الخوف من المستقبل لا يعيش وحده.
هو لا يظهر فجأة، ولا يضرب بعشوائية.
هو نتيجة مباشرة للحظة داخلية يفقد فيها العقل إحساسه بالسيطرة، حتى لو كانت الحياة من الخارج “مستقرة”.
العقل لا يطلب الأمان الكامل،
بل يطلب إحساسًا معقولًا بالقدرة على التوقع.
وحين يفقد هذا الإحساس، يبدأ في إنتاج بدائل… وغالبًا تكون بدائل مظلمة.
1. كيف يعمل القلق داخل العقل؟
القلق ليس فكرة،
هو آلية.
يبدأ بإشارة:
-
موقف غامض
-
خبر عابر
-
إحساس جسدي
-
ذكرى قديمة
ثم يحدث الآتي بسرعة:
-
العقل يفسر الإشارة كتهديد
-
يفتح ملف “ماذا لو”
-
يبحث عن سيناريو يمنحه إحساس الاستعداد
-
لا يجد نهاية
-
يعيد التشغيل
وهكذا تبدأ الدائرة.
الخطير هنا أن العقل لا يشعر أنه يخطئ،
بل يشعر أنه “يحميك”.
2. لماذا التفكير الزائد لا يُنتج حلولًا؟
لأن الحلول تحتاج:
-
معلومات محددة
-
حدود زمنية
-
قرارًا قابلًا للتنفيذ
أما التفكير القَلِق:
-
بلا معلومات مؤكدة
-
بلا نهاية زمنية
-
بلا قرار حقيقي
هو تفكير بلا مخرج.
ولهذا تشعر بعد ساعات من التفكير أنك:
-
لم تصل لشيء
-
لكنك متعب أكثر
-
وأكثر خوفًا
ليس لأنك لم تفكر جيدًا،
بل لأنك فكرت في مساحة لا تُحل بالتفكير.
3. “دماغي بيلف” وصف علمي دقيق
هذه الجملة ليست تعبيرًا أدبيًا فقط.
هي توصيف لحالة يُسمّيها علم النفس:
الاجترار الذهني.
وفيها:
-
الفكرة تعود بصيغة مختلفة
-
الإحساس يتكرر دون تطور
-
العقل يرفض التوقف لأنه يخاف من الفراغ
الاجترار لا يعني ضعف شخصية،
بل يعني أن العقل:
-
فقد نقطة تثبيت
-
ولم يُعطَ بديلًا صحيًا
4. لماذا يتجه العقل دائمًا للأسوأ؟
لأن الخطر – نفسيًا – أوضح من الأمان.
الأمان يحتاج ثقة،
والثقة تحتاج تجربة متكررة،
أما الخطر فيكفيه احتمال.
العقل القَلِق يعمل بمنطق:
“لو توقعت الأسوأ، لن أُفاجأ”
لكنه لا يدرك أنه:
-
يعيش الكارثة الآن
-
دون أن يمنع وقوعها لاحقًا
5. القلق والسيطرة: العلاقة الخفية
أغلب من يعانون القلق:
-
أشخاص مسئولون
-
يكرهون الفوضى
-
لا يحبون المفاجآت
وحين يدركون أن:
-
الصحة ليست مضمونة
-
الأبناء ليسوا تحت السيطرة
-
الحياة لا تعطي ضمانات
يبدأ العقل في التعويض:
ليس بالتحكم،
بل بالتفكير المفرط.
التفكير يصبح بديلًا وهميًا للسيطرة.
6. لماذا لا يكفي “اطمني”؟
لأن القلق لا يسكنه الكلام،
بل البنية الداخلية.
حين تقول لنفسك:
“ما تخافيش”
بينما عقلك بلا حدود واضحة،
فهو يسمع العبارة،
ولا يجد نظامًا يعمل به.
الطمأنينة ليست جملة،
بل ترتيب.
7. أول خطوة عملية لكسر الدائرة
ليس إيقاف التفكير،
بل إيقاف التوسع.
قاعدة ذهبية:
لا تناقش الفكرة القَلِقة أكثر من دقيقتين
بعد الدقيقتين:
-
لا تضيف سيناريو
-
لا تبحث عن إجابة جديدة
-
لا تعيد السؤال بصيغة أخرى
قل:
“هذا تفكير قَلِق، وليس معلومة”
هذا التمييز يوقف الاجترار تدريجيًا.
8. تقنية بسيطة قابلة للتطبيق
عند بداية الدوران:
-
سمِّ ما يحدث بصوت داخلي واضح:
“أنا الآن في دائرة قلق”
ثم:
-
عد للحظة الحاضرة بحركة جسدية بسيطة:
-
شرب ماء
-
تغيير وضع الجلوس
-
لمس شيء حقيقي
-
الجسد يُعيد العقل للآن،
والآن هو المكان الوحيد الذي لا يسكنه المستقبل.
9. ماذا لا تفعل مع القلق؟
-
لا تحاول إثبات أن مخاوفك خاطئة
-
لا تبحث عن ضمانات مطلقة
-
لا تقارن نفسك بمن “لا يخاف”
هذه محاولات تزيد الضغط،
ولا تعالج السبب.
ختام الجزء الثاني
العقل القَلِق ليس عدوك،
بل عقل يعمل دون دليل كافٍ.
وحين يفقد العقل السيطرة،
لا يحتاج إلى مزيد من التفكير،
بل إلى حدود.
في الجزء الثالث:
سننتقل إلى ملف حساس جدًا:
الخوف على الصحة
وكيف يتحول الاهتمام بالجسد إلى عبء نفسي خفي.
تعليقات
إرسال تعليق