الفقر ليس مقصورًا على قلة المال، بل هو معنى أوسع وأعمق.
إنه مفارقة الشيء لما كان مندمجًا به، وانفصاله عما كان مرتبطًا به، حتى يفقد أثره وقوته ووظيفته.
فالفقر معنى عام، تتعدد صوره بتعدد السياقات.
وعلى هذا يمكن تدبر قولهم:
﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾
أي أنهم زعموا أن الله قد فارق تدبير الدنيا، وأنها لم تعد مرتبطة بسلطانه، وأنهم هم أصحاب التحكم بما يملكون من أسباب المادة. فردّوا الأمور إلى ظاهر الأسباب، ونسبوا التمكين لأنفسهم، وغفلوا عن أن الله هو الممسك بكل شيء.
وكذلك قوله تعالى:
﴿ٱلشَّیۡطَـٰنُ یَعِدُكُمُ ٱلۡفَقۡرَ وَیَأۡمُرُكُم بِٱلۡفَحۡشَاۤءِۖ وَٱللَّهُ یَعِدُكُم مَّغۡفِرَةࣰ مِّنۡهُ وَفَضۡلࣰاۗ وَٱللَّهُ وَ ٰسِعٌ عَلِیمࣱ﴾ [البقرة: 268]
فالشيطان لا يعد الإنسان بفقر المال وحده، وإنما يعده بمفارقة كل ما يربطه بالله؛ فيفارق القلب كتاب الله، وتفارق النفس فطرتها، ويفارق الجسد سلطان النفس، فتخرج الأفعال عن سننها، ويبدأ الفقر بالتسلل إلى كل شيء.
ونرى ذلك في حياتنا كل يوم:
- فالأرض إذا فارقت سننها التي خلقها الله عليها، افتقرت إلى خصوبتها، فأصبحت تحتاج إلى مزيد من الأسمدة والمواد الكيميائية لتعطي أقل مما كانت تعطيه.
- والطعام إذا فارق فطرته الطبيعية، افتقر إلى قيمته الغذائية، فكثرت السعرات وقلت الفائدة.
- والإنسان إذا فارق القيم، افتقر إلى الطمأنينة، وإن كثرت أمواله.
- والأسرة إذا فارقت المودة والرحمة، افتقرت إلى السكينة، ولو اجتمع أفرادها تحت سقف واحد.
- والعلم إذا فارق الحكمة، افتقر إلى الهداية، وقد يتحول إلى وسيلة للإفساد بدلًا من الإصلاح.
- والسلطة إذا فارقت العدل، افتقرت إلى الشرعية، وإن امتلكت القوة.
- والاقتصاد إذا فارق الأمانة، افتقر إلى البركة، وإن كثرت أرقامه.
- والمجتمع إذا فارق التعاون، افتقر إلى التماسك، وإن كثرت مؤسساته.
فالفقر ليس دائمًا نقصًا في الكمية، بل قد يكون فقدانًا للكيفية، ومفارقةً لما به يكتمل الشيء ويؤدي وظيفته.
ولهذا جاء وعد الشيطان بالفقر، لأنه يسعى إلى فصل الإنسان عن أسباب الكمال التي أودعها الله في خلقه، بينما جاء وعد الله بالمغفرة والفضل؛ لأن المغفرة تستر آثار المفارقة، والفضل يعيد للإنسان ما فقده من بركة واتصال بسنن الله.
ومن هنا، فإن الفقر في القرآن ليس معنى واحدًا محصورًا في المال، وإنما هو معنى يتشكل بحسب السياق، بينما يبقى أصله الجامع: مفارقة الشيء لما به قوامه وكماله.