الحلقة السابعة: سليمان عليه السلام... عندما يتحول العلم إلى عبادة
كل قوة في يد الإنسان تحمل احتمالين لا ثالث لهما؛ أن تكون وسيلة للإصلاح، أو أن تتحول إلى أداة للإفساد. وهذه قاعدة لا تستثني أحدًا، ولا يخرج عنها علم، ولا سلطان، ولا مال. لكن إذا كان الأمر كذلك، فكيف استطاع سليمان عليه السلام أن يجمع بين ملك لم يؤته أحد من العالمين، وبين النبوة، دون أن يتحول هذا الملك إلى طغيان؟
هذا السؤال لا يتعلق بسليمان وحده، بل يتعلق بكل إنسان يملك علمًا أو قدرة أو نفوذًا.
لقد اعتاد الناس أن ينظروا إلى ملك سليمان من زاوية العجائب؛ الريح، والجن، والطير، وتسخير ما لم يسخر لغيره. لكن القرآن، على غير ما يتوقع كثيرون، لا يبدأ هذه القصة بالقوة، وإنما يبدأها بالعلم.
قال تعالى:
﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾.
لم يقل: مُلِّكنا.
ولم يقل: قهرنا.
بل قال: عُلِّمنا.
وكأن القرآن يريد أن يلفت النظر إلى أن أساس الملك لم يكن القوة، وإنما المعرفة.
وهذه ليست مصادفة.
فالإنسان لا يسيطر على شيء حتى يفهم قوانينه.
لم يستطع الإنسان أن يعبر البحر إلا بعد أن تعلم قوانين الطفو.
ولم يصعد إلى السماء إلا بعد أن فهم قوانين الحركة والهواء.
ولم يخترق الفضاء إلا بعد أن أدرك قوانين الجاذبية.
فالعلم دائمًا يسبق السيطرة.
والسيطرة ليست إلا ثمرة من ثمار الفهم.
ولهذا كان سليمان، قبل أن يكون ملكًا، عالمًا بسنن أودعها الله في خلقه.
لكن هنا يظهر الفارق بينه وبين كل من أراد تحويل العلم إلى وسيلة للهيمنة.
إن أول كلمة نطق بها سليمان بعد أن ذكر ما أُعطي لم تكن افتخارًا، وإنما اعترافًا.
﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ﴾.
إنها جملة قصيرة، لكنها ترسم الحد الفاصل بين العالم والمتكبر.
فالعالم الحقيقي لا يرى نفسه مصدر العلم.
بل يرى نفسه أول المنتفعين بفضل الله.
أما المتكبر، فينسب كل شيء إلى نفسه.
ولذلك حين قال قارون:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾
بدأ طريق السقوط.
وحين قال سليمان:
﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾
بدأ طريق الشكر.
إن الفرق بين الجملتين ليس في الكلمات، وإنما في الرؤية.
أحدهما يرى نفسه أصل النعمة.
والآخر يرى نفسه مستخلفًا فيها.
وهنا نفهم لماذا كان ملك سليمان مختلفًا عن كل ملك عرفه التاريخ.
فليس الفرق أنه كان يملك أكثر.
بل أنه كان يعرف لماذا يملك.
وهذا هو السؤال الذي يغيب عن الحضارات عندما تبلغ ذروة قوتها.
فالتاريخ يخبرنا أن الأمم لا تسقط غالبًا عندما تضعف علومها، وإنما عندما تنفصل علومها عن أخلاقها.
لقد عرف الإنسان كيف يشق الذرة.
ثم استخدم هذا العلم ليصنع القنبلة النووية.
وعرف كيف يفك الشفرة الوراثية.
ثم بدأ يحلم بتصميم البشر وفق أهوائه.
وعرف كيف يربط العالم كله بشبكة واحدة.
ثم استعمل الشبكة نفسها لنشر الكذب، وصناعة الوهم، والتلاعب بعقول الملايين.
في كل هذه الأمثلة، لم يكن الخلل في العلم.
بل في الإنسان.
والقرآن يريد أن يعلمنا هذا الدرس من خلال سليمان عليه السلام.
فالقوة لا تفسد الإنسان تلقائيًا.
والعلم لا يقود إلى الطغيان حتمًا.
إنما يفسد الإنسان عندما ينسى أن القوة أمانة، وأن العلم مسؤولية.
ولهذا لم يكن سليمان يرى ما بين يديه ملكًا شخصيًا، وإنما أداة لتحقيق العدل.
وحين جاءه عرش بلقيس في لحظات، لم يقف مأخوذًا بقدرته، ولم يقل: انظروا ماذا أستطيع أن أفعل.
بل قال مباشرة:
﴿هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
تأمل هذه الآية جيدًا.
كلما ازدادت النعمة، ازداد شعوره بأنه في امتحان.
بينما الإنسان العادي يظن أن كثرة النعم تعني انتهاء الاختبار.
إنها رؤية معكوسة.
فالقرآن يعلمنا أن الامتحان الحقيقي يبدأ عندما تصبح قادرًا.
فالفقير يُختبر إذا اغتنى.
والضعيف يُختبر إذا قوي.
والجاهل يُختبر إذا تعلم.
ولهذا لم يكن ملك سليمان نهاية الطريق، بل بداية امتحان جديد.
ومن هنا تتصل قصة سليمان بقصة هاروت وماروت اتصالًا عجيبًا.
فهناك أيضًا بدأ المشهد بالعلم، وانتهى بالفتنة عند من أساء استخدامه.
أما هنا، فقد بدأ بالعلم، وانتهى بالشكر لأنه وُضع في موضعه الصحيح.
العلم واحد.
لكن النفوس ليست واحدة.
ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب علم ليس:
كم أعرف؟
بل:
لماذا أريد أن أعرف؟
فالذي يطلب العلم ليخدم الناس، يختلف عن الذي يطلبه ليخضع الناس.
والذي يبحث عن الحقيقة، يختلف عن الذي يبحث عن النفوذ.
وهنا يلتقي طريق سليمان بطريق السحرة.
كلاهما عرف.
لكن أحدهما جعل المعرفة طريقًا إلى الله، والآخر جعلها طريقًا إلى السيطرة.
ولذلك لم يكن الفرق الحقيقي بينهما في مقدار العلم، وإنما في الغاية.
وهنا نصل إلى أخطر نتيجة حتى الآن.
إن الحضارة لا تُقاس بما تملكه من أدوات، وإنما بما تملكه من قيم تضبط استعمال هذه الأدوات.
فقد تمتلك أمة أعظم المختبرات، ثم تتحول إلى مصدر دمار للعالم.
وقد تمتلك أمة علمًا أقل، لكنها تجعل هذا العلم سببًا في إعمار الأرض.
إن الفرق بينهما ليس في العقل.
بل في القلب الذي يوجه العقل.
ولهذا لم يجعل القرآن العلم أعلى مراتب الإنسان، بل جعلها الحكمة.
فالعلم يخبرك بما تستطيع أن تفعله.
أما الحكمة فتخبرك بما ينبغي أن تفعله.
وهذا هو الفرق الذي سيقودنا إلى الحلقة القادمة، لأن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو:
إذا كان العلم يحتاج إلى الحكمة حتى لا يتحول إلى فتنة، فكيف استطاع الإنسان عبر التاريخ أن يحول بعض العلوم إلى وسائل للهيمنة على الشعوب والعقول؟ وهل هذا هو الوجه الحقيقي لما سماه القرآن فتنة؟