك لم تبدأ كلمة ركس بحرف يدل
على الانقطاع أو السقوط، وإنما بدأت بحرف يدل على وجود رابطة قائمة.
وهذه بداية في غاية الدقة؛ لأن المنافق لم
يُلقَ في الإركاس إلقاءً منفصلًا عن أفعاله، وإنما بقي مرتبطًا بها، وبقيت أعماله
متصلة بنتائجها اتصالًا لا ينفصم.
فالإركاس ليس حادثة منفصلة عن الإنسان، بل
هو استمرار للرابطة بين ما اختاره وبين ما آل إليه.
فالراء في مطلع الكلمة تعلن أن ما سيأتي
بعدها لن يكون فعلًا عشوائيًا، وإنما نتيجة مرتبطة بسببها ارتباطًا محكمًا.
ثم ينتقل البناء إلى الكاف، والكاف
هو رمز الإطار والثبات والاكتفاء الذاتي، وأنه الحرف الذي يحفظ الشيء داخل
حدوده، ويضبط شكله، ويمنع تشتته، وأن جوهره هو الاحتواء والتنظيم، حيث
يكوّن حدودًا تحفظ المادة أو المعنى من الانحلال.
بعد أن أنشأت الراء رابطة بين الإنسان
وعمله، جاءت الكاف لتبين أن هذه الرابطة لا تبقى حركة عابرة، وإنما تتحول إلى إطار
يحيط بصاحبها.
فالإنسان لا يعود خارج نتائج عمله، بل
يصبح داخلها، وتصبح هي البيئة التي تنظّم حركته وتحدد اتجاهه.
وهنا يظهر الفرق بين الخطأ العابر وبين
الحالة المستقرة؛ فالخطأ قد يقع ثم يزول، أما حين يدخل الكاف في بناء الكلمة فإنه
يرسم حدودًا جديدة يعيش الإنسان داخلها.
ثم تختم الكلمة بحرف السين، وهو رمز
السنن والاستمرار والنظام الكوني المنتظم، ويمثل النسق الدائم الذي تسير عليه
الأشياء وفق قانون لا يختل، ويدل على الحركة المنتظمة، وعلى التوازن بين السكون
والامتداد، كما يعبر عن النفوذ والتمكن والإحاطة الدقيقة.
ومن هنا فإن السين لا تسمح بأن يكون
الإركاس حالة مؤقتة، بل تحوله إلى سنة جارية، ومسار مستمر، ونظام يعيد إنتاج نفسه
كلما تكررت أسبابه.
فالحالة التي دخلها الإنسان لا تتوقف عند
لحظة واحدة، وإنما تصبح قانونًا يحكم حركته حتى يغيّر هو أسبابها.
وعندما تجتمع الحروف الثلاثة يظهر البناء
الكامل للكلمة.
· فالراء تربط الإنسان بأثر عمله.
· والكاف تجعل هذا الأثر إطارًا يحتضنه.
· والسين تجعل ذلك الإطار نظامًا مستمرًا
وسنة متكررة.
ومن هنا لا يعود الإركاس مجرد سقوط، بل
يصبح انتقال الإنسان إلى إطار يحيط به نتيجة أعماله، ثم استقرار هذا الإطار حتى
يغدو قانونًا يحكم حركته.
ثم تأتي الهمزة في قوله تعالى ﴿أركسهم﴾
لتضيف بعدًا آخر إلى المعنى.
فالجذر لم يبق وصفًا لحالة قائمة، وإنما
أصبح فعلًا واقعًا عليهم.
وهنا لا تُنشئ الهمزة معنى جديدًا منفصلًا
عن الجذر، وإنما تُظهر انتقال أثر ذلك البناء إلى صاحبه، فيصبح الإنسان داخل دائرة
الإركاس التي كوّنها بنفسه.
ولهذا قال سبحانه:
﴿والله أركسهم بما كسبوا﴾.
إن مفتاح الآية ليس في كلمة أركسهم
وحدها، وإنما في قوله ﴿بما كسبوا﴾.
فالراء تربط، والكاف تحتضن، والسين تستمر، لكن القرآن
يبين أن بداية هذه السلسلة كانت من الكسب.
فالكسب هو الذي أنشأ العلاقة، ثم تحولت
العلاقة إلى إطار، ثم صار الإطار سنة مستقرة.
ولذلك لم تنفصل النتيجة عن السبب، بل بقيت
مرتبطة به من أول الكلمة إلى آخر الآية.
فالله سبحانه لم يصفهم بالإركاس ابتداءً،
وإنما أخبر أنه أركسهم بما كسبوا؛ أي إن أعمالهم هي التي كوّنت البيئة التي
انتهوا إليها، ثم جرت سنة الله فيهم على وفق ما اختاروا لأنفسهم.
ثم تأتي الآية الثانية لتكشف مرحلة أخرى
من القانون نفسه:
﴿كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها﴾.
هنا لم يعد الحديث عن سبب الإركاس، لأن
السبب قد سبق بيانه، وإنما صار الحديث عن البيئة التي تستقبلهم كلما عادوا إليها.
ولذلك جاء التعبير ﴿فيها﴾.
فلم يقل: أركسوا بها، وإنما قال: فيها؛
لأن الإركاس بلغ مرحلة أصبح فيها الإنسان داخل إطار الفتنة، لا مجرد ملامس لها،
ولكنه في إطار التخبط فيما بينهم.
فالتخبط لم يعد حدثًا خارجيًا، وإنما أصبح
محيطًا يتحركوا داخله.
ولفظ ﴿كلما﴾ ينسجم تمامًا مع شخصية
السين؛ لأنه يدل على التكرار والاستمرار.
فكل عودة إلى الفتنة تعني عودة إلى إطار التخبط
نفسه.
ولذلك لا يكون الإركاس حادثة منفردة،
وإنما دورة متكررة يعيد الإنسان إنتاجها كلما رجع إلى الأسباب التي أنشأتها وهي
فتنة مقاتلة المسلمين.
كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أُرْكِسُوا فِيهَا
جاءت الدال بتشكيل الشدة التي تفيد أشباه
الحركة والفعل أو جزء منه أو شِق منه فقط أي كل ما تحكموا في أنفسهم وسيطروا عليها ليردوا
قوة دعوة قومهم لقتال المؤمنين بما فيها من فتنة وكاد أن ينتقل ردهم من باطن
نفوسهم إلى ظاهرها وإعلان رفضهم للفتنة أُرْكِسُوا فِيهَا .. وجاءت الكاف بالكسر
أي خرجوا عن التوافق في إعلان الرفض للقتال وارتباطهم وسيطرتهم على الرفض فلم
يتوافقوا عليه ولم يتمكن من نفوسهم في ظاهرهم كما في باطنهم، فلم يستطيعوا إعلان
رفضهم للحرب لقومهم - لذلك جاء بعدها قول الله تعالى :
(فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ ۚ وَأُولَـٰئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) فلابد من بيان ردهم لدعوة قومهم للحرب والفتنة بشكل واضح وإلا أصبح للمؤمنين عليهم سلطاناً
وهنا يتجلى الفرق الدقيق بين الآيتين.
فالآية الأولى تكشف منشأ الإركاس،
وهو الكسب.
أما الآية الثانية فتكشف دوام الإركاس،
وهو البقاء داخل بيئة الفتنة كلما عاد إليها الإنسان.
· فالأولى تتحدث عن صناعة الإطار الذي صنع
بالتبعية الضلال.
· والثانية تتحدث عن العيش داخل الإطار ولكن
هنا إطار التخبط والعودة لمقاتلة المسلمين.
ومن خلال هذا البناء يتضح أن القرآن لم
يختر لفظ الإركاس ليعبر عن مجرد العقوبة، وإنما اختاره لأنه يرسم رحلة
كاملة تبدأ برابطة بين العمل وصاحبه، ثم تتحول إلى إطار يحتضنه، ثم تصبح سنة
مستمرة تحكم حياته.
وهذا هو سر اجتماع الراء والكاف والسين في
كلمة واحدة؛ إذ إن كل حرف يؤدي مرحلة لا يؤديها غيره، ولا يكتمل المعنى إلا
باجتماعها جميعًا.
خلاصة المعاني
يتبين من هذا التأويل أن الراء هي
حرف الربط والسيطرة والاتصال؛ فهي تحفظ العلاقة بين العمل وصاحبه، وتمنع انفصال
النتيجة عن سببها، والكاف هي حرف الإطار والاحتواء؛ فهي تحول تلك العلاقة إلى واقع
يحيط بالإنسان ويضبط حركته، أما السين فهي حرف السنن والاستمرار؛ فتحول ذلك الواقع
إلى قانون متكرر لا ينكسر إلا بتغيير أسبابه.
وعليه فإن ركس ليس مجرد انتقال إلى
حال مذمومة، بل هو ارتباط الإنسان بعمله، ثم احتواؤه داخل نتائجه، ثم استمرار تلك
النتائج حتى تصبح نظامًا يحكمه.
وأما أركسهم بما كسبوا فتعلن أن
الكسب هو أصل هذا البناء كله، وأن سنة الله تجري على الإنسان وفق ما صنعه بنفسه.
وأما أركسوا فيها فتكشف أن الفتنة
لم تعد أمرًا يواجهونه من الخارج، بل أصبحت الإطار الذي يعيشون فيه كلما عادوا إلى
أسبابها.
ومن ثم فإن الإركاس – في ضوء منهج التأويل
بالحرف القرآني – ليس فعلًا منفصلًا عن الإنسان، ولا عقوبة عشوائية، وإنما سنة
تبدأ باختيار، ثم تتحول إلى احتواء، ثم تستقر حتى تصبح نظامًا يعيد تشكيل صاحبه،
فلا يخرج منه إلا إذا غيّر ما أنشأه من أسبابه.
وهذا يتسق مع عصرنا الحالي:
يمكن إضافة هذا الجزء بعد فقرة "ومن ثم فإن الإركاس – في
ضوء منهج التأويل بالحرف القرآني..."
مباشرة، ليكون تطبيقًا معاصرًا على القانون الذي
استخرجته من الآيتين، دون الخروج عن منهج المقال.
الإركاس في واقعنا المعاصر
إذا كانت الآيتان قد كشفتا أن الإركاس
يبدأ بـ ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾ ثم ينتهي إلى ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾، فإن
هذا القانون لا يقتصر على أشخاص بأعيانهم، بل يكشف سنةً عامةً تحكم الأمم كما تحكم
الأفراد.
فالأمة لا تنتقل إلى مرحلة الإركاس فجأة،
وإنما تبدأ أولًا بما تكسبه من أعمال، ثم تتراكم تلك الأعمال حتى تتحول إلى بيئةٍ
تعيش داخلها، فلا تعود ترى فسادها فسادًا، بل تراه أمرًا طبيعيًا لا يحتاج إلى
مراجعة.
ولو تأملنا واقع المسلمين اليوم لوجدنا أن
مظاهر الكسب لم تعد تقتصر على معصية فردية أو خطأ عابر، وإنما امتدت إلى معظم
مناحي الحياة.
فكسبت الأمة التفرق بدل الاجتماع،
والعصبية بدل الأخوة، والمصلحة الخاصة بدل المصلحة العامة، والظلم بدل العدل،
والفساد الإداري بدل الأمانة، والرشوة بدل النزاهة، والكذب الإعلامي بدل تحري
الحقيقة، والولاءات الضيقة بدل الولاء لله ولرسوله ولجماعة المؤمنين.
ومع استمرار هذا الكسب، لم يبق أثره في
حدود الأفعال، بل بدأ يعيد تشكيل واقع الأمة نفسه. وهنا يتجلى معنى الإركاس؛ إذ لم
تعد هذه المظاهر مجرد أخطاء تقع بين حين وآخر، وإنما أصبحت الإطار الذي تُدار
داخله كثير من مؤسسات الحياة، حتى نشأ جيل يرى هذه الانحرافات وكأنها هي الأصل،
ويستغرب من يدعو إلى الإصلاح أكثر مما يستغرب من الفساد نفسه.
وهنا تتجلى دقة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾؛
فالإركاس لم يبدأ من الخارج، وإنما بدأ من الكسب نفسه.
وكلما تراكم الكسب الفاسد، اتسع الإطار
الذي يحتويه، حتى أصبح واقعًا عامًا يفرض منطقه على الجميع.
وتتضح الصورة بصورة أشد في المشهد السياسي
والعسكري الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط.
فكثير من الصراعات التي تدور بين المسلمين
لا تنشأ من مشروع حضاري يجمع الأمة، ولا من رؤية مستقلة تحقق مصالحها، وإنما
كثيرًا ما تتحرك داخل منظومات دولية أكبر، تتحدد فيها مسارات الصراع وحدوده
وأدواته وفق موازين القوى العالمية.
وحين تفقد الأمة قدرتها على صناعة قرارها،
وتصبح ردود أفعالها مبنية على سياسات غيرها، فإنها تدخل في دائرة تعيد إنتاج
الصراع مرة بعد أخرى.
فيُستنزف المال، وتُستنزف الجيوش،
وتُستنزف الطاقات، بينما تبقى أسباب الصراع قائمة، وكأن الجميع يدور داخل دائرة
مغلقة لا يستطيع الخروج منها.
وهنا تتجلى الآية الثانية: ﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أُرْكِسُوا فِيهَا﴾.
فالفتنة ليست مجرد معركة عسكرية، ولا مجرد
خلاف سياسي، بل قد تتحول إلى منظومة كاملة يعيش الناس داخلها، فتُعاد إثارة
أسبابها كلما خمدت، ويُعاد توجيه الأطراف إلى ميادين جديدة، فتتكرر الدورة نفسها،
وتتكرر معها النتائج نفسها.
وعندما تغيب المراجعة الصادقة، ويظل كل
طرف يظن أن الحل هو مزيد من الصدام، دون معالجة الجذور التي صنعت الأزمة، فإن
الأمة لا تخرج من الفتنة، بل تعود إليها كل مرة بصورة جديدة، فيتحقق معنى ﴿أُرْكِسُوا
فِيهَا﴾؛ أي أصبحوا داخل إطار الفتنة نفسها، تتحكم في قراراتهم، وتستهلك
طاقاتهم، وتعيد تشكيل واقعهم.
ولا يعني هذا أن كل نزاع أو كل موقف سياسي
يُحكم عليه بالحكم نفسه، فلكل قضية ظروفها وملابساتها، ولكن الآية تكشف قانونًا
عامًا: أن الأمة إذا تراكم كسبها الفاسد، ثم لم تُصلح أسبابه، فإنها قد تجد
نفسها تعيش داخل بيئة تعيد إنتاج أزماتها باستمرار، حتى يصبح الخروج منها بالغ
الصعوبة.
ومن هنا فإن الخطر الحقيقي ليس في وقوع
الفتنة مرة واحدة، وإنما في أن تتحول الفتنة إلى بيئة دائمة، وأن يصبح الإنسان أو
الأمة جزءًا من نظامها، فيتحرك داخله دون أن يشعر أنه فقد القدرة على صناعة طريق
آخر.
وهكذا يربط القرآن بين الكسب والإركاس
ربطًا محكمًا؛ فالكسب الفاسد يصنع الإطار، والإطار يعيد تشكيل الإنسان، ثم يصبح
الإنسان جزءًا من البيئة التي صنعها بنفسه، فيستمر في إنتاج الأسباب التي أوقعته
فيها أول مرة. وهذه هي أخطر مراحل الإركاس؛ لأنها تجعل الأمة لا تكتفي بالعيش داخل
الأزمة، بل تشارك – من حيث تشعر أو لا تشعر – في إعادة إنتاجها جيلاً بعد جيل.
الإركاس والضلال... مرحلتان في مسار الانحراف
قال تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا ۚ
أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ﴾
لم يجمع القرآن بين الإركاس والضلال
في آية واحدة على سبيل الترادف، لأن كل لفظ منهما يرسم مرحلة مختلفة في رحلة
الانحراف.
فالإركاس يصف ما يحدث داخل الإنسان، بينما
الضلال يصف ما ينتهي إليه بعد أن تستقر تلك الحالة في نفسه.
ومنهج التأويل بالحرف القرآني يكشف هذا
الفرق من خلال شخصيات الحروف التي بُني عليها كل جذر.
لقد تبين أن الجذر (ركس (يجمع
بين الراء والكاف والسين؛ فالراء تربط الإنسان بنتائج عمله، والكاف تحيطه بإطار
يحتضن تلك النتائج، ثم تأتي السين لتجعل هذا الإطار سنةً مستمرة ونظامًا متكررًا.
ومن هنا كان الإركاس هو إعادة تشكيل
البيئة الداخلية للإنسان حتى تصبح أعماله الفاسدة هي العالم الذي يعيش داخله.
أما الجذر (ضل) فقد بُني من الضاد واللام،
ولكل منهما وظيفة مختلفة تكمل الصورة.
فالضاد هو حرف التضاد والضغط والضمور،
وهو الحرف الذي يكشف نشوء حالة من التنافر بين الحق والباطل، حتى يدخل الإنسان في
صراع مع الفطرة التي خُلق عليها.
ومع استمرار هذا التضاد يبدأ الضغط
الداخلي، فتضيق مساحة الحق في القلب، وتنكمش الفطرة شيئًا فشيئًا، ويضعف حضورها
أمام ضغط الباطل المتزايد.
فالضاد لا يصف مجرد الاختلاف، وإنما يصف
حالة من الانحصار والانقباض تجعل الإنسان يفقد سعته الأولى، حتى يصبح الحق غريبًا
في نفسه بعد أن كان موافقًا لفطرته.
ثم تأتي اللام، وهي حرف التلاحم
والاتصال والربط، لتبين أن الإنسان بعد أن ضاقت فطرته لم يبقَ في حالة صراع
فحسب، بل بدأ يلتحم بما كان يعاديه.
فاللام تنقل الإنسان من مجرد الضغط
الداخلي إلى الارتباط الفعلي، فيلتصق بالباطل، ويتآلف معه، ويصبح جزءًا من منظومته
الفكرية والسلوكية، حتى يغدو انفصاله عنه أمرًا عسيرًا.
ومن اجتماع الضاد واللام يتكون معنى
الضلال؛ فهو ليس مجرد الجهل بالطريق، وإنما هو انتقال الإنسان من حالة التضاد مع
الحق إلى الارتباط بغيره، حتى ينفصل عن طريق الهداية ويلتحم بطريق آخر يناقضه.
ومن هنا يظهر الفرق الدقيق بين الإركاس
والضلال.
فالإركاس يعيد تشكيل البيئة الداخلية.
أما الضلال فيعيد توجيه المسار الخارجي.
الإركاس يجعل الإنسان يعيش داخل إطار
الفساد.
والضلال يجعله يسير في طريق الفساد.
الإركاس يهيئ النفس لقبول الباطل.
والضلال يجعل الباطل هو الوجهة التي
يقصدها الإنسان بإرادته.
ولهذا بدأ الله سبحانه بالإركاس فقال:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُوا﴾
ثم أتبعه بقوله:
﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ
اللَّهُ﴾
فترتيب الآية يكشف ترتيب السنة الإلهية
نفسها؛ إذ يبدأ الإنسان بكسبه، ثم يحيط نفسه بنتائج ذلك الكسب حتى يُركس فيها،
فإذا استقرت تلك البيئة في داخله، نشأ عنها الضلال، لأن النفس التي امتلأت بالباطل
لم تعد ترى الحق على حقيقته، بل أصبحت تتحرك في الاتجاه الذي صنعته لنفسها.
وبهذا يتبين أن الإركاس هو مرحلة
البناء الداخلي للانحراف، أما الضلال فهو مرحلة الحركة بذلك الانحراف.
فالإركاس يغيّر الإنسان من الداخل،
والضلال يغيّر طريقه في الخارج.
ولهذا لم يكن من الممكن أن يقول القرآن: والله
أضلهم بما كسبوا في هذا الموضع؛
لأن المقام أراد أن يكشف أولًا عن السبب الذي أعاد تشكيل نفوسهم، ثم بيّن النتيجة
التي ترتبت على ذلك. فالإركاس يسبق الضلال، والضلال ثمرة الإركاس، والهداية لا
تكون إلا بإزالة أسباب الإركاس قبل محاولة تصحيح مسار الضلال.
وعلى ضوء هذا البناء الحرفي، فإن أخطر ما
يصيب الإنسان ليس أن يضل الطريق فحسب، بل أن يُركس أولًا؛ لأن الضال قد يرجع إذا
عرف الطريق، أما من استقر الإركاس في نفسه فقد أصبحت البيئة التي يعيش فيها تعيد
إنتاج الضلال كلما حاول الخروج منه، حتى يغيّر الكسب الذي أنشأ هذا الإركاس من
بدايته.
أمثلة تطبيقية في واقعنا المعاصر:
مثال تطبيقي (1): كيف ينتقل الشَّتَّام اللعَّان من الإركاس إلى الضلال؟
من أوضح الأمثلة التي تُجسد هذا القانون
ما نراه في الإنسان الذي اعتاد الشتم واللعن.
فهو في بدايته لا يولد شتّامًا، وإنما
يبدأ الأمر بكلمة يقولها عند الغضب، ثم يكررها مرة بعد أخرى حتى تصبح عادة مكتسبة.
وهنا تبدأ مرحلة ﴿بِمَا كَسَبُوا﴾؛
فكل لفظة بذيئة ينطق بها هي كسب جديد، وكل موقف يختار فيه السباب بدل الكلمة
الطيبة يضيف لبنة جديدة في بناء نفسه.
ومع كثرة هذا الكسب يبدأ الإركاس؛ إذ
ترتبط نفسه بهذا السلوك، ثم يحتضنه كيانه، ثم يستقر فيه حتى يصبح جزءًا من شخصيته.
فبعد أن كان الشتم فعلًا يفعله، أصبح
الشتم هو الذي يقوده.
فإذا غضب شتم، وإذا خاصم لعن، وإذا اختلف
أساء، وإذا ناقش جرح الآخرين.
ولم يعد يحتاج إلى التفكير قبل أن ينطق؛
لأن الإركاس قد جعل هذا السلوك هو الإطار الطبيعي الذي تتحرك داخله نفسه.
وهنا يتحقق معنى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾
فلم يكن الإركاس بسبب كلمة واحدة، وإنما
بسبب كسبٍ تكرر حتى أعاد تشكيل النفس، فأصبحت الألفاظ الخبيثة تخرج منها بعفوية
كما يخرج الماء من النبع.
لكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد.
فبعد أن استقر الإركاس، تبدأ مرحلة الضلال.
فيصبح هذا الإنسان لا يرى في الشتم قبحًا،
بل يعده قوة شخصية، ويرى الأدب ضعفًا، والحلم جبنًا، وحسن الخلق تصنعًا؛ بل ربما
يسخر ممن يحفظ لسانه، ويصفه بأنه لا يستطيع الرد أو الدفاع عن نفسه.
وهنا لم يعد قد تغيّر سلوكه فقط، بل تغيّر
ميزان الحق والباطل في داخله. فالذي كان يستحي منه أصبح يفتخر به، والذي
كان يراه خطأ أصبح يراه صوابًا.
وهذه هي حقيقة الضلال؛ إذ لم يعد منحرفًا
في ألفاظه فحسب، بل انحرف في حكمه وتقديره، فأصبح يسير في اتجاه يعاكس الفطرة وهو
يظن أنه على صواب.
ومن هنا يتبين الفرق بين المرحلتين.
فالإركاس جعل الشتم طبعًا.
والضلال جعله مبدأً.
الإركاس جعل اللسان يعتاد القبيح.
والضلال جعل العقل يدافع عن القبيح.
الإركاس غيّر السلوك.
والضلال غيّر القناعة.
ولهذا قد يقبل الإنسان النصيحة في بداية
الطريق؛ لأن الإركاس لم يكتمل بعد.
أما إذا استقر الضلال، فإنه لا يكتفي برفض
النصيحة، بل قد يعادي من ينصحه، لأنه أصبح يرى أن ما هو عليه هو الحق، وأن غيره هو
المخطئ.
وهكذا تتجلى السنة القرآنية؛ فالكسب
المتكرر لا يصنع عادةً فحسب، بل يصنع بيئةً داخليةً تحتضن تلك العادة، ثم يتحول
هذا الاحتضان إلى ضلال في التصور والحكم، فيصبح الإنسان أسيرًا لما كسب بيده،
ومصدقًا لما صنعه لنفسه، حتى يهيئ الله له توبةً صادقةً تكسر دائرة الإركاس، فيعود
إلى فطرته الأولى قبل أن يستحكم الضلال في قلبه.
مثال تطبيقي (2): كيف ينتقل الفساد والرشوة من الإركاس إلى الضلال؟
ومن الأمثلة التي تُجسد هذا القانون أيضًا
ما يحدث في المجتمعات التي ينتشر فيها الفساد الإداري والرشوة.
ففي البداية تكون الرشوة فعلًا مستنكرًا،
ويعلم الموظف أو المسؤول أنها مخالفة للأمانة، وربما يتردد كثيرًا قبل أن يقبلها
لأول مرة.
وهنا لا يزال صوت الفطرة حاضرًا، ولا يزال
الحق واضحًا في نفسه.
لكن عندما يقبل الرشوة مرة، ثم يعاودها
ثانية، ثم يجعلها وسيلة لقضاء المصالح، يبدأ معنى قوله تعالى:
﴿بِمَا كَسَبُوا﴾
فكل رشوة ليست مجرد مال يُقبض، بل هي كسب
جديد يعيد تشكيل النفس، وكل مرة يُقدَّم فيها الهوى على الحق، أو تُباع فيها
الأمانة من أجل منفعة، يزداد هذا البناء رسوخًا.
ثم تبدأ مرحلة الإركاس.
فبعد أن كانت الرشوة استثناءً، تصبح عادة،
ثم تتحول إلى نظام حياة، ويصبح الموظف لا يرى عمله إلا من خلالها، ولا يتحرك إلا
إذا حصل على مقابل، ولا يقيس نجاحه بإتقان عمله، بل بما يجمعه من مكاسب غير مشروعة.
وهنا لم يعد الفساد تصرفًا عارضًا، بل
أصبح البيئة التي يعيش داخلها، والإطار الذي يفسر به كل شيء.
فإذا رأى موظفًا أمينًا استغربه، وإذا وجد
مسؤولًا نزيهًا عده ساذجًا، لأن الإركاس قد أعاد تشكيل موازين النفس.
ثم تأتي المرحلة الأخطر، وهي الضلال.
فلا يكتفي صاحب الرشوة بممارستها، بل يبدأ
في تبريرها، فيقول :الجميع
يفعل ذلك، أو الراتب لا يكفي، أو هذا
حقنا الضائع، أو لن تسير الأعمال إلا بهذه الطريقة؛ بل ربما يسخر ممن
يرفض الرشوة، ويصفه بأنه لا يفهم الواقع أو لا يعرف كيف تُدار الحياة.
وهنا يكون قد انتقل من الإركاس إلى الضلال.
فالإركاس جعله يعيش داخل منظومة الفساد.
والضلال جعله يؤمن بأن منظومة الفساد هي
المنظومة الصحيحة.
الإركاس غيّر سلوكه.
والضلال غيّر قناعته.
الإركاس جعله يألف الرشوة.
والضلال جعله يدافع عنها، ويبحث لها عن
المبررات، وربما دعا غيره إليها.
وهنا تتجلى دقة التعبير القرآني؛ إذ لم
يقل سبحانه إنهم أُركسوا بلا سبب، وإنما قال:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾
فالكسب المتكرر هو الذي صنع هذا الواقع،
ثم أصبح هذا الواقع إطارًا يحتضن صاحبه حتى فقد القدرة على رؤية الحق كما هو.
ولو انتشر هذا المسار بين أفراد المجتمع،
لم يعد الفساد حالة فردية، بل تحول إلى ثقافة عامة، وأصبح من يرفض الرشوة هو
المستغرب، بينما يُنظر إلى المرتشي على أنه إنسان "يفهم الدنيا".
وعند هذه المرحلة لا يكون المجتمع قد وقع
في الفساد فقط، بل يكون قد دخل في الضلال؛ لأن ميزان الحق والباطل قد انقلب، وأصبح
المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا.
وهكذا يكشف القرآن أن أخطر آثار الفساد
ليست الأموال التي تُنهب، ولا الحقوق التي تُضيَّع، وإنما التحول التدريجي الذي
يصيب النفوس؛ إذ يبدأ الأمر بكسبٍ محرم، ثم ينتهي بإركاسٍ يطبع الشخصية، ثم بضلالٍ
يجعل الإنسان يدافع عن فساده، ويعده جزءًا طبيعيًا من نظام الحياة.
مثال تطبيقي (3): كيف يتحول الفساد الإداري من الإركاس إلى الضلال؟
ومن أكثر الصور وضوحًا في بيئة العمل ما
يحدث عندما يصل شخص إلى منصب قيادي لا اعتمادًا على الكفاءة أو الاستحقاق، وإنما
عن طريق الواسطة أو جماعات المصالح.
ففي البداية قد يدرك هذا المدير في داخله
أنه لم يصل إلى موقعه بالمعايير الصحيحة، فيشعر بعدم الاستقرار والخوف من ظهور من
هم أكفأ منه.
وهنا يبدأ الكسب.
فبدل أن يعالج هذا النقص بتطوير نفسه،
يبدأ في صناعة بيئة تحمي موقعه.
فيقرّب أصحاب الولاء، ويُبعد أصحاب
الكفاءة، ويجعل معيار الترقية هو الطاعة الشخصية لا جودة العمل، ويغض الطرف عن
أخطاء المقربين، بينما يشدد الرقابة على من يخالفه أو يناقشه.
وكل قرار من هذه القرارات هو كسب جديد
يضيف لبنة إلى منظومة الفساد.
ومع تكرار هذا الكسب تبدأ مرحلة الإركاس.
فلم يعد المدير يمارس هذه التصرفات على
استحياء، بل أصبحت هي أسلوبه الطبيعي في الإدارة.
ولم يعد يرى المؤسسة فريقًا واحدًا يعمل
لتحقيق هدف مشترك، وإنما أصبحت في نظره مجموعة مراكز قوى ينبغي إدارتها بما يضمن
بقاءه في المنصب.
ومن هنا تظهر إحدى أخطر الممارسات التي
تناولتها علوم الإدارة والسلوك التنظيمي، وهي تكوين جماعات المصالح داخل
المؤسسة، بحيث تُبنى العلاقات على تبادل المنافع لا على تحقيق رسالة العمل.
فينشأ حول المدير ما يشبه الحلقة المغلقة؛
تُمنح فيها الامتيازات لأصحاب الولاء، وتُحجب المعلومات عن الآخرين، ويُعاد توزيع
النفوذ بما يخدم استمرار هذه الحلقة.
ثم تتطور المنظومة إلى سياسة "فرّق تسد".
فيُزرع الشك بين الزملاء، وتُنقل الأحاديث
من فريق إلى آخر، وتُغذى المنافسات الشخصية، ويُكافأ من ينقل الأخبار أكثر ممن
ينجز العمل، لأن تماسك العاملين أصبح يمثل خطرًا على استمرار جماعة المصالح، بينما
انقسامهم يمنحها مزيدًا من السيطرة.
وهنا يتحقق معنى قوله تعالى:
﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾
فالإركاس لم يكن في قبول الواسطة وحدها،
ولا في قرار واحد من قرارات الظلم، وإنما في تراكم تلك المكاسب الفاسدة حتى أصبحت
الإطار الذي تُدار به المؤسسة.
فصار الظلم هو القاعدة، والعدل هو
الاستثناء، وأصبحت العلاقات الشخصية هي معيار التقييم، لا الكفاءة ولا الإنجاز.
ثم تأتي مرحلة الضلال، وهي الأخطر.
فلا يعود المدير يرى نفسه ظالمًا، بل
يقتنع أن هذه هي الإدارة الناجحة.
ويبدأ بتبرير ممارساته قائلًا: لا أثق
إلا في رجالي، أو لا بد من إحكام السيطرة، أو الولاء أهم من الكفاءة،
أو إثارة التنافس بين الموظفين تزيد الإنتاج.
ومع
مرور الوقت يتحول هذا التبرير إلى قناعة راسخة، فيرى أن من يطالب بالشفافية يهدد
استقرار المؤسسة، وأن أصحاب الكفاءة المستقلين يمثلون خطرًا على النظام الإداري
القائم.
وهنا لم يعد الفساد مجرد ممارسة، بل أصبح فلسفة
إدارة.
فالإركاس جعل المؤسسة تعيش داخل بيئة
الفساد.
والضلال جعل القائمين عليها يؤمنون أن
الفساد هو الطريق الصحيح لإدارتها.
ولذلك إذا غادر أحد أفراد جماعة المصالح،
سارعوا إلى استبداله بآخر يحمل الفكر نفسه، لأن القضية لم تعد مرتبطة بأشخاص،
وإنما بمنظومة كاملة تعيد إنتاج ذاتها. وكلما دخل موظف جديد وجد نفسه أمام خيارين:
إما أن ينضم إلى هذه المنظومة ليحصل على الامتيازات، وإما أن يبقى خارجها فيُهمَّش
أو يُحارب.
وهنا يتحقق معنى قوله تعالى:
﴿كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ
أُرْكِسُوا فِيهَا﴾
فالفتنة هنا ليست مجرد خلاف بين موظفين،
بل بيئة تنظيمية فاسدة تُعيد إنتاج نفسها باستمرار، وتجذب إليها كل من يجعل
المنفعة الشخصية مقدمة على الأمانة.
وكل من يدخلها يجد نفسه أمام شبكة من
العلاقات والمصالح يصعب الانفصال عنها، حتى يصبح الدفاع عنها جزءًا من بقائه
الوظيفي.
وهكذا يتضح أن أخطر ما يصيب المؤسسات ليس
وجود مدير غير كفء فحسب، بل أن تتحول الواسطة، وجماعات المصالح، وسياسة "فرّق
تسد" إلى ثقافة مؤسسية.
فعندئذ لا يعود الفساد تصرفًا فرديًا يمكن
إصلاحه، وإنما يصبح نظامًا يعيد تشكيل الأشخاص، ويكافئ من يخدمه، ويقصي من يقاومه.
وهذه هي الصورة العملية للإركاس الذي يبدأ بما كسبوا، ثم ينتهي إلى الضلال
الذي يجعل أصحابه يرون بقاء هذا النظام مصلحة، بينما هو في الحقيقة سببٌ في انهيار
العدالة، وضياع الكفاءات، وإضعاف المؤسسة من داخلها.