لماذا قال القرآن ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بالصاد ولم يقل بِمُسَيْطِرٍ؟
قال تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾
(الغاشية: 21-22)
وقال سبحانه:
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ
الْمُصَيْطِرُونَ﴾
(الطور: 37)
قد يبدو للوهلة الأولى أن كلمة مصيطر
ومسيطر تؤديان المعنى نفسه، لكن منهج التأويل بالحرف القرآني يكشف أن
اختيار الصاد لم يكن اختيارًا صوتيًا، وإنما اختيارًا دلاليًا بالغ الدقة؛ لأن
القرآن لا يبدل حرفًا مكان حرف إلا إذا تبدلت معه طبقة كاملة من المعنى.
وللوصول إلى هذا المعنى لا بد من البدء من
أصل المادة سطر، ثم بيان ما أحدثته الصاد عندما حلت محل السين.
أولًا: السطر... النظام قبل السلطة
الجذر سطر مكوّن من السين والطاء
والراء.
فالسين هو حرف السنن والنظام
والاستمرار والسيطرة المنظمة، وهو يمثل القانون الذي تنتظم به الأشياء وفق
ميزان ثابت.
ثم تأتي الطاء، وهي حرف التطويع
والتمدد والهيمنة المنظمة، فتأخذ ذلك النظام وتجعله قادرًا على إدارة الواقع
وتوجيهه.
ثم تأتي الراء، فتربط جميع العناصر وتحفظ
اتصالها واستمرارها.
ومن اجتماع هذه الحروف يتولد معنى السطر.
فالسطر ليس مجرد خط يُكتب، وإنما نظام
تُرتَّب داخله الأشياء في مواضعها الصحيحة، بحيث تخضع جميعها لميزان واحد.
ولهذا فكل سطر هو ترتيب، وكل ترتيب يخضع
لقانون، وكل قانون يحتاج إلى من يضبطه.
ثانيًا: ماذا فعلت الصاد؟
هنا تأتي أعظم دقة في التعبير القرآني.
فالسين يدل على النظام الجاري وفق
السنن.
أما الصاد فيدل على الرجوع إلى الأصل
والثبات على الحق والاتصال بالمصدر الأول.
إذن فالفرق بين الحرفين ليس في مقدار
القوة، وإنما في مصدر القوة.
فالسين يصف السيطرة بوصفها نظامًا.
أما الصاد فيصف السيطرة بوصفها حقًا
مستمدًا من الأصل.
فالسين ينظر إلى آلية الإدارة.
والصاد ينظر إلى شرعية الإدارة.
وهذا هو الفارق الجوهري.
ثالثًا: لماذا لم يقل القرآن "بمسيطر"؟
لو قال سبحانه:
لست عليهم بمسيطر
لدل اللفظ على السيطرة بوصفها مجرد إدارة
أو تنظيم أو قدرة على ضبط الناس.
لكن القرآن لم ينف عن الرسول صلى الله
عليه وسلم مجرد إدارة الناس، بل نفى عنه شيئًا أعظم.
نفى عنه السلطة التي تملك أصل القلوب
وترجعها إلى ما تريد.
ولهذا جاءت الصاد.
فالمصيطر ليس مجرد مدير.
وليس مجرد قائد.
وليس مجرد حاكم.
بل هو من يملك سلطةً أصليةً على جوهر
الإنسان، فيعيده إلى ما يشاء.
وهذه السلطة ليست لأحد إلا الله.
رابعًا: الصاد في سياق سورة الغاشية
قال تعالى:
﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
فالتذكير يعيد الإنسان إلى ما يعرفه أصلًا
من الفطرة.
ثم قال بعدها مباشرة:
﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾
أي أنك تبلغ الحق.
وتذكر بالفطرة.
وتقيم الحجة.
لكن إعادة القلوب إلى أصلها ليست إليك.
فالصاد هنا منسجمة مع معنى الرجوع إلى
الأصل.
فالقلب لا يرجع إلى أصله إلا بإذن الله.
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم مذكرًا
ولم يكن مصيطرًا.
خامسًا: الصاد في سورة الطور
قال تعالى:
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ
الْمُصَيْطِرُونَ﴾
السياق كله يتحدث عن سلطان الله المطلق.
فهل يملكون خزائن الله؟
فإن لم يملكوها...
فهل يملكون السلطة الأصلية التي يتصرفون
بها في خلق الله؟
إذن فالمصيطر هنا ليس صاحب نفوذ سياسي.
ولا صاحب قوة عسكرية.
بل صاحب السلطان الحقيقي على أصل الأشياء.
وهذا لا يكون إلا لله.
ولهذا كانت الصاد أبلغ من السين.
سادسًا: دخول الميم
الميم حرف الاحتواء والتخصيص ووضع
الشيء في موضعه.
فعندما دخلت الميم على البناء صار المعنى:
الذي وُضعت له حالة السيطرة الأصلية.
أي من جُعل في موضع السلطان الحقيقي.
ثم جاءت الياء.
والياء تمثل المرحلة الفاعلة والنشاط
المؤثر.
أي أن هذه السيطرة ليست ساكنة، بل تمارس
أثرها.
ثم جاءت الراء لتربط جميع ذلك بالفعل
المستمر.
فتكوّن لفظ:
مُصَيْطِر
أي:
من احتوى موضع السلطان المستمد من الأصل،
ويمارس أثره، ويربط جميع ما تحته بسلطة واحدة.
وهذا لا يملكه بشر.
سابعًا: الفرق بين "مسيطر"
و"مصيطر"
وفق منهج الحروف يمكن تلخيص الفرق على
النحو الآتي:
|
مسيطر |
مصيطر |
|
يقوم على النظام والإدارة |
يقوم على السلطان المستمد من الأصل |
|
يضبط السلوك |
يملك أصل التوجيه |
|
سلطة تنظيمية |
سلطة وجودية |
|
يتحكم في الظاهر |
يملك الرجوع إلى الأصل |
|
قد تكون للبشر |
لا تكون على إطلاقها إلا لله |
الخلاصة
لم يختر القرآن الصاد بدل السين لمجرد
اختلاف الرسم أو النطق، وإنما لأن المقام لا يتحدث عن مجرد السيطرة الإدارية أو
التنظيمية، بل عن سلطان إعادة القلوب إلى أصلها، والتصرف في مصائر الخلق،
والهيمنة المستمدة من ربوبية الله.
فالرسول صلى الله عليه وسلم مأمور أن يبلغ
ويذكر ويقيم الحجة، لكنه ليس صاحب السلطان الذي يُرجع القلوب إلى أصل الهداية
قهرًا، كما أن المشركين لا يملكون سلطانًا أصيلًا على الكون أو على الخلق.
ومن هنا كانت كلمة ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بالصاد هي اللفظ الوحيد الذي يحقق تمام المعنى؛ لأنها تنقل مفهوم السيطرة من مجرد إدارة النظام إلى سلطان الحق المستمد من الأصل، وهو سلطان اختص الله تعالى به نفسه، ولم يجعله لأحد من خلقه.